في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّـٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (112)

111

ولكن الجهاد في سبيل اللّه ليس مجرد اندفاعة إلى القتال ؛ إنما هو قمة تقوم على قاعدة من الإيمان المتمثل في مشاعر وشعائر وأخلاق وأعمال . والمؤمنون الذين عقد اللّه معهم البيعة ، والذين تتمثل فيهم حقيقة الإيمان هم قوم تتمثل فيهم صفات إيمانية أصيلة :

( التائبون . العابدون . الحامدون . السائحون . الراكعون الساجدون . الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر . والحافظون لحدود الله ) . .

( التائبون ) . . مما أسلفوا ، العائدون إلى اللّه مستغفرين . والتوبة شعور بالندم على ما مضى ، وتوجه إلى اللّه فيما بقي ، وكف عن الذنب ، وعمل صالح يحقق التوبة بالفعل كما يحققها بالترك . فهي طهارة وزكاة وتوجه وصلاح .

( العابدون ) . . المتوجهون إلى اللّه وحده بالعبادة وبالعبودية ، إقراراً بالربوبية . . صفة هذه ثابتة في نفوسهم تترجمها الشعائر ، كما يترجمها التوجه إلى الله وحده بكل عمل وبكل قول وبكل طاعة وبكل اتباع . فهي إقرار بالألوهية والربوبية للّه في صورة عملية واقعية .

( الحامدون ) . . الذين تنطوي قلوبهم على الاعتراف للمنعم بالنعمة ؛ وتلهج ألسنتهم بحمد اللّه في السراء والضراء . في السراء للشكر على ظاهر النعمة ، وفي الضراء للشعور بما في الابتلاء من الرحمة . وليس الحمد هو الحمد في السراء وحدها ، ولكنه الحمد في الضراء حين يدرك القلب المؤمن أن اللّه الرحيم العادل ما كان ليبتلي المؤمن إلا لخير يعلمه ، مهما خفي على العباد إدراكه .

( السائحون ) . . وتختلف الروايات فيهم . فمنها ما يقول : إنهم المهاجرون . ومنها ما يقول : إنهم المجاهدون . ومنها ما يقول : إنهم المتنقلون في طلب العلم . ومنهم من يقول : إنهم الصائمون . . ونحن نميل إلى اعتبارهم المتفكرين في خلق اللّه وسننه ، ممن قيل في أمثالهم في موضع آخر : ( إن في خلق السماوات والأرض . واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب ، الذين يذكرون اللّه قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض : ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك ! . . . ) . . فهذه الصفة أليق هنا بالجو بعد التوبة والعبادة والحمد . فمع التوبة والعبادة والحمد يكون التدبر في ملكوت اللّه على هذا النحو الذي ينتهي بالإنابة إلى اللّه ، وإدراك حكمته في خلقه ، وإدراك الحق الذي يقوم عليه الخلق . لا للاكتفاء بهذا الإدراك وإنفاق العمر في مجرد التأمل والاعتبار . ولكن لبناء الحياة وعمرانها بعد ذلك على أساس هذا الإدراك

( الراكعون الساجدون ) . . الذين يقيمون الصلاة ويقومون بالصلاة كأنها صفة ثابتة من صفاتهم ؛ وكأن الركوع والسجود طابع مميز بين الناس لهم .

( الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر ) . . وحين يقوم المجتمع المسلم الذي تحكمه شريعة اللّه ، فيدين للّه وحده ولا يدين لسواه ، يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في داخل هذا المجتمع ؛ ويتناول ما يقع فيه من أخطاء وانحرافات عن منهج اللّه وشرعه . . ولكن حين لا يكون في الأرض مجتمع مسلم ؛ وذلك حين لا يكون في الأرض مجتمع الحاكمية فيه للّه وحده ، وشريعة اللّه وحدها هي الحاكمة فيه ، فإن الأمر بالمعروف يجب أن يتجه أولاً إلى الأمر بالمعروف الأكبر ، وهو تقرير ألوهية اللّه وحده سبحانه وتحقيق قيام المجتمع المسلم . والنهي عن المنكر يجب أن يتجه أولاً إلى النهي عن المنكر الأكبر . وهو حكم الطاغوت وتعبيد الناس لغير اللّه عن طريق حكمهم بغير شريعة اللّه . . والذين آمنوا بمحمد - [ ص ] - هاجروا وجاهدوا ابتداء لإقامة الدولة المسلمة الحاكمة بشريعة اللّه ، وإقامة المجتمع المسلم المحكوم بهذه الشريعة . فلما تم لهم ذلك كانوا يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر في الفروع المتعلقة بالطاعات والمعاصي . ولم ينفقوا قط جهدهم ، قبل قيام الدولة المسلمة والمجتمع المسلم في شيء من هذه التفريعات التي لا تنشأ إلا بعد قيام الأصل الأصيل ! ومفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا بد أن يدرك وفق مقتضى الواقع . فلا يبدأ بالمعروف الفرعي والمنكر الفرعي قبل الانتهاء من المعروف الأكبر والمنكر الأكبر ، كما وقع أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم !

( والحافظون لحدود اللّه ) . . وهو القيام على حدود اللّه لتنفيذها في النفس وفي الناس . ومقاومة من يضيعها أو يعتدي عليها . . ولكن هذه كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، لا يقام عليها إلا في مجتمع مسلم . ولا مجتمع مسلم إلا المجتمع الذي تحكمه شريعة اللّه وحدها في أمره كله ؛ وإلا الذي يفرد اللّه سبحانه بالألوهية والربوبية والحاكمية والتشريع ؛ ويرفض حكم الطاغوت المتمثل في كل شرع لم يأذن به اللّه . . والجهد كله يجب أن ينفق ابتداء لإقامة هذا المجتمع . ومتى قام كان هناك مكان للحافظين لحدود اللّه فيه . . كما وقع كذلك أول مرة عند نشأة المجتمع المسلم !

هذه هي الجماعة المؤمنة التي عقد اللّه معها بيعته . وهذه هي صفاتها ومميزاتها : توبة ترد العبد إلى اللّه ، وتكفه عن الذنب ، وتدفعه إلى العمل الصالح . وعبادة تصله باللّه وتجعل اللّه معبوده وغايته ووجهته . وحمد للّه على السراء والضراء نتيجة الاستسلام الكامل للّه والثقة المطلقة برحمته وعدله . وسياحة في ملكوت اللّه مع آيات اللّه الناطقة في الكون الدالة على الحكمة والحق في تصميم الخلق . وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر يتجاوز صلاح الذات إلى إصلاح العباد والحياة . وحفظ لحدود اللّه يرد عنها العادين والمضيعين ، ويصونها من التهجم والانتهاك

هذه هي الجماعة المؤمنة التي بايعها اللّه على الجنة ، واشترى منها الأنفس والأموال ، لتمضي مع سنة اللّه الجارية منذ كان دين اللّه ورسله ورسالاته . قتال في سبيل اللّه لإعلاء كلمة اللّه ؛ وقتل لأعداء اللّه الذين يحادون الله ؛ أو استشهاد في المعركة التي لا تفتر بين الحق والباطل ، وبين الإسلام والجاهلية ، وبين الشريعة والطاغوت ، وبين الهدى والضلال .

وليست الحياة لهواً ولعباً . وليست الحياة أكلاً كما تأكل الأنعام ومتاعاً . وليست الحياة سلامة ذليلة ، وراحة بليدة ورضى بالسلم الرخيصة . . إنما الحياة هي هذه : كفاح في سبيل الحق ، وجهاد في سبيل الخير ، وانتصار لإعلاء كلمة اللّه ، أو استشهاد كذلك في سبيل اللّه . . ثم الجنة والرضوان . .

هذه هي الحياة التي يدعى إليها المؤمنون باللّه : ( يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم ) . . . وصدق اللّه . وصدق رسول اللّه . .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّـٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (112)

فيه ثلاث مسائل :

الأولى - قوله تعالى : " التائبون العابدون " التائبون هم الراجعون عن الحالة المذمومة في معصية الله إلى الحالة المحمودة في طاعة الله . والتائب هو الراجع . والراجع إلى الطاعة هو أفضل من الراجع عن المعصية لجمعه بين الأمرين . " العابدون " أي المطيعون الذين قصدوا بطاعتهم الله سبحانه . " الحامدون " أي الراضون بقضائه المصرفون نعمته في طاعته ، الذين يحمدون الله على كل حال . " السائحون " الصائمون ، عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما . ومنه قوله تعالى : " عابدات سائحات{[8317]} " [ التحريم : 5 ] . وقال سفيان بن عيينة : إنما قيل للصائم سائح لأنه يترك اللذات كلها من المطعم والمشرب والمنكح . وقال أبو طالب :

وبالسائحين لا يذوقون قطرة*** لربهم والذاكرات العوامل

وقال آخر :

برا يصلي ليله ونهاره*** يظل كثير الذكر لله سائحا

وروي عن عائشة أنها قالت : سياحة هذه الأمة الصيام ، أسنده الطبري . ورواه أبو هريرة مرفوعا عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( سياحة أمتي الصيام ) . قال الزجاج : ومذهب الحسن أنهم الذين يصومون القرض . وقد قيل : إنهم الذين يديمون الصيام . وقال عطاء : السائحون المجاهدون . وروى أبو أمامة أن رجلا استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في السياحة فقال : ( إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله ) . صححه أبو محمد عبدالحق . وقيل : السائحون المهاجرون ، قاله عبدالرحمن بن زيد . وقيل : هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم ، قال عكرمة . وقيل : هم الجائلون بأفكارهم في توحيد ربهم وملكوته وما خلق من العبر والعلامات الدالة على توحيده وتعظيمه حكاه النقاش ، وحكي أن بعض العباد أخذ القدح ليتوضأ لصلاة الليل فأدخل أصبعه في أذن القدح وقعد يتفكر حتى طلع الفجر فقيل له في ذلك فقال : أدخلت أصبعي في أذن القدح فتذكرت قول الله تعالى : " إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل{[8318]} " [ غافر : 71 ] وذكرت كيف أتلقى الغل ، وبقيت ليلي في ذلك أجمع .

قلت : لفظ " س ي ح " يدل على صحة هذه الأقوال فإن السياحة أصلها الذهاب على وجه الأرض كما يسيح الماء ، فالصائم مستمر على الطاعة في ترك ما يتركه من الطعام وغيره فهو بمنزلة السائح . والمتفكرون تجول قلوبهم فيما ذكروا . وفي الحديث : ( إن لله ملائكة سياحين مشائين في الآفاق يبلغونني صلاة أمتي ) ويروى " صياحين " بالصاد ، من الصياح . " الراكعون الساجدون " يعني في الصلاة المكتوبة وغيرها . " الآمرون بالمعروف " أي بالسنة ، وقيل : بالإيمان . " والناهون عن المنكر " قيل : عن البدعة . وقيل : عن الكفر . وقيل : هو عموم في كل معروف ومنكر . " والحافظون لحدود الله " أي القائمون بما أمر به والمنتهون عما نهى عنه .

الثانية - واختلف أهل التأويل في هذه الآية هل هي متصلة بما قبل أو منفصلة فقال جماعة : الآية الأولى مستقلة بنفسها يقع تحت تلك المبايعة كل موحد قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وإن لم يتصف بهذه الصفات في هذه الآية الثانية أو بأكثرها . وقالت فرقة : هذه الأوصاف جاءت على جهة الشرط والآيتان مرتبطتان فلا يدخل تحت المبايعة إلا المؤمنون الذين هم على هذه الأوصاف ويبذلون أنفسهم في سبيل الله قاله الضحاك . قال ابن عطية : وهذا القول تحريج وتضييق ، ومعنى الآية على ما تقتضيه أقوال العلماء والشرع أنها أوصاف الكملة من المؤمنين ذكرها الله ليستبق إليها أهل التوحيد حتى يكونوا في أعلى مرتبة . وقال الزجاج : الذي عندي أن قوله : " التائبون العابدون " رفع بالابتداء وخبره مضمر ، أي التائبون العابدون - إلى آخر الآية - لهم الجنة أيضا وإن لم يجاهدوا إذ لم يكن منهم عناد وقصد إلى ترك الجهاد لأن بعض المسلمين يجزي عن بعض في الجهاد . واختار هذا القول القشيري وقال : وهذا حسن إذ لو كان صفة للمؤمنين المذكورين في قوله : " اشترى من المؤمنين " لكان الوعد خاصا للمجاهدين . وفي مصحف عبدالله " التائبين العابدين " إلى آخرها ؛ ولذلك وجهان : أحدهما الصفة للمؤمنين على الإتباع . والثاني النصب على المدح .

الثالثة - واختلف العلماء في الواو في قوله : " والناهون عن المنكر " فقيل : دخلت في صفة الناهين كما دخلت في قوله تعالى : " حم . تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم . غافر الذنب . وقابل التوب{[8319]} " [ غافر : 1 ، 2 ، 3 ] فذكر بعضها بالواو والبعض بغيرها . وهذا سائغ معتاد في الكلام ولا يطلب لمثله حكمة ولا علة . وقيل : دخلت لمصاحبة الناهي عن المنكر الآمر بالمعروف فلا يكاد يذكر واحد منها مفردا . وكذلك قوله{[8320]} : " ثيبات وأبكارا{[8321]} " [ التحريم : 5 ] . ودخلت في قوله{[8322]} : " والحافظون " لقربه من المعطوف . وقد قيل : إنها زائدة ، وهذا ضعيف لا معنى له . وقيل : هي واو الثمانية ؛ لأن السبعة عند العرب عدد كامل صحيح . وكذلك قالوا في قوله : " ثيبات وأبكارا " [ التحريم : 5 ] . وقول في أبواب الجنة : " وفتحت أبوابها{[8323]} " [ الزمر : 73 ] وقوله : " ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم{[8324]} " [ الكهف : 22 ] وقد ذكرها ابن خالويه في مناظرته لأبي علي الفارسي في معنى قوله : " وفتحت أبوابها " [ الزمر : 73 ] وأنكرها أبو علي . قال ابن عطية : وحدثني أبي رضي الله عنه عن الأستاذ النحوي أبي عبدالله الكفيف المالقي ، وكان ممن استوطن غرناطة وأقرأ فيها في مدة ابن حبوس أنه قال : هي لغة فصيحة لبعض العرب من شأنهم أن يقولوا إذا عدوا : واحد اثنان ثلاثة أربعة خمس ستة سبعة وثمانية تسعة عشرة وهكذا هي لغتهم . ومتى جاء في كلامهم أمر ثمانية أدخلوا الواو . قلت : هي لغة قريش . وسيأتي بيانه ونقضه في سورة [ الكهف{[8325]} ] إن شاء الله تعالى وفي " الزمر{[8326]} ] أيضا بحول الله تعالى{[8327]} .


[8317]:راجع ج 18 ص 192.
[8318]:راجع ج 15 ص 331 فما بعد.
[8319]:راجع ج 15 ص 289.
[8320]:من ج و هـ و ز
[8321]:راجع ج 18 ص 193.
[8322]:من ج.
[8323]:راجع ج 15 ص 384 – 382.
[8324]:راجع ج 10 ص 382.
[8325]:راجع ج 10 ص 382.
[8326]:راجع ج 15 ص 384 – 382.
[8327]:من ب و ج و ع و ك و هـ و ز.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{ٱلتَّـٰٓئِبُونَ ٱلۡعَٰبِدُونَ ٱلۡحَٰمِدُونَ ٱلسَّـٰٓئِحُونَ ٱلرَّـٰكِعُونَ ٱلسَّـٰجِدُونَ ٱلۡأٓمِرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَٱلنَّاهُونَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَٱلۡحَٰفِظُونَ لِحُدُودِ ٱللَّهِۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} (112)

قوله تعالى : { التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الأمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين } { التائبون } ، مبتدأ ، وخبره { العابدون } وما بعده أوصاف أو أخبار متعددة .

وقيل : إن الخبر قوله : { الأمرون } وقيل : الخبر محذوف . والتقدير : التائبون الموصوفون بهذه الصفات من أهل الجنة . وهذا عند من يرى أن هذه الآية منقطعة مما قبلها ؛ فهي ليست شرطا في المجاهدة . وأما ما زعم أنها شرط في المجاهدة فيكون إعراب التائبين خير مبتدأ محذوف ؛ أي هم التائبون ؛ فتكون هذه الأوصاف عند هؤلاء من صفات المؤمنين في قوله تعالى : { اشترى من المؤمنين } {[1910]} ، وقد ذهب إلى هذا المعنى بعض المفسرين وفيهم ابن عباس ؛ إذ قال : الشهيد من كان فيه هذه الخصال التسع وتلا هذه الآية . وبذلك فإن هذه أوصاف المؤمنين الذين اشترى الله منهم أنفسهم وأموالهم ؛ فهم بذلك المجاهدون على النحو الأتم والمطلوب . لكن لا يخفى ما في هذا التأويل من حرج ؛ فإنه بناء عليه لا يفوز بالجنة من المجاهدين إلا القلة ممن اتصف بهذه الأوصاف . ولسوف يخرج إذن من هذه الحظوة المباركة كثير من المجاهدين الذين استشهدوا في سبيل الله ولم يتصفوا بهذه الصفات .

وعلى هذا فالراجح من إعراب { التائبون } أنها مبتدأ ، والخبر محذوف تقديره : من أهل الجنة وإن لم يجاهدوا . وذلك قوله تعالى : { وكلا وعد الله الحسنى } فإن كلا ، يفيد العموم . والحسنى بمعنى الجنة . وعلى هذا يكون معنى الآية منفصلا من معنى الآية التي سبقتها . ويؤيد ذلك ما صح من حديث مسلم أن ( من قتل في سبيل الله وهو صابر محتسب مقبل غير مدبر ؛ كفرت خطاياه إلا الدين ) وذلك ظاهر في أن المجاهد لا يشترط كونه متصفا بجميع الصفات التي في الآية . بل هي تبشير لمطلق المجاهدين . وهو المفهوم من ظواهر الأخبار التي تدل على أن الفضل الوارد في حق المجاهدين مختص بمن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا .

أما { التائبون } ، فالمراد بهم الذين تابوا عن الشرك والنفاق . أو عن الشرك وسائر المعاصي والذنوب وهو الأصوب ؛ لأن كلمة التائبين من ألفاظ العموم فهي تتناوب كل تائب .

وأما { العابدون } فقيل : هم الذين يعبدون الله بالصلاة وهو قول ابن عباس ، وفي رواية عنه أخرى أنهم المطيعون بالعبادة . وقيل : هم الذين يعبدون الله في السراء والضراء .

وأما { الحامدون } من الحمد ، وهو الثناء ، أو الوصف بالجميل : فالحامدون الذين يحمدون الله على كل حال ، وقيل : هم الذين يشكرون الله على أنعمه . على أن الحمد أولى من الشكر ؛ فقد روي عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( أول ما يدعي إلى الجنة الحامدون الذين يحمدون على السراء والضراء ) . وعن السيدة عائشة قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أتاه الأمر يسره قال : ( الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ) وإذا أتاه الأمر يكرهه قال : ( الحمد لله على كل حال ) .

وأما { السائحون } فهم الصائمون ، وهو قول كثير من جلة الصحابة والتابعين ، وقد روي عن عائشة قولها : سياحة هذه الأمة الصيام . وذلك من باب الاستعارة لأن الصوم يعوق عن الشهوات كما تمنع السياحة منها في الغالب . وقيل : المراد بهم المسافرون لطلب العلم . وقيل : هم الذين يجولون بأفكارهم وعقولهم في ملكوت الله وفي خلقه .

أما { الراكعون الساجدون } فالمراد بهم المصلون . فالركوع والسجود على معناهما الحقيقي ، وهما أعظم الأركان في الصلاة .

وأما { الأمرون بالمعروف } فهم الذين يدعون الناس إلى الإيمان وعمل الطاعات ، وهم { الناهون عن المنكر } ينهون الناس عن الشرك بالله على اختلاف صوره وضروبه ، ويدعونه إلى مجانبة عصيان الله ومخالفة أوامره .

قوله : { والحافظون لحدود الله } أي المطيعون لله فيرعون ما بينه الله من أحكام وشرائع فيلتزمون ما ينبغي فعله وما يجب تركه . وقيل : المراد بحفظ الحدود وإقامة الحدود من العقوبات وإيقاع القصاص على المستحقين لذلك .

قوله : { وبشر المؤمنين } وهم الموصوفون بتلك الصفات العظيمة يبشرهم ربهم بأنهم مستحقون درجة الإيمان الكامل حيث السعادة التامة والفوز كل الفوز{[1911]} .

قوله تعالى : { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولى قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم 113 وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه فلما تبين له أنه عدو الله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم } أخرج الإمام أحمد والبخاري ومسلم والنسائي والبيهقي وآخرون عن ابن المسيب عن أبيه قال : لما خضرت أبا طالب الوفاة دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جعل وعبد الله بن أبي أمية فقال : ( أي عم ، قل لا إله إلا الله كلمة أحاج لك بها عند الله عز وجل ) فقال أبو جعل وعبد الله بن أبي أمية : يا أبا طالب ، أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فقال : أنا على ملة عبد المطلب . فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لأستغفرن لك ما لم أنه عنك ) فنزلت { ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين } قال : ونزلت فيه { إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء } {[1912]} . ويستفاد من ذلك : أمه ما ينبغي للمسلم أن يستغفر لكافر من الكافرين أو يدعو له بالتوبة والغفران ، سواء كان من الأصدقاء أو الأقرباء أو الأباعد ، ما دام قد مات على الشرك . وذلك تقرير رباني ثابت لا رجاء فيه بالمغفرة للمشركين الذين ماتوا وهم كافرون . أولئك لن يغفر الله لهم وإن استغفرت لهم كل خلائق الأرض والسماء . وفي ذلك قوله سبحانه { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء } .


[1910]:الدر المصون جـ 6 ص 129.
[1911]:روح المعاني جـ 6 ص 30- 32 وتفسير ابن كثير جـ 2 ص 392.
[1912]:تفسير ابن كثير جـ 2 ص 393.