ثم يعرض الشبهة التي تعلق بها من لم يؤمنوا - وهم كثرة الناس - على مدار الزمان والرسالات :
( وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين ، أو يأتيهم العذاب قبلا ) . .
فلقد جاءهم من الهدى ما يكفي للاهتداء . ولكنهم كانوا يطلبون أن يحل بهم ما حل بالمكذبين من قبلهم من هلاك - استبعادا لوقوعه واستهزاء - أو أن يأتيهم العذاب مواجهة يرون أنه سيقع بهم . وعندئذ فقط يوقنون فيؤمنون !
قوله تعالى : " وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى " أي القرآن والإسلام ومحمد عليه الصلاة والسلام " ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين " أي سنتنا في إهلاكهم إي ما منعهم عن الإيمان إلا حكمي عليهم بذلك ، ولو حكمت عليهم بالإيمان آمنوا . وسنة الأولين عادة الأولين في عذاب الاستئصال . وقيل : المعنى وما منع الناس أن يؤمنوا إلا طلب أن تأتيهم سنة الأولين فحذف . وسنة الأولين معاينة العذاب ، فطلب المشركون ذلك ، وقالوا " اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك{[10583]} . . . " [ الأنفال :32 ] الآية . " أو يأتيهم العذاب قبلا{[10584]} " نصب على الحال ، ومعناه عيانا قاله ابن عباس . وقال الكلبي : هو السيف يوم بدر . وقال مقاتل : فجأة وقرأ أبو جعفر وعاصم والأعمش وحمزة ويحيى والكسائي " قبلا " بضمتين أرادوا به أصناف العذاب كله{[10585]} ، جمع قبيل نحو سبيل وسبل . النحاس : ومذهب الفراء أن " قبلا " جمع قبيل أي متفرقا يتلو بعضه بعضا . ويحوز عنده أن يكون المعنى عيانا . وقال الأعرج : وكانت قراءته " قُبُلا " معناه جميعا وقال أبو عمرو : وكانت قراءته " قِبَلا " ومعناه عيانا .
ولما بين إعراضهم ، بين موجبه عندهم فقال : { وما منع } {[46682]}ولما كان الناس تبعاً لقريش قال{[46683]} : { الناس } أي الذين جادلوا بالباطل ، {[46684]}الإيمان - هكذا كان الأصل ، ولكنه عبر عن هذا المفعول الثاني بقوله تعالى{[46685]} : { أن{[46686]} يؤمنوا } {[46687]}ليفيد التجديد وذمهم على الترك{[46688]} { إذ } {[46689]}أي حين{[46690]} { جاءهم الهدى } بالكتاب على لسان الرسول ، وعطف على المفعول الثاني - معبراً بمثل ما مضى {[46691]}لما مضى{[46692]} - قولَه تعالى{[46693]} : { ويستغفروا{[46694]} ربهم } أي{[46695]} المحسن إليهم .
{[46696]}ولما كان الاستثناء مفرغاً ، أتى بالفاعل فقال تعالى{[46697]} : { إلا{[46698]} أن } أي{[46699]} طلب أن { تأتيهم سنة الأولين } في إجابتهم إلى ما اقترحوه على رسلهم ، المقتضي للاستئصال لمن استمر على الضلال ، {[46700]}ومن ذلك طلبهم أن يكون النبي{[46701]} ملكاً ، وذلك نقمة في صورة{[46702]} نعمة و{[46703]}إتيان بالعذاب{[46704]} دبراً ، أي مستوراً { أو } طلب أن { يأتيهم العذاب قبلاً * } أي مواجهة {[46705]}ومعاينة ومشاهدة من غير ستر له{[46706]} ، هو في قراءة من كسر القاف وفتح الباء{[46707]} واضح ، من قولهم : لقيت فلاناً قبلاً ، أي معاينة ، وكذا في قراءة من ضمهما{[46708]} ، من قولهم : أنا آتيك قبلاً لا دبراً ، أي{[46709]} مواجهة من جهة وجهك{[46710]} لا من جهة قفاك ، قال تعالى : إن كان قميصه قدَّ من قبل{[46711]} }[ يوسف : 26 ] ، ويصح أن يراد بهذه القراءة الجماعة ، لأن المراد بالعذاب الجنس{[46712]} أي{[46713]} يأتيهم أصنافاً مصنفة صنفاًصنفا ونوعاً نوعاً ، وقد مضى في الأنعام بيانه ، وهذا {[46714]}الشق قسيم{[46715]} الإتيان بسنة الأولين ، فمعناه : من غير أن{[46716]} يجابوا إلى{[46717]} ما اقترحوا كما تقدم في التي قبلها{ فأبى أكثر الناس إلا كفوراً وقالوا لن نؤمن لك }[ الإسراء :89-90 ] - إلى قوله تعالى :{ أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً{[46718]} }[ الإسراء : 92 ] الآية {[46719]}وهذه الآية من{[46720]} الاحتباك : ذكر { سنة الأولين } أولاً يدل على ضدها ثانياً ، وذكر المكاشفة ثانياً يدل على المساترة أولاً .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.