ويختم المشهد بمنظر الكون الذي آل إليه . وهو يشارك في تصوير الهول الآخذ بزمام القلوب ، وبزمام الكائنات كلها في ذلك اليوم العصيب :
( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب ) . .
فإذا السماء مطوية كما يطوي خازن الصحائف صحائفه ؛ وقد قضي الأمر ، وانتهى العرض ، وطوي الكون الذي كان يألفه الإنسان . . وإذا عالم جديد وكون جديد :
( كما بدأنا أول خلق نعيده ) . . ( وعدا علينا إنا كنا فاعلين ) . .
قوله تعالى : " يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب " قرأ أبو جعفر بن القعقاع وشيبة بن نصاح والأعرج والزهري " تُطوى " بتاء مضمومة " السماء " رفعا على ما لم يسم فاعله . مجاهد " يطوي " على معنى يطوي الله السماء . الباقون " نطوي " بنون العظمة . وانتصاب " يوم " على البدل من الهاء المحذوفة في الصلة ، التقدير : الذي كنتم توعدونه يوم نطوي السماء . أو يكون منصوبا ب " نعيد " من قول " كما بدأنا أول خلق نعيده " . أو بقول : " لا يحزنهم " أي لا يحزنهم الفزع الأكبر في اليوم الذي نطوي فيه السماء . أو على إضمار واذكر ، وأراد بالسماء الجنس ، دليله : " والسموات مطويات بيمنه " {[11380]} [ الزمر : 67 ] . " كطي السجل للكتاب " {[11381]} قال ابن عباس ومجاهد : أي كطي الصحيفة على ما فيها ، فاللام بمعنى " على " . وعن ابن عباس أيضا اسم كاتب رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بالقوي ؛ لأن كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم معروفون ليس هذا منهم ، ولا في أصحابه من اسمه السجل . وقال ابن عباس أيضا وابن عمر والسدي : " السجل " ملك ، وهو الذي يطوي كتب بني آدم إذا رفعت إليه . ويقال : إنه في السماء الثالثة ، ترفع إليه أعمال العباد ، يرفعها إليه الحفظة الموكلون بالخلق في كل خميس واثنين ، وكان من أعوانه فيما ذكروا هاروت وماروت . والسجل الصك ، وهو اسم مشتق من السجالة وهي الكتابة ؛ وأصلها من السجل وهو الدلو ، تقول : ساجلت الرجل إذا نزعت دلوا ونزع دلوا ، ثم استعيرت فسميت المكاتبة والمراجعة مساجلة . وقد سجل الحاكم تسجيلا . وقال الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب :
من يُسَاجِلْنِي يُسَاجِلْ ماجدًا *** يملأُ الدَّلْوَ إلى عَقْدِ الكَرَب{[11382]}
ثم بني هذا الاسم على فِعِلَّ مثل : حِمِرَّ وطِمِرَّ وبِلِيَّ . وقرأ أبو زرعة بن عمرو بن جرير : " كطي السُّجُلّ " بضم السين والجيم وتشديد اللام . وقرأ الأعمش وطلحة " كطي السَّجْل " بفتح السين وإسكان الجيم وتخفيف اللام . قال النحاس : والمعنى واحد إن شاء الله تعالى . والتمام عند قوله : " للكتاب " . والطي في هذه الآية يحتمل معنيين : أحدهما : الدرج الذي هو ضد النشر ، قال الله تعالى : " والسموات مطويات بيمينه " [ الزمر : 67 ] . والثاني : الإخفاء والتعمية والمحو ؛ لأن الله تعالى يمحو ويطمس رسومها ويكدر نجومها . قال الله تعالى : " إذا الشمس كورت . وإذا النجوم انكدرت{[11383]} " [ التكوير : 1 - 2 ] " وإذا السماء كشطت " [ التكوير : 11 ] . " للكتاب " وتم الكلام . وقراءة الأعمش وحفص وحمزة والكسائي ويحيى وخلف : " للكتب " جمعا ، ثم استأنف الكلام فقال : " كما بدأنا أول خلق نعيده " أي نحشرهم حفاة عراة غرلا كما بدؤوا في البطون . وروى النسائي عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( يحشر الناس يوم القيامة عراة غُرْلا أول الخلق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام - ثم قرأ - " كما بدأنا أول خلق نعيده " أخرجه مسلم أيضا عن ابن عباس قال : قام فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بموعظة فقال : ( يا أيها الناس إنكم تحشرون إلى الله حفاة عراة غُرْلا " كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا علينا إنا كنا فاعلين " ألا وإن أول الخلائق يكسى يوم القيامة إبراهيم عليه السلام ) وذكر الحديث . وقد ذكرنا هذا الباب في كتاب " التذكرة " مستوفى . وذكر سفيان الثوري عن سلمة بن كهيل عن أبي الزعراء عن عبدالله بن مسعود قال : يرسل الله عز وجل ماء من تحت العرش كمني الرجال فتنبت منه لحمانهم وجسمانهم كما تنبت الأرض بالثرى . وقرأ " كما بدأنا أول خلق نعيده " . وقال ابن عباس : المعنى . نهلك كل شيء ونفنيه كما كان أول مرة{[11384]} ، وعلى هذا فالكلام متصل بقوله : " يوم نطوي السماء " أي نطويها فنعيدها إلى الهلاك والفناء فلا تكون شيئا . وقيل : نفني السماء ثم نعيدها مرة أخرى بعد طيها وزوالها ، كقوله : " يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات{[11385]} " [ إبراهيم : 48 ] والقول الأول أصح وهو نظير قوله : " ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة{[11386]} " [ الأنعام : 94 ] وقوله عز وجل : " وعرضوا على ربك صفا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة " {[11387]} " وعدا " نصب على المصدر ، أي وعدنا وعدا " علينا " إنجازه والوفاء به أي من البعث والإعادة ففي الكلام حذف . ثم أكد ذلك بقول جل ثناؤه : " إنا كنا فاعلين " قال الزجاج : معنى " إنا كنا فاعلين " إنا كنا قادرين على ما نشاء . وقيل " إنا كنا فاعلين " أي ما وعدناكم وهو كما قال : " كان وعده مفعولا{[11388]} " [ المزمل : 18 ] . وقيل : " كان " للإخبار بما سبق من قضائه . وقيل : صلة .
ولما كانت هذه الأفعال على غاية من{[51866]} الأهوال ، تتشوف بها النفس إلى معرفة اليوم الذي تكون فيه ، قال{[51867]} تعالى شافياً لعيّ هذا السؤال ، زيادة في تهويل ذلك اليوم لمن له وعي : { يوم } أي تكون هذه الأشياء يوم { نطوي } {[51868]} أي بما لنا من العظمة الباهرة{[51869]} { السماء } طياً فتكون كأنها لم تكن ؛ ثم صور طيّها بما يعرفون فقال مشبهاً للمصدر{[51870]} الذي دل عليه الفعل : { كطيّ السجل } أي الكتاب {[51871]} الذي له العلو والقدرة على مكتوبه{[51872]} { للكتب } أي القرطاس الذي يكتبه ويرسله إلى أحد ، وإنما قلت ذلك لأن السجل يطلق على الكتاب وعلى الكاتب - قاله في القاموس ، واختير للفاعل لفظ السجل لما مضى في سورة هود من أن هذه المادة تدور على العلو ، وللمطوي لفظ الكتاب الدال على الجمع ، لكونه لازماً للطي ، مع أن ذلك أنسب لما جعل كل منهما مثالاً له ، وقراءة المفرد لمقابلة لفظ السماء ، والجمع للدلالة على أن المراد الجنس ، فجميع السماوات تطوى ؛ قال ابن كثير{[51873]} : قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ثنا محمد بن أحمد بن الحجاج الرقي حدثنا محمد بن سلمة عن أبي الواصل عن أبي المليح عن الأزدي عن أبي الجوزاء الأزدي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : يطوي الله السماوات السبع بما فيها من الخليفة ، والأرضين السبع بما فيها من الخليفة ، يطوي ذلك كله بيمينه حتى يكون ذلك{[51874]} بمنزلة خردلة .
ولما كان هذا عند من لا يعلم أعظم استبعاداً من استبعادهم إعادة الموتى ، قال{[51875]} {[51876]} دالاًّ عليه{[51877]} مقرباً له إلى العقول بتشبيه الإعادة بالإبداء ، في تناول القدرة لهما على السواء ، فإنه كما أخرجه بعلم من خزائن قدرته كذلك يرده بعلمه في خزائن قدرته ، كما يصنع في نور السراج ونحوه إذا أطفىء ، فكذا في غيره من جميع الأشياء{[51878]} { كما } أي مثل ما { بدأنا } {[51879]} أي بما عُلم لنا من العظمة{[51880]} { أول خلق } {[51881]} أي تقدير أيّ تقدير كان ، {[51882]} نكره ليفيد التفصيل واحداً واحداً ، بمعنى أن كل خلق جل أو قل سواء في هذا الحكم ، وهو أنا{[51883]} { نعيده } {[51884]} أي بتلك العظمة بعينها{[51885]} ، {[51886]} غير ناسين له ولا غافلين ولا عاجزين عنه{[51887]} ، فما كان متضامّ الأجزاء فمددناه نضمه بعد امتداده ، وما كان ميتاً فأحييناه نميته بعد حياته ، وما كان حياً فأمتناه نحييه بعد موته ، ونعيد منهم من التراب من بدأناه{[51888]} منه ، والحاصل أن من أوجد شيئاً لا يبعد عليه التصرف فيه كيفما كان ؛ روى البخاري في التفسير{[51889]} عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : خطب النبي صلى الله عليه وسلم فقال{[51890]} :
" إنكم محشورون إلى الله عراة غرلاً { كما بدأنا أول خلق نعيده } - الآية ، أول من يكسى {[51891]} يوم القيامة{[51892]} إبراهيم عليه السلام ، ألا إنه يجاء برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال فأقول : يارب ! أصحابي ! فيقال : لا تدري ما أحدثوا بعدك ، فأقول كما قال العبد الصالح { كنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم - إلى قوله - شهيد } فيقال{[51893]} : إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم " ثم أعلم أن ذلك أمر لابد منه بالتعبير بالمصدر {[51894]}تأكيداً لما أنكروه وبالغوا في إنكاره{[51895]} فقال : { وعداً } وأكد بقوله : { علينا } وزاده{[51896]} بقوله : { إنا كنا } {[51897]}أي أزلاً وأبداً ، على حالة لا تحول{[51898]} { فاعلين } أي شأننا أن نفعل ما نريد ، لا كلفة علينا في شيء من ذلك بوجه .