في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (225)

221

على أن الله كان أرأف بالناس ، فلم يجعل الكفارة إلا في اليمين المعقودة ، التي يقصد إليها الحالف قصدا ، وينوي ما وراءها مما حلف عليه . فأما ما جرى به اللسان عفوا ولغوا من غير قصد ، فقد أعفاهم منه ولم يوجب فيه الكفارة :

( لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ، ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم . والله غفور حليم ) . . وقد روى أبو داود - بإسناده - عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله [ ص ] قال : " اللغو في اليمين هو كلام الرجل في بيته : كلا والله . وبلى والله " . . ورواه ابن جرير عن طريق عروة موقوفا على عائشة : " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم . . لا والله وبلى والله " . . وفي حديث مرسل - عن الحسن بن أبي الحسن - قال : مر رسول الله [ ص ] بقوم ينتضلون - يعني يرمون - ومع رسول الله [ ص ]رجل من أصحابه . فقام رجل من القوم فقال : أصبت والله ، وأخطأت والله . فقال الذي مع النبي [ ص ] للنبي [ ص ] حنث الرجل يا رسول الله . قال : " كلا . إيمان الرماة لغو لا كفارة فيها ولا عقوبة " . .

وورد عن ابن عباس - رضي الله عنهما - لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان . . كما روي عنه : لغو اليمين أن تحرم ما أحل الله ، فذلك ليس عليكم فيه كفارة . .

وعن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث . فسأل أحدهما صاحبه القسمة . فقال : إن عدت تسألني عن القسمة فكل ما لي في رتاج الكعبة ! فقال له عمر : إن الكعبة غنية عن مالك ! كفر عن يمينك وكلم أخاك . سمعت رسول الله [ ص ] يقول : " لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب عز وجل ، ولا في قطيعة الرحم ، ولا فيما لا تملك " . .

والذي يخلص من هذه الآثار أن اليمين التي لا تنعقد النية على ما وراءها ، إنما يلغو بها اللسان ، لا كفارة فيها . وإن اليمين التي ينوي الحالف الأخذ أو الترك لما حلف عليه هي التي تنعقد . وهي التي تستوجب الكفارة عند الحنث بها . وإنه يجب الحنث بها إن كان مؤداها الامتناع عن فعل خير أو الإقدام على فعل شر . فأما إذا حلف الإنسان على شيء وهو يعلم أنه كاذب ، فبعض الآراء أنه لا تقوم لها كفارة أي لا يكفر عنها شيء . قال الإمام مالك في الموطأ : أحسن ما سمعت في ذلك أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه فلا كفارة فيه . والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أنه فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا ، ويقتطع به مالا ، فهذا أعظم من أن تكون له كفارة .

ويعقب السياق على حكم العدول عن اليمين إلى ما فيه البر والخير بقوله : ( والله سميع عليم ) . . ليوحي إلى القلب بأن الله - سبحانه - يسمع ما يقال ويعلم أين هو الخير . ومن ثم يحكم هذا الحكم .

ويعقب على حكم يمين اللغو واليمين المعقودة التي ينويها القلب بقوله : ( والله غفور حليم ) . . ليلوح للقلب بحلم الله عن مؤاخذة العباد بكل ما يفلت من ألسنتهم ، ومغفرته كذلك - بعد التوبة - لما تأثم به قلوبهم .

بهذا وذلك يربط الأمر بالله ، ويعلق القلوب بالاتجاه إليه في كل ما تكسب وكل ما تقول .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (225)

فيه أربع مسائل :

الأولى : قوله تعالى : " باللغو " اللغو : مصدر لغا يلغو ويلغى ، ولغي يلغى لغا إذا أتى بما لا يحتاج إليه في الكلام ، أو بما لا خير فيه ، أو بما يلغى إثمه ، وفي الحديث : ( إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة أنصت فقد لغوت ) . ولغة أبي هريرة " فقد لغيت " وقال الشاعر{[2049]} :

وربَّ أسرابِ حجيجٍ كُظَّمِ *** عن اللَّغَا ورَفَثِ التكلم

وقال آخر{[2050]} :

ولست بمأخوذ بلغو تقوله *** إذا لم تَعَمَّد عاقداتِ العزائمِ

الثانية : واختلف العلماء في اليمين التي هي لغو ، فقال ابن عباس : ( هو قول الرجل في درج كلامه واستعجاله في المحاورة : لا والله ، وبلى والله ، دون قصد لليمين ) . قال المروزي : لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها . وروى ابن وهب عن يونس عن ابن شهاب أن عروة حدثه أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت : ( أيمان اللغو ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب ) . وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : نزل قوله تعالى : ( " لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم " في قول الرجل : لا والله ، وبلى والله ) . وقيل : اللغو ما يحلف به على الظن ، فيكون بخلافه ، قاله مالك ، حكاه ابن القاسم عنه ، وقال به جماعة من السلف . قال أبو هريرة : ( إذا حلف الرجل على الشيء لا يظن إلا أنه إياه ، فإذا ليس هو ، فهو اللغو ، وليس فيه كفارة ) ، ونحوه عن ابن عباس . وروي : أن قوما تراجعوا القول عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يرمون بحضرته ، فحلف أحدهم لقد أصبت وأخطأت يا فلان ، فإذا الأمر بخلاف ذلك ، فقال الرجل : حنث يا رسول الله ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أيمان الرماة لغو لا حنث فيها ولا كفارة ) . وفي الموطأ قال مالك : أحسن ما سمعت في هذا أن اللغو حلف الإنسان على الشيء يستيقن أنه كذلك ثم يوجد بخلافه ، فلا كفارة فيه . والذي يحلف على الشيء وهو يعلم أن فيه آثم كاذب ليرضي به أحدا ، أو يعتذر لمخلوق ، أو يقتطع به مالا ، فهذا أعظم من أن يكون فيه كفارة ، وإنما الكفارة على من حلف ألا يفعل الشيء المباح له فعله ثم يفعله ، أو أن يفعله ثم لا يفعله ، مثل إن حلف ألا يبيع ثوبه بعشرة دراهم ثم يبيعه بمثل ذلك ، أو حلف ليضربن غلامه ثم لا يضربه . وروى عن ابن عباس - إن صح عنه - قال : ( لغو اليمين أن تحلف وأنت غضبان ) ، وقاله طاوس . وروى ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يمين في غضب ) أخرجه مسلم . وقال سعيد بن جبير : هو تحريم الحلال ، فيقول : مالي علي حرام إن فعلت كذا ، والحلال علي حرام ، وقاله مكحول الدمشقي ، ومالك أيضا ، إلا في الزوجة فإنه ألزم فيها التحريم إلا أن يخرجها الحالف بقلبه . وقيل : هو يمين المعصية ، قاله سعيد بن المسيب ، وأبو بكر بن عبدالرحمن وعروة وعبدالله ابنا الزبير ، كالذي يقسم ليشربن الخمر أو ليقطعن الرحم فبره ترك ذلك الفعل ولا كفارة عليه ، وحجتهم حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليتركها فإنَّ تركها كفارتها ) أخرجه ابن ماجه في سننه ، وسيأتي في " المائدة " {[2051]} أيضا . وقال زيد بن أسلم لغو اليمين دعاء الرجل على نفسه : أعمى الله بصره ، أذهب الله ماله ، هو يهودي ، هو مشرك ، هو لغية إن فعل كذا . مجاهد : هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما : والله لا أبيعك بكذا ، ويقول الآخر ، والله لا أشتريه بكذا . النخعي : هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء ثم ينسى فيفعله . وقال ابن عباس أيضا والضحاك : ( إن لغو اليمين هي المكفرة ، أي إذا كفرت اليمين سقطت وصارت لغوا ، ولا يؤاخذ الله بتكفيرها والرجوع إلى الذي هو خير ) . وحكى ابن عبدالبر قولا : أن اللغو أيمان المكره . قال ابن العربي : أما اليمين مع النسيان فلا شك في إلغائها ؛ لأنها جاءت على خلاف قصده ، فهي لغو محض .

قلت : ويمين المكره بمثابتها . وسيأتي حكم من حلف مكرها في " النحل " {[2052]} إن شاء الله تعالى . قال ابن العربي : وأما من قال إنه يمين المعصية فباطل ؛ لأن الحالف على ترك المعصية تنعقد يمينه عبادة ، والحالف على فعل المعصية تنعقد يمينه معصية ، ويقال له : لا تفعل وكفر ، فإن أقدم على الفعل أثم في إقدامه وبر في قسمه . وأما من قال : إنه دعاء الإنسان على نفسه إن لم يكن كذا فينزل به كذا ، فهو قول لغو ، في طريق الكفارة ، ولكنه منعقد في القصد ، مكروه ، وربما يؤاخذ به ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا يدعون أحدكم على نفسه فربما صادف ساعة لا يسأل الله أحد فيها شيئا إلا أعطاه إياه ) . وأما من قال : إنه يمين الغضب فإنه يرده حلف النبي صلى الله عليه وسلم غاضبا ألا يحمل الأشعريين وحملهم وكفر عن يمينه . وسيأتي في " براءة " {[2053]} . قال ابن العربي : وأما من قال : إنه اليمين المكفرة فلا متعلق له يحكى . وضعفه ابن عطية أيضا وقال : قد رفع الله عز وجل المؤاخذة بالإطلاق في اللغو ، فحقيقتها لا إثم فيه ولا كفارة ، والمؤاخذة في الأيمان هي بعقوبة الآخرة في اليمين الغموس المصبورة{[2054]} ، وفيما ترك تكفيره مما فيه كفارة ، وبعقوبة الدنيا في إلزام الكفارة ، فيضعف القول بأنها اليمين المكفرة ، لأن المؤاخذة قد وقعت فيها ، وتخصيص المؤاخذة بأنها في الآخرة فقط تحكم .

الثالثة : قوله تعالى : " في أيمانكم " الأيمان جمع يمين ، واليمين الحلف ، وأصله أن العرب كانت إذا تحالفت أو تعاقدت أخذ الرجل يمين صاحبه بيمينه ، ثم كثر ذلك حتى سمي الحلف والعهد نفسه يمينا . وقيل : يمين فعيل من اليمن ، وهو البركة ، سماها الله تعالى بذلك ؛ لأنها تحفظ الحقوق . ويمين تذكر وتؤنث ، وتجمع أيمان وأيمن ، قال زهير :

فتجمع أَيْمُنٌ منا ومنكم{[2055]}

الرابعة : قوله تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " مثل قوله : " ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان " [ المائدة : 89 ] . وهناك{[2056]} يأتي الكلام فيه مستوفى ، إن شاء الله تعالى . وقال زيد بن أسلم : قوله تعالى : " ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم " هو في الرجل يقول : هو مشرك إن فعل ، أي هذا اللغو{[2057]} ، إلا أن يعقد الإشراك بقلبه ويكسبه . و " غفور حليم " صفتان لائقتان بما ذكر من طرح المؤاخذة ، إذ هو باب رفق وتوسعة .


[2049]:- هو العجاج، كما في ديوانه.
[2050]:- هو الفرزدق، كما في النقائض ص 344 طبع أوربا.
[2051]:- راجع جـ6 ص 265.
[2052]:- راجع جـ10 ص 186.
[2053]:- راجع جـ8 ص 228 وما بعدها.
[2054]:- اليمين المصبورة هي التي ألزم بها الحالف وحبس عليها، وكانت لازمة لصاحبها من جهة الحكم، وقيل لها: "مصبورة" وإن كان صاحبها في الحقيقة هو المصبور؛ لأنه إنما صبر من أجلها، أي حبس، فوصفت بالصبر وأضيفت إلى اليمين مجازا. (ابن الأثير).
[2055]:- هذا صدر بيت ثمامة: * بمقسمة تمور بها الدماء*
[2056]:- راجع جـ6 ص 266.
[2057]:- في نسخ ب: هذا لغو.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{لَّا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتۡ قُلُوبُكُمۡۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ} (225)

{ باللغو } الساقط وهو عند مالك قولك : نعم والله ، ولا والله ، الجاري على اللسان من غير قصد وفاقا للشافعي ، وقيل : أن يحلف على الشيء بظنه على ما حلف عليه ، ثم يظهر خلافه وفاقا لأبي حنيفة ، وقال ابن عباس : اللغو الحلف حين الغضب ، وقيل : اللغو اليمين على المعصية ، والمؤاخذة العقاب أو وجوب الكفارة .

{ بما كسبت قلوبكم } أي : قصدت فهو على خلاف اللغو ، وقال ابن عباس : هو اليمين الغموس ، وذلك أن يحلف على الكذب متعمدا ، وهو حرام إجماعا ، وليس فيه كفارة عند مالك خلافا للشافعي .