في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ} (253)

253

أول ما يواجهنا في هذا الدرس هو ذلك التعبير الخاص عن الرسل :

( تلك الرسل ) . .

لم يقل : هؤلاء الرسل . إنما استهل الحديث عنهم بهذا التعبير الخاص ، الذي يشتمل على إيحاء قوي واضح . يحسن أن نقول عنه كلمة قبل المضي في مواجهة نصوص الدرس كله .

( تلك الرسل ) . .

إنهم جماعة خاصة . ذات طبيعة خاصة . وإن كانوا بشرا من البشر . . فمن هم ؟ ما الرسالة ؟ ما طبيعتها ؟ كيف تتم ؟ لماذا كان هؤلاء وحدهم رسلا ؟ وبماذا ؟

أسئلة طالما أشفقت أن أبحث لها عن جواب ! إن حسي ليفعم بمشاعر ومعان لا أجد لها كفاء من العبارات ! ولكن لا بد من تقريب المشاعر والمعاني بالعبارات !

إن لهذا الوجود الذي نعيش فيه ، والذي نحن قطعة منه ؛ سننا أصيلة يقوم عليها . هذه السنن هي القوانين الكونية التي أودعها الله هذا الكون ليسير عل وفقها ، ويتحرك بموجبها ، ويعمل بمقتضاها .

والإنسان يكشف عن أطراف من هذه القوانين كلما ارتقى في سلم المعرفة . يكشف عنها - أو يكشف له عنها - بمقدار يناسب إدراكه المحدود ، المعطى له بالقدر الذي يلزم لنهوضه بمهمة الخلافة في الأرض ، في أمد محدود .

ويعتمد الإنسان في معرفة هذه الأطراف من القوانين الكونية على وسيلتين أساسيتين - بالقياس إليه - هما الملاحظة والتجربة . وهما وسيلتان جزئيتان في طبيعتهما ، وغير نهائيتين ولا مطلقتين في نتائجهما . ولكنهما تقودان أحيانا إلى أطراف من القوانين الكلية في آماد متطاولة من الزمان . . ثم يظل هذا الكشف جزئيا غير نهائي ولا مطلق ؛ لأن سر التناسق بين تلك القوانين كلها . سر الناموس الذي ينسق بين القوانين جميعها . هذا السر يظل خافيا ، لا تهتدي إليه الملاحظة الجزئية النسبية ، مهما طالت الآماد . . إن الزمن ليس هو العنصر النهائي في هذا المجال . إنما هو الحد المقدور للإنسان ذاته ، بحكم تكوينه ، وبحكم دوره في الوجود . وهو دور جزئي ونسبي . ثم تجيء كذلك نسبية الزمن الممنوح للجنس البشري كله على وجه الأرض وهو بدوره جزئي ومحدود . . ومن ثم تبقى جميع وسائل المعرفة ، وجميع النتائج التي يصل إليها البشر عن طريق هذه الوسائل ، محصورة في تلك الدائرة الجزئية النسبية .

هنا يجيء دور الرسالة . دور الطبيعة الخاصة التي آتاها الله الاستعداد اللدني لتتجاوب في اعماقها - بطريقة ما نزال نجهل طبيعتها وإن كنا ندرك آثارها - مع ذلك الناموس الكلي ، الذي يقوم عليه الوجود . .

هذه الطبيعة الخاصة هي التي تتلقى الوحي ؛ فتطيق تلقيه ، لأنها مهيأة لاستقباله . . إنها تتلقى الإشارة الإلهية التي يتلقاها هذا الوجود ؛ لأنها متصلة اتصالا مباشرا بالناموس الكوني الذي يصرف هذا الوجود . . كيف تتلقى هذه الإشارة ؟ وبأي جهاز تستقبلها ؟ نحن في حاجة - لكي نجيب - أن تكون لنا نحن هذه الطبيعة التي يهبها الله للمختارين من عباده ! و ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) . . وهي أمر عظيم أعظم من كل ما يخطر على البال من عظائم الأسرار في هذا الوجود .

كل الرسل قد أدركوا حقيقة " التوحيد " وكلهم بعثوا بها . ذلك أن إيقاع الناموس الواحد في كيانهم كله ، هداهم إلى مصدره الواحد الذي لا يتعدد - لا يتعدد وإلا لتعددت النواميس وتعدد إيقاعها الذي يتلقونه - وكان هذا الإدراك في فجر البشرية ، قبل أن تنمو المعرفة الخارجية ، المبنية على الملاحظة والتجربة ، وقبل أن تتكشف بعض القوانين الكونية ، التي تشير إلى تلك الوحدة .

وكلهم دعا إلى عبادة الله الواحد . . دعا إلى هذه الحقيقة التي تلقاها وأمر أن يبلغها . . وكان إدراكهم لها هو المنطق الفطري الناشيء من إيقاع الناموس الواحد في الفطرة الواصلة . كما كان نهوضهم لتبليغها هو النتيجة الطبيعية لإيمانهم المطلق بكونها الحقيقة ؛ وبكونها صادرة إليهم من الله الواحد ، الذي لا يمكن - وفق الإيقاع القوي الصادق الملزم الذي تلقته فطرتهم - أن يتعدد !

وهذا الإلزام الملح الذي تستشعره فطرة الرسل يبدو أحيانا في كلمات الرسل التي يحكيها عنهم هذا القرآن ، أو التي يصفهم بها في بعض الأحيان .

نجده مثلا في حكاية قول نوح - عليه السلام - لقومه : قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ، وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم ، أنلزمكموها وأنتم لها كارهون ؟ ويا قوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله . وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ، ولكني أراكم قوما تجهلون . ويا قوم من ينصرني من الله إن طردتهم ؟ أفلا تذكرون ؟ . .

ونجده في حكاية قول صالح - عليه السلام - ( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني منه رحمة ، فمن ينصرني من الله إن عصيته ؟ فما تزيدونني غير تخسير ) . .

ونجده في سيرة إبراهيم - عليه السلام - : ( وحاجه قومه . قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا . وسع ربي كل شيء علما . أفلا تتذكرون ؟ وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ ) . . .

ونجده في قصة شعيب - عليه السلام - : ( قال : يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقا حسنا ؟ وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه ، إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت . وما توفيقي إلا بالله . عليه توكلت وإليه أنيب ) . .

نجدها في قول يعقوب - عليه السلام - لبنيه : ( إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون ) . .

وهكذا وهكذا نجد في أقوال الرسل وأوصافهم أثر ذلك الإيقاع العميق الملح على فطرتهم ، والذي تشيكلماتهم بما يجدونه منه في أعماق الضمير !

ويوما بعد يوم تكشفت للمعرفة الإنسانية الخارجية ظواهر تشير من بعيد إلى قانون الوحدة في هذا الوجود . واطلع العلماء من البشر على ظاهرة وحدة التكوين ووحدة الحركة في هذا الكون العريض . وتكشف - في حدود ما يملك الإنسان أن يعلم - أن الذرة هي أساس البناء الكوني كله ، وأن الذرة طاقة . . فالتقت المادة بالقوة في هذا الكون ممثلة في الذرة . وانتفت الثنائية التي تراءت طويلا . وإذا المادة - وهي مجموعة من الذرات - هي طاقة حين تتحطم هذه الذرات ، فتتحول إلى طاقة من الطاقات ! . . وتكشف كذلك - في حدود ما يملك الإنسان أن يعلم - أن الذرة في حركة مستمرة من داخلها . وإنها مؤلفة من الكترونات - أو كهارب - تدور في فلك حول النواة أو النويات وهي قلب الذرة . وأن هذه الحركة مستمرة ومطردة في كل ذرة . وأن كل ذرة - كما قال فريد الدين العطار - شمس تدور حولها كواكب كشمسنا هذه وكواكبها التي ما تني تدور حولها باستمرار !

وحدة التكوين ووحدة الحركة في هذا الكون هما الظاهرتان اللتان اهتدى اليهما الإنسان . . وهما إشارتان من بعيد إلى قانون الوحدة الشامل الكبير . وقد بلغت اليهما المعرفة البشرية بمقدار ما تطيق الملاحظة والتجربة البشرية أن تبلغ . . أما الطبائع الخاصة الموهوبة ، فقد أدركت القانون الشامل الكبير كله في لمحة ؛ لأنها تتلقى إيقاعه المباشر ، وتطيق وحدها تلقيه .

إنهم لم يجمعوا الشواهد والظواهر على تلك الوحدة عن طريق التجارب العلمية . ولكن لأنهم وهبوا جهاز استقبال كاملا مباشرا ، استقبلوا إيقاع الناموس الواحد استقبالا داخليا مباشرا ؛ فأدركوا إدراكا مباشرا أن الإيقاع الواحد لا بد منبعث عن ناموس واحد ، صادر من مصدر واحد . وكان هذا الجهاز اللدني في تلك الطبائع الخاصة الموهوبة أدق وأشمل وأكمل ، لأنه أدرك في لمسة واحدة ما وراء وحدة الإيقاع من وحدة المصدر ، ووحدة الإرادة والفاعلية في هذا الوجود . فقرر - في إيمان - وحدة الذات الإلهية المصرفة لهذا الوجود .

وما أسوق هذا الكلام لأن العلم الحديث يرى أنه قد أدرك ظاهرة أو ظاهرتين من ظواهر الوحدة الكونية . فالعلم يثبت أو ينفي في ميدانه . وكل ما يصل إليه من " الحقائق " نسبي جزئي مقيد ؛ فهو لا يملك أن يصل أبدا إلى حقيقة واحدة نهائية مطلقة . فضلا على أن نظريات العلم قلب ، يكذب بعضها بعضا ، ويعدل بعضها بعضا .

وما ذكرت شيئا عن وحدة التكوين ووحدة الحركة لأقرن اليهما صدق الاستقبال لوحدة الناموس في حس الرسل . . كلا . . إنما قصدت إلى أمر آخر . قصدت إلى تحديد مصدر التلقي المعتمد لتكوين التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود .

إن الكشف العلمي ربما يكون قد اهتدى إلى بعض الظواهر الكونية المتعلقة بحقيقة الوحدة الكبرى . . هذه الوحدة التي لمست حس الرسل من قبل في محيطها الواسع الشامل المباشر . والتي أدركتها الفطرة اللدنية إدراكا كاملا شاملا مباشرا . وهذه الفطرة صادقة بذاتها - سواء اهتدت نظريات العلم الحديث إلى بعض الظواهر أو لم تهتد - فنظريات العلم موضع بحث ومراجعة من العلم ذاته . وهي ليست ثابتة أولا . ثم أنها ليست نهائية ولا مطلقة أخيرا . فلا تصلح إذن أن تقاس بها صحة الرسالة . فالمقياس لا بد أن يكون ثابتا وأن يكون مطلقا . ومن هنا تكون الرسالة هي المقياس الثابت المطلق الوحيد .

وينشأ عن هذه الحقيقة حقيقة أخرى ذات أهمية قصوى . .

إن هذه الطبائع الخاصة الموصولة بناموس الوجود صلة مباشرة ، هي التي تملك أن ترسم للبشرية اتجاهها الشامل . اتجاهها الذي يتسق مع فطرة الكون وقوانينه الثابتة وناموسه المطرد . هي التي تتلقى مباشرة وحي الله . فلا تخطىء ولا تضل ، ولا تكذب ولا تكتم . ولا تحجبها عوامل الزمان والمكان عن الحقيقة ؛ لأنها تتلقى هذه الحقيقة عن الله ، الذي لا زمان عنده ولا مكان .

ولقد شاءت الإرادة العليا أن تبعث بالرسل بين الحين والحين ، لتصل البشرية بالحقيقة المطلقة ، التي ما كانت ملاحظتهم وتجربتهم لتبلغ إلى طرف منها إلا بعد مئات القرون . وما كانت لتبلغ إليها كلها أبدا على مدار القرون . وقيمة هذا الاتصال هي استقامة خطاهم مع خطى الكون ؛ واستقامة حركاتهم مع حركة الكون ؛ واستقامة فطرتهم مع فطرة الكون .

ومن ثم كان هنالك مصدر واحد يتلقى منه البشر التصور الصادق الكامل الشامل لحقيقة الوجود كله ولحقيقة الوجود الإنساني . ولغاية الوجود كله وغاية الوجود الإنساني . ومن هذا التصور يمكن أن ينبثق المنهج الوحيد الصحيح القويم ، الذي يتطابق مع حقيقة تصميم الكون وحقيقة حركته ، وحقيقة اتجاهه . ويدخل به الناس في السلم كافة . السلم مع هذا الكون ، والسلم مع فطرتهم وهي من فطرة هذا الكون ، والسلم مع بعضهم البعض في سعيهم ونشاطهم ونموهم ورقيهم المهيأ لهم في هذه الحياة الدنيا .

مصدر واحد هو مصدر الرسالات ، وما عداه ضلال وباطل ، لأنه لا يتلقى عن ذلك المصدر الوحيد الواصل الموصول .

إن وسائل المعرفة الأخرى المتاحة للإنسان ، معطاة له بقدر . ليكشف بها بعض ظواهر الكون وبعض قوانينه وبعض طاقاته . بالقدر اللازم له في النهوض بعبء الخلافة في الأرض ، وتنمية الحياة وتطويرها . وقد يصل في هذا المجال إلى آماد بعيدة جدا . ولكن هذه الآماد لا تبلغ به أبدا إلى محيط الحقيقة المطلقة التي هو في حاجة إليها ليكيف حياته - لا وفق الأحوال والظروف الطارئة المتجددة فحسب ، ولكن وفق القوانين الكونية الثابتة المطردة التي قام عليها الوجود ، ووفق الغاية الكبرى للوجود الإنساني كله . هذه الغاية التي يراها خالق الإنسان المتعالي عن ملابسات الزمان والمكان . ولا يراها الإنسان المحدود المتأثر بملابسات الزمان والمكان .

إن الذي يضع خطة الرحلة للطريق كله ، هو الذي يدرك الطريق كله . والإنسان محجوب عن رؤية هذا الطريق . بل هو محجوب عن اللحظة التالية . ودونه ودونها ستر مسبل لا يباح لبشر أن يطلع وراءه ! فأنى للإنسان أن يضع الخطة لقطع الطريق المجهول ؟ !

إنه إما الخبط والضلال والشرود . وإما العودة إلى المنهج المستمد من خالق الوجود . منهج الرسالات . ومنهج الرسل . ومنهج الفطر الموصولة بالوجود وخالق الوجود .

ولقد مضت الرسالات واحدة إثر واحدة ، تأخذ بيد البشرية وتمضي بها صعدا في الطريق على هدى وعلى نور . والبشرية تشرد من هنا وتشرد من هناك ؛ وتحيد عن النهج ، وتغفل حداء الرائد ؛ وتنحرف فترة ريثما يبعث إليها رائد جديد .

وفي كل مرة تتكشف لها الحقيقة الواحدة في صور مترقية ؛ تناسب تجاربها المتجددة حتى إذا كانت الرسالة الأخيرة كان عهد الرشد العقلي قد أشرق . فجاءت الرسالة الأخيرة تخاطب العقل البشري بكليات الحقيقةكلها ؛ لتتابع البشرية خطواتها في ظل تلك الخطوط النهائية العريضة . وكانت خطوط الحقيقة الكبرى من الوضوح بحيث لا تحتاج بعد إلى رسالة جديدة . ويحسبها المفسرون المجددون على مدار القرون .

وبعد فإما أن تسير البشرية داخل هذا النطاق الشامل الذي يسعها دائما ، ويسع نشاطها المتجدد المترقي ، ويصلها بالحقيقة المطلقة التي لا تصل إليها عن أي طريق آخر . وإما أن تشرد وتضل وتذهب بددا في التيه ! بعيدا عن معالم الطريق !

( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض . منهم من كلم الله . ورفع بعضهم درجات . وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس . ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات . ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر . ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد ) . .

هذه الآية تلخص قصة الرسل والرسالات - كما أنها أفردت جماعة الرسل وميزتها من بين الناس - فهي تقرر أن الله فضل بعض الرسل على بعض ؛ وتذكر بعض أمارات التفضيل ومظاهره . ثم تشير إلى اختلاف الذين جاءوا من بعدهم من الأجيال المتعاقبة - من بعد ما جاءتهم البينات - وإلى اقتتالهم بسبب هذا الاختلاف . كما تقرر أن بعضهم آمن وبعضهم كفر . وأن الله قد قدر أن يقع بينهم القتال لدفع الكفر بالإيمان ، ودفع الشر بالخير . . وهذه الحقائق الكثيرة التي تشير إليها هذه الآية تمثل قصة الرسالة وتاريخها الطويل .

( تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض ) . .

والتفضيل هنا قد يتعلق بالمحيط المقدر للرسول . والذي تشمله دعوته ونشاطه . كأن يكون رسول قبيلة ، أو رسول أمة ، أو رسول جيل . أو رسول الأمم كافة في جميع الأجيال . . كذلك يتعلق بالمزايا التي يوهبها لشخصه أو لأمته . كما يتعلق بطبيعة الرسالة ذاتها ومدى شمولها لجوانب الحياة الإنسانية والكونية . .

وقد ذكر النص هنا مثالين في موسى وعيسى - عليهما السلام - وأشار إشارة عامة إلى من سواهما :

( منهم من كلم الله - ورفع بعضهم درجات - وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ) . .

وحين يذكر تكليم الله لأحد من الرسل ينصرف الذهن إلى موسى - عليه السلام - ومن ثم لم يذكره باسمه . وذكر عيسى بن مريم - عليه السلام - وهكذا يرد اسمه منسوبا إلى أمه في أغلب المواضع القرآنية . والحكمة في هذا واضحة . فقد نزل القرآن وهناك حشد من الأساطير الشائعة حول عيسى - عليه السلام - وبنوته لله - سبحانه وتعالى - أو عن ازدواج طبيعته من اللاهوت والناسوت . أو عن تفرده بطبيعة إلهية ذابت فيها الطبيعة الناسوتية كالقطرة في الكأس ! إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي غرقت الكنائس والمجامع في الجدل حولها ؛ وجرت حولها الدماء أنهارا في الدولة الرومانية ! ومن ثم كان هذا التوكيد الدائم على بشرية عيسى - عليه السلام - وذكره في معظم المواضع منسوبا إلى أمه مريم . . أما روح القدس فالقرآن يعني به جبريل - عليه السلام - فهو حامل الوحي إلى الرسل . وهذا أعظم تأييد وأكبره . وهو الذي ينقل الإشارة الإلهية إلى الرسل بانتدابهم لهذا الدور الفذ العظيم ، وهو الذي يثبتهم على المضي في الطريق الشاق الطويل ؛ وهو الذي يتنزل عليهم بالسكينة والتثبيت والنصر في مواقع الهول والشدة في ثنايا الطريق . . وهذا كله التأييد أما البينات التي آتاها الله عيسى - عليه السلام - فتشمل الإنجيل الذي نزله عليه ، كما تشمل الخوارق التي أجراها على يديه ، والتي وردذكرها مفصلة في مواضعها المناسبة من القرآن . تصديقا لرسالته في مواجهة بني إسرائيل المعاندين !

ولم يذكر النص هنا محمدا [ ص ] لأن الخطاب موجه إليه . كما جاء في الآية السابقة في السياق : تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق وإنك لمن المرسلين . . تلك الرسل . . إلخ . فالسياق سياق إخبار له عن غيره من الرسل .

وحين ننظر إلى مقامات الرسل - صلوات الله وسلامه عليهم - من أية ناحية نجد محمدا [ ص ] في القمة العليا . وسواء نظرنا إلى الأمر من ناحية شمول الرسالة وكليتها ، أو من ناحية محيطها وامتدادها ، فإن النتيجة لا تتغير . .

إن الإسلام هو أكمل تصور لحقيقة الوحدة - وهي أضخم الحقائق على الإطلاق - وحدة الخالق الذي ليس كمثله شيء . ووحدة الإرادة التي يصدر عنها الوجود كله بكلمة : ( كن ) . ووحدة الوجود الصادر عن تلك الإرادة . ووحدة الناموس الذي يحكم هذا الوجود . ووحدة الحياة من الخلية الساذجة إلى الإنسان الناطق . ووحدة البشرية من آدم - عليه السلام - إلى آخر أبنائه في الأرض . ووحدة الدين الصادر من الله الواحد إلى البشرية الواحدة . ووحدة جماعة الرسل المبلغة لهذه الدعوة . ووحدة الأمة المؤمنة التي لبت هذه الدعوة . ووحدة النشاط البشري المتجه إلى الله وإعطائه كله اسم " العبادة " . ووحدة الدنيا والآخرة داري العمل والجزاء . ووحدة المنهج الذي شرعه الله للناس فلا يقبل منهم سواه . ووحدة المصدر الذي يتلقون عنه تصوراتهم كلها ومنهجهم في الحياة . . .

ومحمد [ ص ] هو الذي أطاقت روحه التجاوب المطلق مع حقيقة الوحدة الكبرى ؛ كما أطاق عقله تصور هذه الوحدة وتمثلها ؛ كما أطاق كيانه تمثيل هذه الوحدة في حياته الواقعة المعروضة للناس .

كذلك هو الرسول الذي أرسل إلى البشر كافة ، من يوم مبعثه إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها ؛ والذي اعتمدت رسالته على الإدراك الإنساني الواعي دون ضغط حتى من معجزة مادية قاهرة ، ليعلن بذلك عهد الرشد الإنساني .

ومن ثم كان هو خاتم الرسل . وكانت رسالته خاتمة الرسالات . ومن ثم انقطع الوحي بعده ؛ وارتسمت للبشرية في رسالته تلك الوحدة الكبرى ؛ وأعلن المنهج الواسع الشامل الذي يسع نشاط البشرية المقبل في إطاره ؛ ولم تعد إلا التفصيلات والتفسيرات التي يستقل بها العقل البشري - في حدود المنهج الرباني - ولا تستدعي رسالة إلهية جديدة .

وقد علم الله - سبحانه - وهو الذي خلق البشر ؛ وهو الذي يعلم ما هم ومن هم ؛ ويعلم ما كان من أمرهم وما هو كائن . . قد علم الله - سبحانه - أن هذه الرسالة الأخيرة ، وما ينبثق عنها من منهج للحياة شامل ، هي خير ما يكفل للحياة النمو والتجدد والانطلاق . فأيما إنسان زعم لنفسه أنه أعلم من الله بمصلحة عباده ؛ أو زعم أن هذا المنهج الرباني لم يعد يصلح للحياة المتجددة النامية في الأرض ؛ أو زعم أنه يملك ابتداع منهج أمثل من المنهج الذي أراده الله . . أيما إنسان زعم واحدة من هذه الدعاوى أو زعمها جميعا فقد كفر كفرا صراحا لا مراء فيه ؛ وأراد لنفسه وللبشرية شر ما يريده إنسان بنفسه وبالبشرية ؛ واختار لنفسه موقف العداء الصريح لله ، والعداء الصريح للبشرية التي رحمها الله بهذه الرسالة ، وأراد لها الخير بالمنهج الرباني المنبثق منهاليحكم الحياة البشرية إلى آخر الزمان .

وبعد فقد اقتتل اتباع ( تلك الرسل ) . ولم تغن وحدة جماعة الرسل في طبيعتهم ، ووحدة الرسالة التي جاءوا بها كلهم . . لم تغن هذه الوحدة عن اختلاف اتباع الرسل حتى ليقتتلون من خلاف :

( ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم - من بعد ما جاءتهم البينات - ولكن اختلفوا : فمنهم من آمن ومنهم من كفر . ولو شاء الله ما اقتتلوا . ولكن الله يفعل ما يريد )

إن هذا الاقتتال لم يقع مخالفا لمشيئة الله . فما يمكن أن يقع في هذا الكون ما يخالف مشيئته - سبحانه - فمن مشيئته أن يكون هذا الكائن البشري كما هو . بتكوينه هذا واستعداداته للهدى وللضلال . وأن يكون موكولا إلى نفسه في اختيار طريقه إلى الهدى أو إلى الضلال . ومن ثم فكل ما ينشأ عن هذا التكوين وإفرازاته واتجاهاته داخل في إطار المشيئة ؛ وواقع وفق هذه المشيئة .

كذلك فإن اختلاف الاستعدادات بين فرد وفرد من هذا الجنس سنة من سنن الخالق ، لتنويع الخلق - مع وحدة الأصل والنشأة - لتقابل هذه الاستعدادات المختلفة وظائف الخلافة المختلفة المتعددة المتنوعة . وما كان الله ليجعل الناس جميعا نسخا مكررة كأنما طبعت على ورق " الكربون " . . على حين أن الوظائف اللازمة للخلافة في الأرض وتنمية الحياة وتطويرها منوعة متباينة متعددة . . أما وقد مضت مشيئة الله بتنويع الوظائف فقد مضت كذلك بتنويع الاستعدادات . ليكون الاختلاف فيها وسيلة للتكامل . وكلف كل إنسان أن يتحرى لنفسه الهدى والرشاد والإيمان . وفيه الاستعداد الكامن لهذا ، وأمامه دلائل الهدى في الكون ، وعنده هدى الرسالات والرسل على مدار الزمان . وفي نطاق الهدى والإيمان يمكن أن يظل التنوع الخير الذي لا يحشر نماذج الناس كلهم في قالب جامد !

( ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ) . .

وحين يصل الاختلاف إلى هذا المدى ، فيكون اختلاف كفر وإيمان ، يتعين القتال . يتعين لدفع الناس بعضهم ببعض . دفع الكفر بالإيمان . والضلال بالهدى ، والشر بالخير . فالأرض لا تصلح بالكفر والضلال والشر . ولا يكفي أن يقول قوم : إنهم اتباع أنبياء إذا وصل الاختلاف بينهم إلى حد الكفر والإيمان . وهذه هي الحالة التي كانت تواجهها الجماعة المسلمة في المدينة يوم نزل هذا النص . . كان المشركون في مكة يزعمون أنهم على ملة إبراهيم ! وكان اليهود في المدينة يزعمون أنهم على دين موسى . كما كان النصارى يزعمون أنهم على دين عيسى . . ولكن كل فرقة من هؤء كانت قد بعدت بعدا كبيرا عن أصل دينها ، وعن رسالة نبيها . وانحرفت إلى المدى الذي ينطبق عليه وصف الكفر . وكان المسلمون عند نزول هذا النص يقاتلون المشركين من العرب . كما كانوا على وشك أن يوجهوا إلى قتال الكفار من أهل الكتاب . ومن ثم جاء هذا النص يقرر أن الاقتتال بين المختلفين على العقيدة إلى هذا الحد ، هو من مشيئة الله وبإذنه :

( ولو شاء الله ما اقتتلوا ) . .

ولكنه شاء . شاء ليدفع الكفر بالإيمان ؛ وليقر في الأرض حقيقة العقيدة الصحيحة الواحدة التي جاء بها الرسل جميعا ، فانحرف عنها المنحرفون . وقد علم الله أن الضلال لا يقف سلبيا جامدا ، إنما هو ذو طبيعة شريرة . فلا بد أن يعتدي ، ولا بد أن يحاول إضلال المهتدين ، ولا بد أن يريد العوج ويحارب الاستقامة . فلا بد من قتاله لتستقيم الأمور .

( ولكن الله يفعل ما يريد ) .

مشيئة مطلقة . ومعها القدرة الفاعلة . وقد قدر أن يكون الناس مختلفين في تكوينهم . وقدر أن يكونوا موكولين إلى أنفسهم في اختيار طريقهم . وقدر أن من لا يهتدي منهم يضل . وقدر أن الشر لا بد أن يعتدي ويريد العوج . وقدر أن يقع القتال بين الهدى والضلال . وقدر أن يجاهد أصحاب الإيمان لإقرار حقيقته الواحدة الواضحة المستقيمة ؛ وأنه لا عبرة بالانتساب إلى الرسل من اتباعهم ، إنما العبرة بحقيقة ما يعتقدون وحقيقة ما يعملون . وأنه لا يعصمهم من مجاهدة المؤمنين لهم أن يكونوا ورثة عقيدة وهم عنها منحرفون . .

وهذه الحقيقة التي قررها الله للجماعة المسلمة في المدينة حقيقة مطلقة لا تتقيد بزمان . إنما هي طريقة القرآن في اتخاذ الحادثة المفردة المقيدة مناسبة لتقرير الحقيقة المطردة المطلقة .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ} (253)

قوله تعالى : " تلك الرسل " قال : " تلك " ولم يقل : ذلك مراعاة لتأنيث لفظ الجماعة ، وهي رفع بالابتداء . و " الرسل " نعته ، وخبر الابتداء الجملة . وقيل : الرسل عطف بيان ، و " فضلنا " الخبر . وهذه آية مشكلة والأحاديث ثابتة بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( لا تخيروا بين الأنبياء ) و( لا تفضلوا بين أنبياء الله ) رواها الأئمة الثقات ، أي لا تقولوا : فلان خير من فلان ، ولا فلان أفضل من فلان . يقال : خير فلان بين فلان وفلان ، وفضل ، ( مشددا ) إذا قال ذلك . وقد اختلف العلماء في تأويله هذا المعنى ، فقال قوم : إن هذا كان قبل أن يوحى إليه بالتفضيل ، وقبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ، وإن القرآن ناسخ للمنع من التفضيل . وقال ابن قتيبة : إنما أراد بقوله : ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ؛ لأنه الشافع يومئذ وله لواء الحمد والحوض ، وأراد بقوله : " لا تخيروني على موسى " على طريق التواضع ، كما قال أبو بكر : وليتكم ولست بخيركم . وكذلك معنى قوله : ( لا يقل أحد أنا خير من يونس بن متى ) على معنى التواضع . وفي قوله تعالى : " ولا تكن كصاحب الحوت " {[2350]} [ القلم : 48 ] ما يدل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفضل منه ؛ لأن الله تعالى يقول : ولا تكن مثله ، فدل على أن قوله : ( لا تفضلوني عليه ) من طريق التواضع . ويجوز أن يريد لا تفضلوني عليه في العمل فلعله أفضل عملا مني ، ولا في البلوى والامتحان فإنه أعظم محنة مني . وليس ما أعطاه الله لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من السؤدد والفضل يوم القيامة على جميع الأنبياء والرسل بعمله بل بتفضيل الله إياه واختصاصه له ، وهذا التأويل اختاره المهلب . ومنهم من قال : إنما نهى عن الخوض في ذلك ؛ لأن الخوض في ذلك ذريعة إلى الجدال وذلك يؤدي إلى أن يذكر منهم ما لا ينبغي أن يذكر ويقل احترامهم عند المماراة . قال شيخنا : فلا يقال : النبي أفضل من الأنبياء كلهم ولا من فلان ولا خير ، كما هو ظاهر النهي{[2351]} لما يتوهم من النقص في المفضول ؛ لأن النهي اقتضى منه إطلاق اللفظ لا منع اعتقاد ذلك المعنى ، فإن الله تعالى أخبر بأن الرسل متفاضلون ، فلا تقول : نبينا خير من الأنبياء ولا من فلان النبي اجتنابا لما نهي عنه وتأدبا به وعملا باعتقاد ما تضمنه القرآن من التفضيل ، والله بحقائق الأمور عليم . قلت : وأحسن من هذا قول من قال : إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها ، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات ، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها ؛ ولذلك منهم رسل وأولو عزم ، ومنهم من اتخذ خليلا ، ومنهم من كلم الله ، ورفع بعضهم درجات ، قال الله تعالى : " ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض وآتينا داود زبورا " {[2352]} [ الإسراء : 55 ] وقال : " تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض " [ البقرة : 253 ] . قلت : وهذا قول حسن ، فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل وأعطي من الوسائل ، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال : إن الله فضل محمدا على الأنبياء وعلى أهل السماء ، فقالوا : بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء ؟ فقال : إن الله تعالى قال : " ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين " {[2353]} [ الأنبياء : 29 ] . وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم : " إنا فتحنا لك فتحا مبينا . ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " {[2354]} [ الفتح : 1 - 2 ] . قالوا : فما فضله على الأنبياء ؟ . قال : قال الله تعالى : " وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم " {[2355]} [ إبراهيم : 4 ] وقال الله عز وجل لمحمد صلى الله عليه وسلم : " وما أرسلناك إلا كافة للناس " {[2356]} [ سبأ : 28 ] فأرسله إلى الجن والإنس ، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده . وقال أبو هريرة : خير بني آدم نوج وإبراهيم وموسى ومحمد صلى الله عليه وسلم ، وهم أولو العزم من الرسل ، وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين ، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل ، فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة واستووا في النبوة إلى ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم وقتلهم إياهم ، وهذا مما لا خفاء فيه ، إلا أن ابن عطية أبا محمد عبد الحق قال : إن القرآن يقتضي التفضيل ، وذلك في الجملة دون تعيين أحد مفضول ، وكذلك هي الأحاديث ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( أنا أكرم ولد آدم على ربي ) وقال : ( أنا سيد ولد آدم ) ولم يعين ، وقال عليه السلام : ( لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى ) وقال : ( لا تفضلوني على موسى ) . وقال ابن عطية : وفي هذا نهي شديد عن تعيين المفضول ؛ لأن يونس عليه السلام كان شابا وتفسخ{[2357]} تحت أعباء النبوة . فإذا كان التوقيف لمحمد صلى الله عليه وسلم فغيره أحرى . قلت : ما اخترناه أولى إن شاء الله تعالى ، فإن الله تعالى لما أخبر أنه فضل بعضهم على بعض جعل يبين بعض المتفاضلين ويذكر الأحوال التي فضلوا بها فقال : " منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات " [ البقرة : 253 ] وقال " وآتينا داود زبورا " {[2358]} [ الإسراء : 55 ] وقال تعالى : " وآتيناه الإنجيل " {[2359]} [ المائدة : 46 ] ، " ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين " {[2360]} [ الأنبياء : 48 ] وقال تعالى : " ولقد آتينا داود وسليمان علما " {[2361]} [ النمل : 15 ] وقال : " وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح " {[2362]}[ الأحزاب : 7 ] فعم ثم خص وبدأ بمحمد صلى الله عليه وسلم ، وهذا ظاهر .

قلت : وهكذا القول في الصحابة إن شاء الله تعالى ، اشتركوا في الصحبة ثم تباينوا في الفضائل بما منحهم الله من المواهب والوسائل ، فهم متفاضلون بتلك مع أن الكل شملتهم الصحبة والعدالة والثناء عليهم ، وحسبك بقوله الحق : " محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار " {[2363]} [ الفتح : 29 ] إلى آخر السورة . وقال : " وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها " 3 [ الفتح : 26 ] ثم قال : " لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل " {[2364]} [ الحديد : 10 ] وقال : " لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " 3 [ الفتح : 18 ] فعم وخص ، ونفى عنهم الشين والنقص ، رضي الله عنهم أجمعين ونفعنا بحبهم آمين .

قوله تعالى : " منهم من كلم الله " المكلم موسى عليه السلام ، وقد سئل رسوله الله صلى الله عليه وسلم عن آدم أنبي مرسل هو ؟ فقال : ( نعم نبي مكلم ) . قال ابن عطية : وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة ، فعلى هذا تبقى خاصية موسى ، . وحذفت الهاء لطول الاسم ، والمعنى من كلمه الله .

قوله تعالى : " ورفع بعضهم درجات " قال النحاس : بعضهم هنا على قول ابن عباس والشعبي ومجاهد محمد صلى الله عليه وسلم ، قال صلى الله عليه وسلم : ( بعثت إلى الأحمر والأسود وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا ونصرت بالرعب{[2365]} مسيرة شهر وأحلت لي الغنائم وأعطيت ، الشفاعة ) . ومن ذلك القرآن وانشقاق القمر وتكليمه الشجر وإطعامه الطعام خلقا عظيما من تميرات ودرور شاة أم معبد بعد جفاف . وقال ابن عطية معناه ، وزاد : وهو أعظم الناس أمة وختم به النبيون إلى غير ذلك من الخلق العظيم الذي أعطاه الله . ويحتمل اللفظ أن يراد به محمد صلى الله عليه وسلم وغيره ممن عظمت آياته ، ويكون الكلام تأكيدا . ويحتمل أن يريد به رفع إدريس المكان العلي ، ومراتب الأنبياء في السماء كما في حديث الإسراء ، وسيأتي .

قوله تعالى : " وآتينا عيسى ابن مريم البينات " وبينات عيسى هي إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وخلق الطير من الطين كما نص عليه في التنزيل . " وأيدناه " قويناه . " بروح القدس " جبريل عليه السلام ، وقد تقدم{[2366]} .

قوله تعالى : " ولو شاء الله ما أقتتل الذين من بعدهم " أي من بعد الرسل . وقيل : الضمير لموسى وعيسى ، والاثنان جمع . وقيل : من بعد جميع الرسل ، وهو ظاهر اللفظ . وقيل : إن القتال إنما وقع من الذين جاؤوا بعدهم وليس كذلك المعنى ، بل المراد ما اقتتل الناس بعد كل نبي ، وهذا كما تقول : اشتريت خيلا ثم بعتها ، فجائز لك هذه العبارة وأنت إنما اشتريت فرسا وبعته ثم آخر وبعته ثم آخر وبعته ، وكذلك هذه النوازل إنما اختلف الناس بعد كل نبي فمنهم من آمن ومنهم من كفر بغيا وحسدا وعلى حطام الدنيا ، وذلك كله بقضاء وقدر وإرادة من الله تعالى ، ولو شاء خلاف ذلك لكان ولكنه المستأثر بسر الحكمة في ذلك الفعل لما يريد . وكسرت النون من " ولكن اختلفوا " لالتقاء الساكنين ، ويجوز حذفها في غير القرآن ، وأنشد سيبويه :

فلستُ بآتيه ولا أستطيعه *** ولاَكِ اسقني إن كان ماؤك ذا فَضْلِ{[2367]}

" فمنهم من آمن ومنهم من كفر " " مَن " في موضع رفع بالابتداء والصفة


[2350]:- راجع جـ18 ص 253.
[2351]:- في هـ: النص.
[2352]:- راجع جـ10 ص 278.
[2353]:- راجع جـ11 ص 272.
[2354]:- راجع جـ16 ص 260.
[2355]:- راجع جـ9 ص 340.
[2356]:- راجع جـ14 ص 300.
[2357]:- يقال: تفسخ البعير تحت الحمل الثقيل إذا لم يطقه
[2358]:- راجع جـ6 ص 17.
[2359]:- راجع جـ 17 ص 262 وص 239.
[2360]:- راجع جـ11 ص 295.
[2361]:- راجع جـ13 ص 16.
[2362]:- راجع جـ14 ص 126.
[2363]:- راجع جـ 16 ص 292 وص 288 و ص 274.
[2364]:- راجع جـ17 ص 262 وص 239.
[2365]:- الرعب: الخوف والفزع، كان أعداء النبي صلى الله عليه وسلم قد أوقع الله تعالى في قلوبهم الخوف، فإذا كان بينه وبينهم مسيرة شهر هابوه وفزعوا منه. (عن النهاية).
[2366]:- جـ 2 ص 24.
[2367]:- البيت للنجاشي، وصف أنه اصطحب ذئبا في فلاة مضلة لا ماء فيها، وزعم أن الذئب رد عليه فقال: لست بآت ما دعوتني إليه من الصحبة ولا أستطيعه لأنني وحشي وأنت إنسي ولكن اسقني إن كان ماؤك فاضلا عن ريك (عن شرح الشواهد للشنتمري).
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞تِلۡكَ ٱلرُّسُلُ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۘ مِّنۡهُم مَّن كَلَّمَ ٱللَّهُۖ وَرَفَعَ بَعۡضَهُمۡ دَرَجَٰتٖۚ وَءَاتَيۡنَا عِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَأَيَّدۡنَٰهُ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِۗ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلَ ٱلَّذِينَ مِنۢ بَعۡدِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ وَلَٰكِنِ ٱخۡتَلَفُواْ فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ وَمِنۡهُم مَّن كَفَرَۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا ٱقۡتَتَلُواْ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يُرِيدُ} (253)

{ تلك الرسل } الإشارة إلى جماعتهم .

{ فضلنا } نص في التفضيل في الجملة من غير تعيين مفضول : كقوله صلى الله عليه وسلم : " لا تخيروا بين الأنبياء ، ولا تفضلوني على يونس بن متى " . فإن معناه النهي عن تعيين المفضول ، لأنه تنقيص له ، وذلك غيبة ممنوعة ، وقد صرح صلى الله عليه وسلم بفضله على جميع الأنبياء بقوله : " أنا سيد ولد آدم " لا بفضله على واحد بعينه ، فلا تعارض بين الحديثين .

{ من كلم الله } موسى عليه السلام .

{ ورفع بعضهم درجات } قيل : هو محمد صلى الله عليه وسلم لتفضيله على الأنبياء بأشياء كثيرة ، وقيل : هو إدريس لقوله :{ ورفعناه مكانا عليا } فالرفعة على هذا في المسافة وقيل : هو مطلق في كل من فضله الله منهم .

{ من بعدهم } أي : من بعد الأنبياء ، والمعنى بعد كل نبي لا بعد الجميع .

{ ولو شاء الله ما اقتتلوا } كرره تأكيدا وليبنى عليه ما بعده .