وعندما يصل التأثر الوجداني غايته . . بعد استعراض مشهد الحياة النامية الواهبة مثلا للذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ، دون أن يتبعوا ما أنفقوا منا ولا أذى ، وبعد التلويح بأن الله غني عن ذلك النوع المؤذي من الصدقة ، وأنه وهو الواهب الرازق لا يعجل بالغضب والأذى . . عندما يصل التأثر الوجداني غايته بهذا وذاك ، يتوجه بالخطاب إلى الذين آمنوا ألا يبطلوا صدقاتهم بالمن والأذى . ويرسم لهم مشهدا عجيبا - أو مشهدين عجيبين يتسقان مع المشهد الأول . مشهد الزرع والنماء . ويصوران طبيعة الإنفاق الخالص لله ، والإنفاق المشوب بالمن والأذى . على طريقة التصوير الفني في القرآن ، التي تعرض المعنى صورة ، والأثر حركة ، والحالة مشهدا شاخصا للخيال :
( يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى ، كالذي ينفق ماله رئاء الناس ، ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فمثله كمثل صفوان عليه تراب ، فأصابه وابل ، فتركه صلدا ؛ لا يقدرون على شيء مما كسبوا ، والله لا يهدي القوم الكافرين . ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة . أصابها وابل فآتت أكلها ضعفين ؛ فإن لم يصبها وابل فطل ، والله بما تعملون بصير ) . .
مشهد كامل مؤلف من منظرين متقابلين شكلا ووضعا وثمرة . وفي كل منظر جزئيات ، يتسق بعضها مع بعض من ناحية فن الرسم وفن العرض ؛ ويتسق كذلك مع ما يمثله من المشاعر والمعاني التي رسم المنظر كله لتمثيلها وتشخيصها وإحيائها .
نحن في المنظر الأول أمام قلب صلد :
( كالذي ينفق ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر ) . .
فهو لا يستشعر نداوة الإيمان وبشاشته . ولكنه يغطي هذه الصلادة بغشاء من الرياء .
هذا القلب الصلد المغشى بالرياء يمثله ( صفوان عليه تراب )حجر لا خصب فيه ولا ليونة ، يغطيه تراب خفيف يحجب صلادته عن العين ، كما أن الرياء يحجب صلادة القلب الخالي من الإيمان . .
( فأصابه وابل فتركه صلدا ) . .
وذهب المطر الغزير بالتراب القليل ! فانكشف الحجر بجدبه وقساوته ، ولم ينبت زرعه ، ولم يثمر ثمرة . . كذلك القلب الذي أنفق ماله رئاء الناس ، فلم يثمر خيرا ولم يعقب مثوبة !
الأولى : قوله تعالى : " بالمن والأذى " قد تقدم معناه . وعبر تعالى عن عدم القبول وحرمان الثواب بالإبطال ، والمراد الصدقة التي يمن بها ويؤذي ، لا غيرها . والعقيدة أن السيئات لا تبطل الحسنات ولا تحبطها ، فالمن والأذى في صدقة لا يبطل صدقة غيرها . قال جمهور العلماء في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمن أو يؤذي بها فإنها لا تقبل . وقيل : بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها ، وهذا حسن . والعرب تقول لما يمن به : يد سوداء . ولما يعطى عن غير مسألة : يد بيضاء . ولما يعطى عن مسألة : يد خضراء . وقال بعض البلغاء : من من بمعروفه سقط شكره ، ومن أعجب بعمله حبط أجره . وقال بعض الشعراء :
وصاحب سلفتْ منه إلي يدٌ *** أبطا عليه مُكافاتي فعاداني
لما تيقن أن الدهر حاربني *** أبدى الندامة فيما كان أولاني
أفسدتَ بالمن ما أسديت من حسن *** ليس الكريم إذا أسدى بمنان
أحسن من كل حَسَن *** في كل وقت وزمن
صنيعةٌ مربوبةٌ *** خاليةٌ من المِنَن
وسمع ابن سيرين رجلا يقول لرجل : فعلت إليك وفعلت ! فقال له : اسكت فلا خير في المعروف ، إذا أحصي . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( إياكم والامتنان بالمعروف فإنه يبطل الشكر ويمحق الأجر - ثم تلا - " لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى " ) .
الثانية : قال علماؤنا رحمة الله عليهم : كره مالك لهذه الآية أن يعطي الرجل صدقته الواجبة أقاربه ؛ لئلا يعتاض منهم الحمد والثناء ، ويظهر منته عليهم ويكافئوه عليها فلا تخلص لوجه الله تعالى . واستحب أن يعطيها الأجانب ، واستحب أيضا أن يولَّى غيره تفريقها إذا لم يكن الإمام عدلا ؛ لئلا تحبط بالمن والأذى والشكر والثناء والمكافأة بالخدمة من المعطى . وهذا بخلاف صدقة التطوع السر ؛ لأن ثوابها إذا حبط سلم من الوعيد وصار في حكم من لم يفعل ، والواجب إذا حبط ثوابه توجه الوعيد عليه لكونه في حكم من لم يفعل .
الثالثة : قوله تعالى : " كالذي ينفق ماله رئاء الناس " الكاف في موضع نصب ؛ أي : إبطال " كالذي " فهي نعت للمصدر المحذوف . ويجوز أن تكون موضع الحال . مثل الله تعالى الذي يمن ويؤذي بصدقته بالذي ينفق ماله رئاء الناس لا لوجه الله تعالى ، وبالكافر الذي ينفق ليقال جواد وليثنى عليه بأنواع الثناء . ثم مثل هذا المنفق أيضا بصفوان عليه تراب فيظنه الظان أرضا منبتة طيبة ، فإذا أصابه وابل من المطر أذهب عنه التراب وبقي صلدا ، فكذلك هذا المرائي . فالمن والأذى والرياء تكشف عن النية في الآخرة فتبطل الصدقة كما يكشف الوابل عن الصفوان ، وهو الحجر الكبير الأملس . وقيل : المراد بالآية إبطال الفضل دون الثواب ، فالقاصد بنفقته الرياء غير مثاب كالكافر ؛ لأنه لم يقصد به وجه الله تعالى فيستحق الثواب . وخالف صاحب المن والأذى القاصد وجه الله المستحق ثوابه - وإن كرر عطاءه - وأبطل فضله . وقد قيل : إنما يبطل المن ثواب صدقته من وقت منه وإيذائه ، وما قبل ذلك يكتب له ويضاعف ، فإذا من وآذى انقطع التضعيف ، لأن الصدقة تربى لصاحبها حتى تكون أعظم من الجبل ، فإذا خرجت من يد صاحبها خالصة على الوجه المشروع ضوعفت ، فإذا جاء المن بها والأذى وقف بها هناك وانقطع زيادة التضعيف عنها ، والقول الأول أظهر{[2500]} والله أعلم . والصفوان جمع واحده صفوانة ، قاله الأخفش . قال : وقال بعضهم : صفوان واحد ، مثل حجر . وقال الكسائي : صفوان واحد وجمعه صِفْوان وصُفِي وصِفِي ، وأنكره المبرد وقال : إنما صفي جمع صفا كقفا وقفي ، ومن هذا المعنى الصفواء والصفا ، وقد تقدم{[2501]} . وقرأ سعيد بن المسيب والزهري " صفوان " بتحريك الفاء ، وهي لغة . وحكى قطرب : صِفوان . قال النحاس : صَفْوان وصَفَوان يجوز أن يكون جمعا ويجوز أن يكون واحدا ، إلا أن الأولى به أن يكون واحدا لقوله عز وجل : " عليه تراب فأصابه وابل " وإن كان يجوز تذكير الجمع إلا أن الشيء لا يخرج عن بابه إلا بدليل قاطع ، فأما ما حكاه الكسائي في الجمع فليس بصحيح على حقيقة النظر ، ولكن صفوان جمع صفاً ، وصفاً بمعنى صفوان ، ونظيره وَرَلٌ{[2502]} وَوِرْلاَن وأخ وإخوان وكَراً وكِرْوَان ، كما قال الشاعر :
لنا يوم وللكِرْوَانِ يوم *** تطير البائسات ولا نطير
والضعيف في العربية كِرْوان جمع كَرَوَان ، وصُفِي وصِفِي جمع صفا مثل عصا . والوابل : المطر الشديد . وقد وبلت السماء تبل ، والأرض موبولة . قال الأخفش : ومنه قوله تعالى : " أخذناه أخذا وبيلا " {[2503]} [ المزمل : 16 ] أي شديدا . وضرب وبيل ، وعذاب وبيل أي شديد . والصلد : الأملس من الحجارة . قال الكسائي : صَلِد يَصْلَدُ صَلَدا بتحريك اللام فهو صلد بالإسكان ، وهو كل ما لا ينبت شيئا ، ومنه جبين أصلد ، وأنشد الأصمعي لرؤبة :
بَرَّاقُ أصلادِ الجَبِينِ الأَجْلَهِ{[2504]}
قال النقاش : الأصلد الأجرد بلغة هذيل . ومعنى " لا يقدرون " يعني المرائي والكافر والمان " على شيء " أي على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم عند حاجتهم إليه ، إذا كان لغير الله فعبر عن النفقة بالكسب ؛ لأنهم قصدوا بها الكسب . وقيل : ضرب هذا مثلا للمرائي في إبطال ثوابه ولصاحب المن والأذى في إبطال فضله ، ذكره الماوردي .
{ لا تبطلوا صدقاتكم } عقيدة أهل السنة أن السيئات لا تبطل الحسنات فقالوا في هذه الآية : إن الصدقة التي يعلم من صاحبها أنه يمن أو يؤذى لا تقبل منه ، وقيل : إن المن والأذى دليل على أن نيته لم تكن خالصة ، فلذلك بطلت صدقته .
{ كالذي ينفق } تمثيل لمن يمن ويؤذى بالذي ينفق رياء وهو غير مؤمن .
{ فمثله } أي : مثل المرائي في نفقته كحجر عليه تراب يظنه من يراه أرضا منبتة طيبة ، فإذا أنزل عليها المطر انكشف التراب ، فيبقى الحجر لا منفعة فيه ، فكذلك المرائي يظن أن له أجرا ، فإذا كان يوم القيامة انكشف سره ولم تنفعه نفقته .
{ لا يقدرون } أي : لا يقدرون على الانتفاع بثواب شيء من إنفاقهم وهو كسبهم .