في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (44)

40

ثم ينكر عليهم - وبخاصة أحبارهم - أن يكونوا من الدعاة إلى الإيمان بحكم أنهم أهل كتاب بين مشركين ، وهم في الوقت ذاته يصدون قومهم عن الإيمان بدين الله ، المصدق لدينهم القديم :

( أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم وأنتم تتلون الكتاب ؟ أفلا تعقلون ؟ ) . .

ومع أن هذا النص القرآني كان يواجه ابتداء حالة واقعة من بني إسرائيل ، فإنه في إيحائه للنفس البشرية ، ولرجال الدين بصفة خاصة ، دائم لا يخص قوما دون قوم ولا يعني جيلا دون جيل .

إن آفة رجال الدين - حين يصبح الدين حرفة وصناعة لا عقيدة حارة دافعة - أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ؛ يأمرون بالخير ولا يفعلونه ؛ ويدعون إلى البر ويهملونه ؛ ويحرفون الكلم عن مواضعه ؛ ويؤولون النصوص القاطعة خدمة للغرض والهوى ، ويجدون فتاوى وتأويلات قد تتفق في ظاهرها مع ظاهر النصوص ، ولكنها تختلف في حقيقتها عن حقيقة الدين ، لتبرير أغراض وأهواء لمن يملكون المال أو السلطان ! كما كان يفعل أحبار يهود !

والدعوة إلى البر والمخالفة عنه في سلوك الداعين إليه ، هي الآفة التي تصيب النفوس بالشك لا في الدعاة وحدهم ولكن في الدعوات ذاتها . وهي التي تبلبل قلوب الناس وأفكارهم ، لأنهم يسمعون قولا جميلا ، ويشهدون فعلا قبيحا ؛ فتتملكهم الحيرة بين القول والفعل ؛ وتخبو في أرواحهم الشعلة التي توقدها العقيدة ؛ وينطفىء في قلوبهم النور الذي يشع الإيمان ؛ ولا يعودون يثقون في الدين بعد ما فقدوا ثقتهم برجال الدين .

إن الكلمة لتنبعث ميتة ، وتصل هامدة ، مهما تكن طنانة رنانة متحمسة ، إذا هي لم تنبعث من قلب يؤمن بها . ولن يؤمن إنسان بما يقول حقا إلا أن يستحيل هو ترجمة حية لما يقول ، وتجسيما واقعيا لما ينطق . . عندئذ يؤمن الناس ، ويثق الناس ، ولو لم يكن في تلك الكلمة طنين ولا بريق . . إنها حينئذ تستمد قوتها من واقعها لا من رنينها ؛ وتستمد جمالها من صدقها لا من بريقها . . إنها تستحيل يومئذ دفعة حياة ، لأنها منبثقة من حياة .

والمطابقة بين القول والفعل ، وبين العقيدة والسلوك ، ليست مع هذا أمرا هينا ، ولا طريقا معبدا . إنها في حاجة إلى رياضة وجهد ومحاولة . وإلى صلة بالله ، واستمداد منه ، واستعانة بهديه ؛ فملابسات الحياة وضروراتها واضطراراتها كثيرا ما تنأى بالفرد في واقعه عما يعتقده في ضميره ، أو عما يدعو إليه غيره . والفرد الفاني ما لم يتصل بالقوة الخالدة ضعيف مهما كانت قوته ، لأن قوى الشر والطغيان والإغواء أكبر منه ؛ وقد يغالبها مرة ومرة ومرة ؛ ولكن لحظة ضعف تنتابه فيتخاذل ويتهاوى ، ويخسر ماضيه وحاضره ومستقبله ؛ فأما وهو يركن إلى قوة الأزل والأبد فهو قوي قوي ، أقوى من كل قوي . قوي على شهوته وضعفه . قوي على ضروراته واضطراراته . قوي على ذوي القوة الذين يواجهونه .

 
الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - القرطبي [إخفاء]  
{۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (44)

الأولى : قوله تعالى : " أتأمرون الناس بالبر " هذا استفهام التوبيخ والمراد في قول أهل التأويل علماء اليهود . قال ابن عباس ( كان يهود المدينة يقول الرجل منهم لصهره ولذي قرابته ولمن بينه وبينه رضاع من المسلمين : اثبت على الذي أنت عليه وما يأمرك به هذا الرجل يريدون محمد صلى الله عليه وسلم ، فإن أمره حق فكانوا يأمرون الناس بذلك ولا يفعلونه ) وعن ابن عباس أيضا ( كان الأحبار يأمرون مقلديهم وأتباعهم باتباع التوراة ، وكانوا يخالفونها في جحدهم صفة محمد صلى الله عليه وسلم ) وقال ابن جريج : كان الأحبار يحضون على طاعة الله وكانوا هم يواقعون المعاصي . وقالت فرقة : كانوا يحضون على الصدقة ويبخلون والمعنى متقارب . وقال بعض أهل الإشارات : المعنى أتطالبون الناس بحقائق المعاني وأنتم تخالفون عن ظواهر رسومها .

الثانية : في شدة عذاب من هذه صفته ، روى حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ليلة أسري بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقاريض من نار فقلت : يا جبريل من هؤلاء ؟ قال هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا{[669]} يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون ) وروى أبو أمامة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قصبهم{[670]} في نار جهنم فيقال لهم : من أنتم ؟ فيقولون : نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا ) .

قلت : وهذا الحديث وإن كان فيه لين ؛ لأن في سنده الخصيب بن جحدر كان الإمام أحمد يستضعفه ، وكذلك ابن معين يرويه عن أبي غالب عن أبي أمامة صدي بن عجلان الباهلي وأبو غالب هو - فيما حكى يحيى بن معين - حزور القرشي مولى خالد بن عبدالله بن أسيد وقيل مولى باهلة . وقيل مولى عبد الرحمن الحضرمي . كان يختلف إلى الشام في تجارته . قال يحيى بن معين هو صالح الحديث فقد رواه مسلم في صحيحه بمعناه عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ( يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى ، {[671]} فيجتمع إليه أهل النار فيقولون : يا فلان ما لك ألم تكن{[672]} تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ؟ فيقول : بلى قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه ) القصب ( بضم القاف ) المعى وجمعه أقصاب والأقتاب الأمعاء واحدها قتب . ومعنى " فتندلق " : فتخرج بسرعة . وروينا " فتنفلق " .

قلت : فقد دل الحديث الصحيح وألفاظ الآية على أن عقوبة من كان عالما بالمعروف وبالمنكر وبوجوب القيام بوظيفة كل واحد منهما أشد ممن لم يعلمه ، وإنما ذلك لأنه كالمستهين بحرمات الله تعالى ومستخف بأحكامه وهو ممن لا ينتفع بعلمه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه ) أخرجه ابن ماجه في سننه .

الثالثة : اعلم وفقك الله تعالى أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر ؛ ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قوما كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها وبخهم به توبيخا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة فقال " أتأمرون الناس بالبر " الآية وقال منصور الفقيه فأحسن :

إن قوما يأمرونا*** بالذي لا يفعلونا

لمجانين وإن هم*** لم يكونوا يصرعونا

وقال أبو العتاهية :

وصفتَ التُّقَى حتى كأنك ذو تقى *** وريحُ الخطايَا من ثيابك تَسْطَعُ

وقال أبو الأسود الدؤلي :

لا تنه عن خلق وتأتي مثله *** عارٌ عليك إذا فعلت عظيم

وابدأ بنفسك فانهها عن غَيِّهَا *** فإن انتهت عنه فأنت حكيم

فهناك يقبل إن وعظت ويقتدى *** بالقول منك وينفع التعليم

وقال أبو عمرو بن مطر : حضرت مجلس أبي عثمان الحيري الزاهد فخرج وقعد على موضعه الذي كان يقعد عليه للتذكير ، فسكت حتى طال سكوته ، فناداه رجل كان يعرف بأبي العباس : ترى أن تقول في سكوتك شيئا ؟ فأنشأ يقول :

وغيرُ تقي يأمر الناس بالتقى *** طبيبٌ يداوي والطبيبُ مريض

قال : فارتفعت الأصوات بالبكاء والضجيج .

قال إبراهيم النخعي : إني لأكره القصص لثلاث آيات ، قوله تعالى : " أتأمرون الناس بالبر " [ البقرة : 44 ] الآية ، وقوله : " لم تقولون ما لا تفعلون{[673]} " [ الصف : 2 ] ، وقوله : " وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه{[674]} " [ هود : 88 ] . وقال سلم بن عمرو{[675]} :

ما أقبح التزهيد من واعظ *** يزهد الناس ولا يزهد

لو كان في تزهيده صادقا *** أضحى وأمسى بيتُه المسجد

إنْ رفضَ الدنيا فما بالُه *** يستمنح الناس ويَسْتَرْفِدُ

والرزق مقسوم على من ترى *** يناله{[676]} الأبيض والأسود

وقال الحسن لمطرف بن عبدالله : عظ أصحابك ، فقال : إني أخاف أن أقول ما لا أفعل ، قال : يرحمك الله وأينا يفعل ما يقول ؟ ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا ، فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر . وقال مالك عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن سمعت سعيد بن جبير يقول : لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ، ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر . قال مالك : وصدق ، من ذا الذي ليس فيه{[677]} شيء .

الخامسة : قوله تعالى : " البر " البر هنا الطاعة والعمل الصالح . والبر : الصدق . والبر : ولد الثعلب . والبر : سوق الغنم ، ومنه قولهم : " لا يعرف هرّاً من بِر " أي لا يعرف دعاء الغنم من سوقها . فهو مشترك ، وقال الشاعر :

لا هم رب إن بكرا{[678]} دونكا *** يَبَرُّك الناس ويفجُرُونَكا

أراد بقوله " يبرك الناس " : أي يطيعونك . ويقال : إن البر الفؤاد في قوله :

أكون مكان البر منه ودونه{[679]} *** وأجعل مالي دونه وأوامره

والبر ( بضم الباء ) معروف ، و( بفتحها ) الإجلال والتعظيم ، ومنه ولد بر وبار ، أي يعظم والديه ويكرمهما .

السادسة : قوله تعالى : " وتنسون أنفسكم " أي تتركون . والنسيان ( بكسر النون ) يكون بمعنى الترك ، وهو المراد هنا ، وفي قوله تعالى : " نسوا الله فنسيهم{[680]} " [ التوبة : 67 ] ، وقوله : " فلما نسوا ما ذكروا به{[681]} " [ الأنعام : 44 ] ، وقوله : " ولا تنسوا الفضل بينكم{[682]} " [ البقرة : 237 ] . ويكون خلاف الذكر والحفظ ، ومنه الحديث : ( نسي آدم فنسيت ذريته ) . وسيأتي . يقال : رجل نَسيان ( بفتح النون ) : كثير النسيان للشيء . وقد نسيت الشيء نسيانا ، ولا تقل نَسَيانا ( بالتحريك ) ؛ لأن النسَيان إنما هو تثنية نسا العرق . وأنفس : جمع نفس ، جمع قلة . والنفس : الروح ، يقال : خرجت نفسه ، قال أبو خراش :

نجا سالمٌ والنفس منه بشدِقهِ *** ولم ينجُ إلا جفن سيفٍ ومِئزرا

أي بجفن سيف ومئزر . ومن الدليل على أن النفس الروح قوله تعالى : " الله يتوفى الأنفس حين موتها{[683]} " [ الزمر : 42 ] يريد الأرواح في قول جماعة من أهل التأويل على ما يأتي ، وذلك بين في قول بلال للنبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن شهاب : أخذ بنفسي يا رسول الله الذي أخذ بنفسك . وقوله عليه السلام في حديث زيد بن أسلم ( إن الله قبض أرواحنا ولو شاء لردها إلينا في حين غير هذا ) رواهما مالك . وهو أولى ما يقال به . والنفس أيضا الدم يقال سالت نفسه قال الشاعر{[684]} :

تسيل على حد السيوف{[685]} نفوسنا *** وليست على غير الظُبَاتِ تسيلُ

وقال إبراهيم النخعي ما ليس له نفس سائلة فإنه لا ينجس الماء إذا مات فيه والنفس أيضا : الجسد قال الشاعر{[686]} :

نبئتُ أن بني سُحَيْم أدخلوا *** أبياتهم تَامُورَ نفسِ المُنْذِرِ

والتامور أيضا : الدم .

السابعة : قوله تعالى : " وأنتم تتلون الكتاب " توبيخ عظيم لمن فهم . " وتتلون " : تقرؤون " الكتاب " التوراة . وكذا من فعل فعلهم كان مثلهم وأصل التلاوة الاتباع ، ولذلك استعمل في القراءة ؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض في حروفه حتى يأتي على نسقه : يقال : تلوته إذا تبعته تلوا وتلوت القرآن تلاوة . وتلوت الرجل تلوا إذا خذلته . والتلية والتلاوة ( بضم التاء ) البقية يقال تليت لي من حقي تلاوة وتلية أي بقيت . وأتليت أبقيت وتتلّيت حقي إذا تتبعته حتى تستوفيه . قال أبو زيد : تلَّى الرجل إذا كان بآخر رمق .

الثامنة : قوله تعالى : " أفلا تعقلون " أي أفلا تمنعون أنفسكم من مواقعة هذه الحال المردية لكم . والعقل المنع ، ومنه عقال البعير ؛ لأنه يمنع عن الحركة ، ومنه العقل للدية ؛ لأنه يمنع ولي المقتول عن قتل الجاني ، ومنه اعتقال البطن واللسان ، ومنه يقال : للحصن معقل والعقل نقيض الجهل ، والعقل ثوب أحمر تتخذه نساء العرب تُغَشَّى به الهوادج . قال علقمة :

عقلا ورقما تكاد الطير تخطفه *** كأنه من دم الأجواف مَدمومُ

المدموم ( بالدال المهملة ) الأحمر ، وهو المراد هنا ، والمدموم الممتلئ شحما من البعير وغيره . ويقال : هما ضربان من البرود . قال ابن فارس : والعقل من شيات الثياب ما كان نقشه طولا ، وما كان نقشه مستديرا فهو الرقم . وقال الزجاج : العاقل من عمل بما أوجب الله عليه فمن لم يعمل فهو جاهل .

التاسعة : اتفق أهل الحق على أن العقل كائن موجود ليس بقديم ولا معدوم ؛ لأنه لو كان معدوما لما اختص بالاتصاف به بعض الذوات دون بعض ، وإذا ثبت وجوده فيستحيل القول بقدمه ؛ إذ الدليل قد قام على أن لا قديم إلا الله تعالى على ما يأتي بيانه في هذه السورة وغيرها إن شاء الله تعالى . وقد صارت الفلاسفة إلى أن العقل قديم ثم منهم من صار إلى أنه جوهر لطيف في البدن ينبث شعاعه منه بمنزلة السراج في البيت يفصل به بين حقائق المعلومات ، ومنهم من قال : إنه جوهر بسيط أي غير مركب . ثم اختلفوا في محله فقالت طائفة منهم محله الدماغ ؛ لأن الدماغ محل الحس ، وقالت طائفة أخرى : محله القلب لأن القلب معدن الحياة ومادة الحواس ، وهذا القول في العقل بأنه جوهر فاسد من حيث إن الجواهر متماثلة ، فلو كان جوهر عقلا لكان كل جوهر عقلا . وقيل إن العقل هو المدرك للأشياء على ما هي عليه من حقائق المعاني ، وهذا القول وإن كان أقرب مما قبله فيبعد عن الصواب من جهة أن الإدراك من صفات الحي والعقل عرض يستحيل ذلك منه كما يستحيل أن يكون ملتذا ومشتهيا . وقال الشيخ أبو الحسن الأشعري والأستاذ أبو إسحاق الإسفرايني وغيرهما من المحققين : العقل هو العلم ، بدليل أنه لا يقال : عقلت وما علمت أو علمت وما عقلت . وقال القاضي أبو بكر : العقل علوم ضرورية بوجوب الواجبات وجواز الجائزات واستحالة المستحيلات ، وهو اختيار أبي المعالي في الإرشاد . واختار في البرهان أنه صفة يتأتى بها درك العلوم واعترض على مذهب القاضي ، واستدل على فساد مذهبه وحكي في البرهان عن المحاسبي أنه قال العقل غريزة . وحكى الأستاذ أبو بكر عن الشافعي وأبي عبدالله بن مجاهد أنهما قال : العقل آلة التمييز . وحكى عن أبي العباس القلانسي أنه قال : العقل قوة التمييز . وحكي عن المحاسبي أنه قال : العقل أنوار وبصائر ثم رتب هذه الأقوال وحملها على محامل فقال : والأولى ألا يصح هذا النقل عن الشافعي ولا عن ابن مجاهد ، فإن الآلة إنما تستعمل في الآلة المثبتة{[687]} واستعمالها في الأعراض مجاز ، وكذلك قول من قال : إنه قوة فإنه لا يعقل من القوة إلا القدرة . والقلانسي أطلق ما أطلقه توسعا في العبارات وكذلك المحاسبي . والعقل ليس بصورة ولا نور ولكن تستفاد به الأنوار والبصائر ، وسيأتي في هذه السورة بيان فائدته في آية{[688]} التوحيد إن شاء الله تعالى .


[669]:كذا في مسند الإمام أحمد بن حنبل (ج 3 ص 120) وتفسير الفخر الرازي (ج 1 ص 496). وفي الأصول: "من أولئك".
[670]:سيأتي معنى "القصب".
[671]:الزيادة من صحيح مسلم
[672]:الزيادة من صحيح مسلم
[673]:ؤاجع ج 18 ص 77.
[674]:راجع ج 9 ص 89
[675]:كذا في الأصول. والصحيح أن الأبيات للجماز، وهو ابن أخت سلم بن عمرو الخاسر. يراجع الأغاني (ج 4 ص 76) طبع دار الكتب المصرية.
[676]:كذا في الأغاني. وقد الأصول: "يسعى له".
[677]:في نسخة: "عليه".
[678]:كذا في البحر المحيط لأبي حيان.وفي الأصول: "بكوا" بالواو.وفي تفسير الشوكاني: "إن يكونوا".
[679]:كذا في الأصول واللسان مادة "برر".وفي شرح القاموس: يكون مكان البر مني ودونه
[680]:راجع ج 8 ص 199
[681]:راجع ج 6 ص 426
[682]:راجع ج 3 ص 208.
[683]:راجع ج 15 ص 260.
[684]:هو السموءل
[685]:في اللسان: "حد الظبات".
[686]:هو أوس بن حجر، يحرض عمرو بن هند علي بني حنيفة، وهم قتلة أبيه المنذر بن ماء السماء. أي حملوا إلى أبياتهم. (عن اللسان).
[687]:في بعض نسخ الأصل: "في الآلة المبنية".
[688]:راجع ج 2 ص 191.
 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{۞أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} (44)

{ أتأمرون } تقريع وتوبيخ لليهود { بالبر } عام في أنواعه ؛ فوبخهم على أمر الناس وتركهم له ، وقيل : كان الأحبار يأمرون من نصحوه في السر بإتباع محمد صلى الله عليه وسلم ، ولا يتبعونه ، وقال ابن عباس : بل كانوا يأمرون بإتباع التوراة ، ويخالفون في جحدهم منها صفة محمد صلى الله عليه وسلم .

{ تنسون } أي : تتركون ، وهذا تقريع { تتلون الكتاب } حجة عليهم { أفلا تعقلون } توبيخ .