( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ، ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ، إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ، إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون . وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها . قل : إن الله لا يأمر بالفحشاء ، أتقولون على الله ما لا تعلمون ؟ قل : أمر ربي بالقسط ، وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد ، وادعوه مخلصين له الدين ، كما بدأكم تعودون . فريقاً هدى وفريقاً حق عليهم الضلالة ، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ، ويحسبون أنهم مهتدون ) . .
إنه النداء الثاني لبني آدم ، في وقفة التعقيب على قصة أبويهم ، وما جرى لهما مع الشيطان ؛ وعلى مشهد العري الذي أوقفهما فيه عدوهما ، بسبب نسيانهما أمر ربهما والاستماع إلى وسوسة عدوهما .
وهذا النداء يصبح مفهوماً بما قدمناه من الحديث عن تقاليد الجاهلية العربية في حكاية العري عند الطواف بالبيت ؛ وزعمهم أن ما وجدوا عليه آباءهم هو من أمر الله وشرعه !
لقد كان النداء الأول تذكيراً لبني آدم بذلك المشهد الذي عاناه أبواهم ؛ وبنعمة الله في إنزال اللباس الذي يستر العورة والرياش الذي يتجمل به . . أما هذا النداء الثاني فهو التحذير لبني آدم عامة وللمشركين الذين يواجههم الإسلام في الطليعة . أن يستسلموا للشيطان ، فيما يتخذونه لأنفسهم من مناهج وشرائع وتقاليد ؛ فيسلمهم إلى الفتنة - كما فعل مع أبويهم من قبل إذ أخرجهما من الجنة ونزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما - - فالعري والتكشف الذي يزاولونه - والذي هو طابع كل جاهلية قديماً وحديثاً - هو عمل من أعمال الفتنة الشيطانية ، وتنفيذ لخطة عدوهم العنيدة في إغواء آدم وبنيه ؛ وهوطرف من المعركة التي لا تهدأ بين الإنسان وعدوه . فلا يدع بنو آدم لعدوهم أن يفتنهم ؛ وأن ينتصر في هذه المعركة ، وأن يملأ منهم جهنم في نهاية المطاف ( يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما ) .
وزيادة في التحذير ، واستثارة للحذر ، ينبئهم ربهم أن الشيطان يراهم هو وقبيله من حيث لا يرونهم .
وإذن فهو أقدر على فتنتهم بوسائله الخفية ؛ وهم محتاجون إلى شدة الاحتياط ، وإلى مضاعفة اليقظة ، وإلى دوام الحذر ، كي لا يأخذهم على غرة :
( إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم ) . .
ثم الإيقاع المؤثر الموحي بالتوقي . . إن الله قدر أن يجعل الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون . . ويا ويل من كان عدوه وليه ! إنه إذن يسيطر عليه ويستهويه ويقوده حيث شاء ، بلا عون ولا نصير ، ولا ولاية من الله :
الأولى - قوله تعالى : " لا يفتننكم " أي لا يصرفنكم الشيطان عن الدين ، كما فتن أبويكم بالإخراج من الجنة . " أب " للمذكر ، و " أبة " للمؤنث . فعلى هذا قيل : أبوان " ينزع عنهما لباسهما " في موضع نصب على الحال . ويكون مستأنفا فيوقف على " من الجنة " . " ليريهما " نصب بلام كي . وفي هذا أيضا دليل على وجوب ستر العورة ؛ لقوله : " ينزع عنهما لباسهما " . قال الآخرون : إنما فيه التحذير من زوال النعمة ، كما نزل بآدم . هذا أن لو ثبت أن شرع آدم يلزمنا ، والأمر بخلاف ذلك .
الثانية - قوله تعالى : " إنه يراكم هو وقبيله " " قبيله " جنوده . قال مجاهد : يعني الجن والشياطين . ابن زيد : " قبيله " نسله . وقيل : جيله . " من حيث لا ترونهم " قال بعض العلماء : في هذا دليل على أن الجن لا يرون ؛ لقوله " من حيث لا ترونهم " قيل : جائز أن يروا ؛ لأن الله تعالى إذا أراد أن يريهم كشف أجسامهم حتى ترى . قال النحاس : " من حيث لا ترونهم " يدل على أن الجن لا يرون إلا في وقت نبي ؛ ليكون ذلك دلالة على نبوته ؛ لأن الله جل وعز خلقهم خلقا لا يرون فيه ، وإنما يرون إذا نقلوا عن صورهم . وذلك من المعجزات التي لا تكون إلا في وقت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم . قال القشيري : أجرى الله العادة بأن بني آدم لا يرون الشياطين اليوم . وفي الخبر ( إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ) . وقال تعالى : " الذي يوسوس في صدور الناس{[7079]} " [ الناس : 5 ] . وقال عليه السلام : ( إن للملك لمة وللشيطان لمة - أي بالقلب - فأما لمة الملك فإيعاد بالخير وتصديق بالحق وأما لمة الشيطان فإيعاد بالشر وتكذيب بالحق ) . وقد تقدم في " البقرة " {[7080]}وقد جاء في رؤيتهم أخبار صحيحة . وقد خرج البخاري عن أبي هريرة قال : وكلني رسول الله صلى الله عليه وسلم بحفظ زكاة رمضان ، وذكر قصة طويلة ، ذكر فيها أنه أخذ الجني الذي كان يأخذ التمر ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له : ( ما فعل أسيرك البارحة ) . وقد تقدم في البقرة . وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( والله لو لا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقا يلعب به ولدان أهل المدينة ) - في العفريت الذي تفلت{[7081]} عليه . وسيأتي في " ص " إن شاء{[7082]} الله تعالى . " إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون " أي زيادة في عقوبتهم وسوينا بينهم في الذهاب عن الحق .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.