( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم . إنما نملي لهم ليزدادوا إثما . ولهم عذاب مهين ) . .
وفي هذه الآية يصل السياق إلى العقدة التي تحيك في بعض الصدور ، والشبهة التي تجول في بعض القلوب ، والعتاب الذي تجيش به بعض الأرواح ، وهي ترى أعداء الله وأعداء الحق ، متروكين لا يأخذهم العذاب ، ممتعين في ظاهر الأمر ، بالقوة والسلطة والمال والجاه ! مما يوقع الفتنة في قلوبهم وفي قلوب الناس من حولهم ؛ ومما يجعل ضعاف الإيمان يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ؛ يحسبون أن الله - حاشاه - يرضى عن الباطل والشر والجحود والطغيان ، فيملي له ويرخي له العنان ! أو يحسبون أن الله - سبحانه - لا يتدخل في المعركة بين الحق والباطل ، فيدع للباطل أن يحطم الحق ، ولا يتدخل لنصرته ! أو يحسبون أن هذا الباطل حق ، وإلا فلم تركه الله ينمو ويكبر ويغلب ؟ ! أو يحسبون أن من شأن الباطل أن يغلب على الحق في هذه الأرض ، وأن ليس من شأن الحق أن ينتصر ! ثم . . يدع المبطلين الظلمة الطغاة المفسدين ، يلجون في عتوهم ، ويسارعون في كفرهم ، ويلجون في طغيانهم ، ويظنون أن الأمر قد استقام لهم ، وأن ليس هنالك من قوة تقوى على الوقوف في وجههم ! ! !
وهذا كله وهم باطل ، وظن بالله غير الحق ، والأمر ليس كذلك . وها هو ذا الله سبحانه وتعالى يحذر الذين كفروا أن يظنوا هذا الظن . . إنه إذا كان الله لا يأخذهم بكفرهم الذي يسارعون فيه ، وإذا كان يعطيهم حظا في الدنيا يستمتعون به ويلهون فيه . . إذا كان الله يأخذهم بهذا الابتلاء ، فإنما هي الفتنة ؛ وإنما هو الكيد المتين ، وإنما هو الاستدراج البعيد :
( ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم . . إنما نملي لهم ليزدادوا إثما )
ولو كانوا يستحقون أن يخرجهم الله من غمرة النعمة ، بالابتلاء الموقظ ، لابتلاهم . . ولكنه لا يريد بهم خيرا ، وقد اشتروا الكفر بالإيمان ، وسارعوا في الكفر واجتهدوا فيه ! فلم يعودوا يستحقون أن يوقظهم الله من هذه الغمرة - غمرة النعمة والسلطان - بالابتلاء !
قوله تعالى : " ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم " الإملاء طول العمر ورغد العيش . والمعنى : لا يحسبن هؤلاء الذين يخوفون المسلمين ، فإن الله قادر على إهلاكهم ، وإنما يطول أعمارهم ليعملوا بالمعاصي ، لا لأنه خير لهم . ويقال : " أنما نملي لهم " بما أصابوا من الظفر يوم أحد لم يكن ذلك خيرا لأنفسهم ، وإنما كان ذلك ليزدادوا عقوبة . وروي عن ابن مسعود أنه قال : ما من أحد بر ولا فاجر إلا والموت خير له ؛ لأنه إن كان برا فقد قال الله تعالى : " وما عند الله خير للأبرار " {[3727]} [ آل عمران : 198 ] وإن كان فاجرا فقد قال الله : وقرأ ابن عامر وعاصم " لا يحسبن " بالياء ونصب السين . وقرأ حمزة : بالتاء ونصب السين . والباقون : بالياء وكسر السين . فمن قرأ بالياء فالذين فاعلون . أي فلا يحسبن الكفار . و " أنما نملي لهم خير لأنفسهم " تسد مسد المفعولين . و " ما " بمعنى الذي ، والعائد محذوف ، و " خير " خبر " أن " . ويجوز أن تقدر " ما " والفعل مصدرا ، والتقدير ولا يحسبن الذين كفروا أن إملاءنا لهم خير لأنفسهم . ومن قرأ بالتاء فالفعل هو المخاطب ، وهو محمد صلى الله عليه وسلم . و " الذين " نصب على المفعول الأول لتحسب . وأن وما بعدها بدل من الذين ، وهي تسد مسد المفعولين ، كما تسد لو لم تكن بدلا . ولا يصلح أن تكون " أن " وما بعدها مفعولا ثانيا لتحسب ؛ لأن المفعول الثاني في هذا الباب هو الأول في المعنى ؛ لأن حسب وأخواتها داخلة على المبتدأ والخبر ، فيكون التقدير : ولا تحسبن أنما نملي لهم خير . هذا قول الزجاج . وقال أبو علي : لو صح هذا لقال " خيرا " بالنصب ؛ لأن " أن " تصير بدلا من " الذين كفروا " ، فكأنه قال : لا تحسبن إملاء الذين كفروا خيرا ؛ فقوله " خيرا " هو المفعول الثاني لحسب . فإذا لا يجوز أن يقرأ " لا تحسبن " بالتاء إلا أن تكسر " إن في " أنما " وتنصب خيرا ، ولم يرو ذلك عن حمزة ، والقراءة عن حمزة بالتاء ، فلا تصح هذه القراءة إذا . وقال الفراء والكسائي : قراءة حمزة جائزة على التكرير ؛ تقديره ولا تحسبن الذي كفروا ، ولا تحسبن أنما نملي لهم خيرا ، فسدت " أن " مسد المفعولين لتحسب الثاني ، وهي وما عملت مفعول ثان لتحسب الأول . قال القشيري : وهذا قريب مما ذكره الزجاج في دعوى البدل ، والقراءة صحيحة . فإذا غرض أبي علي تغليط الزجاج . قال النحاس : وزعم أبو حاتم أن قراءة حمزة بالتاء هنا ، وقوله : " ولا يحسبن الذين يبخلون " [ آل عمران : 180 ] لحن لا يجوز . وتبعه على ذلك جماعة .
قلت : وهذا ليس بشيء ، لما تقدم بيانه من الإعراب ، ولصحة القراءة وثبوتها نقلا . وقرأ يحيى بن وثاب " إنما نملي لهم " بكسر إن فيهما جميعا . قال أبو جعفر : وقراءة يحيي حسنة . كما تقول : حسبت عمرا أبوه خالد . قال أبو حاتم وسمعت الأخفش يذكر كسر " إن " يحتج به لأهل القدر ؛ لأنه كان منهم . ويجعل على التقديم والتأخير " ولا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثما إنما نملي لهم خير لأنفسهم " . قال : ورأيت في مصحف في المسجد الجامع قد زادوا فيه حرفا فصار " إنما نملي لهم إيمانا " فنظر إليه يعقوب القارئ فتبين اللحن فحكه . والآية نص في بطلان مذهب القدرية ؛ لأنه أخبر أنه يطيل أعمارهم ليزدادوا الكفر بعمل المعاصي ، وتوالي أمثاله على القلب . كما تقدم بيانه في ضده وهو الإيمان . وعن ابن عباس قال : ما من بر ولا فاجر إلا والموت خير له ثم تلا " إنما نملي لهم ليزدادوا لهم إثما " وتلا " وما عند الله خير للأبرار " أخرجه رزين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.