غرائب القرآن ورغائب الفرقان للحسن بن محمد النيسابوري - النيسابوري- الحسن بن محمد  
{وَلَا يَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ خَيۡرٞ لِّأَنفُسِهِمۡۚ إِنَّمَا نُمۡلِي لَهُمۡ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِثۡمٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّهِينٞ} (178)

176

ثم بين أن بقاء المنافقين المتخلفين عن الجهاد والكفار الذين بقوا بعد شهداء أحد لا خير فيه فقال : { ولا يحسبن } من قرأ بالياء فقوله : { الذين كفروا } فاعل ، و " أن " مع ما في حيزه ساد مسد مفعوليه .

ومن قرأ بتاء الخطاب ف { الذين كفروا } مفعول أول و " أن " مع ما في حيزه بدل منه . وصح الإبدال وإن لم يمض إلا أحد المفعولين لأن المبدل في حكم المنحي . ألا تراك تقول : جعلت متاعك بعضه فوق بعض . مع امتناع السكوت على متاعك ؟ والتقدير : ولا تحسبن الذين كفروا أن إملائي خير لهم على أن " ما " مصدرية . ويجوز أن يقدر مضاف محذوف أي لا تحسبنهم أصحاب أن الإملاء خير لهم ، أو لا تحسبن حال الذين كفروا أن الإملاء خير لأنفسهم . قال الأصمعي : يقال أملى عليه الزمان أي طال . وأملى له أي طوّل له وأمهله . قال أبو عبيدة : ومنه الملا للأرض الواسعة الطويلة ، والملوان الليل والنهار . ويقال : أقمت عنده ملاوة من الدهر أي حيناً وبرهة . و { إثماً } نصب على التمييز . وفي وصف العذاب أوّلاً بالعظم ثم بالألم ثم بالإهانة تدرج من الأهون إلى الأشق ، وفيه من الوعيد والسخط ما لا يخفى . قالت الأشاعرة ههنا : إن إطالة المدة من فعل الله لا محالة . والآية دلت على أنها ليست بخير ففيه دلالة على أنه سبحانه فاعل الخير والشر . وأيضاً إنه نص على أن الغرض من هذا الإملاء ، أن يزدادوا إثماً ، فإذن الكفر والمعاصي بإرادة الله . وأيضاً أخبر عنهم أنه لا خير لهم فيه وأنهم لا يحصلون منه إلا على ازدياد الغي والإثم ، والإتيان بخلاف خبر الله تعالى محال ، فعلمنا أنهم مجبورون على ذلك في صورة مختارين . أجابت المعتزلة بأن المراد أن هذا الإملاء ليس خيراً من موت الشهداء إذ الآية من تتمة قصة أحد ، لا أنه ليس بخير مطلقاً . وزيف بأن بناء المبالغة لا يجوز ذكره إلا مع المفضل عليه ، لكنه لم يذكر فعلمنا أنه لنفي الخيرية لا لنفي كونه خيراً من شيء آخر ، وعن الثاني أن ازدياد الإثم علة للإملاء وليس كل علة بغرض كقولك : قعدت عن الغزو للعجز والفاقة . ومثله { وجعلوا لله أنداداً ليضلوا }[ إبراهيم : 30 ] وهم ما فعلوا ذلك إلا ضلال . ويقال : ما كانت موعظتي لك إلا للزيادة في تماديك في الغي إذا كانت عاقبة الموعظة ذلك . ورد بأن حمل اللام على لام العاقبة عدول عن الظاهر ، على أنا نعلم بالبرهان أن علمه تعالى بأنهم مزدادون إثماً على تقدير الإمهال علة فاعلية لازديادهم إثماً فكان تعالى فاعلاً للازدياد ومريداً له . قالوا : في الكلام تقديم وتأخير وترتيبه : لا يحسبن الذين كفروا إنما نملي لهم ليزدادوا إثماً إنما نملي لهم خير لأنفسهم . ويعضده قراءة يحيى بن وثاب بكسر " إن " الأولى وفتح الثانية .

وردّ بأن التقديم والتأخير خلاف الأصل ، والقراءة الشاذة لا اعتداد بها مع أن الواحدي أنكرها . ثم إنه تعالى أخبر أنه لا يجوز في حكمته أن يترك المؤمنين على ما هم عليه من اختلاط المخلص بالمنافق ، ولكنه يعزل أحد الجنسين عن الآخر بإلقاء الحوادث وإبداء الوقائع كما في قصة أحد .

/خ189