في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} (24)

وفي ظل هذه القصة بفصولها جميعا . في الدنيا حيث وقفت أمة الرسل في مواجهة الجاهلية الظالمة :

( واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد . من ورائه جهنم ويسقى من ماء صديد . يتجرعه ولا يكاد يسيغه ، ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت ومن ورائه عذاب غليظ ) . .

وفي الآخرة حيث شاهدنا ذلك المشهد الفريد : مشهد الذين استكبروا والضعفاء والشيطان ، مع ذلك الحوار العجيب . .

في ظل تلك القصة ومصائر الأمة الطيبة ، والفرقة الخبيثة ، يضرب الله مثل الكلمة الطيبة والكلمة الخبيثة ، لتصوير سنته الجارية في الطيب والخبيث في هذه الحياة ، فتكون خاتمة كتعليق الراوية على الرواية بعد إسدال الستار :

( ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة ، أصلها ثابت وفرعها في السماء ، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ، ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون . ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . . )

( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ؛ ويضل الله الظالمين ؛ ويفعل الله ما يشاء ) . .

إن مشهد الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء . . والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة ، اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار . . هو مشهد مأخوذ من جو السياق ، ومن قصة النبيين والمكذبين ، ومصير هؤلاء وهؤلاء بوجه خاص .

/خ27

 
لطائف الإشارات للقشيري - القشيري [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} (24)

هذا مثل ضربه الله للإيمان والمعرفة به سبحانه ، فشبهه بشجرة طيبة ، وأصل تلك الشجرة ثابت في الأرض وفروعها باسقة وثمراتها وافية . تؤتى أكلها كل وقت ، وينتفع بها أهلُها كل حين .

وأصل تلك الشجرة المعرفة ، والإيمان مُصَحَّحاً بالأدلة والبراهين . وفروعها الأعمال الصالحة التي هي الفرائض ومجانبة المعاصي .

والواجب صيانة الشجرة مما يَضُرُّ بها مثل كشف القِشْر وقَطْع العِرْق وإملاق الغصن وما جرى مجراه .

وأوراق تلك الشجرة القيام بآداب العبودية ، وأزهارها الأخلاق الجميلة ، وثمارها حلاوة الطاعة ولذة الخدمة .

وكما أن الثمار تختلف في الطّعم والطبع والرائحة والصورة . . كذلك ثمرات الطاعات ومعاني الأشياء التي يجدها العبدُ في قلبه تختلف من حلاوة الطاعة وهي صفة العابدين ، والبسط الذي يجده العبدُ في وقته وهو صفة العارفين ، وراحةٍ في الضمير وهو صفة المريدين ، وأُنْسٍِ يناله في سِرِّه وهو صفة المحبين . وقلقٍ واهتياجٍ يجدهما ولا يعرف سببهما ، ولا يجد سبيلاً إلا سكونه وهو صفة المشتاقين . . . إلى ما لا يفي بشرحه نطق ، ولا يستوفيه تكلُّفُ قَوْلٍ . وذكرٍ من لوائح ولوامع ، وطوارق وشوارق ، كما قيل :

طوارق أنوار تلوح إذا بدت *** فتُظْهِر كتمانا وتُخْبِرُ عن جمع

ثم إن ثمراتِ الأشجار في السنة مرة ، وثمرات هذه الشجرة في كل لحظة كذا كذا مرة . وكما قال الله تعالى في ثواب الجنة : { لاَّ مَقْطُوعَةٍ وَلاَ مَمْنُوعَةٍ } [ الواقعة :33 ] كذا لطائف هذه الشجرة لا مقطوعة ولا ممنوعة ، وقلوب أهل الحقائق عنها لا مصروفة ، ولا محجوبة ، وهي في كل وقت ونَفَسٍ تبدو لهم غيرَ محجوبة .

وثمرات الشجرة أشرف الثمار ، وأنوارها ألطف وأظرف الأنوار ، وإشارات أهل هذه القصة وألفاظهم في مراتبهم ومعانيهم كالرياحين والثَّوْر .

ويقال الكلمة الطيبة هي الشهادة بالإلهية ، وللرسول - صلى الله عليه وسلم- بالنبوة ، وإنما تكون طيبة إذا صدرت عن سرِّ مخلص .

والشجرة الطيبة المعرفة ، وأصلها ثابت في أرضِ غير سبخةٍ ، والأرض السبخة قلب الكافر والمنافق ، فالإيمان لا ينبت في قلبيهما كما أن الشجرة في الأرض السبخة لا تنبت . ثم لا بدَّ للشجرة من الماء ، وماء هذه الشجرة دوام العناية ، وإنما تُورِقُ بالكفاية ، وتَتَوَرَّدُ بالهداية .

ويقال ماءُ هذه الشجرة ماءُ الندمِ والحياءِ والتلهفِ والحسرةِ والأمانة والخشوع وإسبال الدموع .

ويقال ثمرات هذه الشجرة مختلفة بحسب اختلاف أحوالهم ؛ فمنها التوكل والتفويض والتسليم ، والمحبة والشوق والرضا ، والأحوال الصافية الوافية ، والأخلاق العالية الزكية .

ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة هي كلمة الكفر ، وخبثُها ما صحبها من نجاسة الشِّرك ، فَخُبْث الكلمة لصدورها عن قلبٍ هو مُسْتَقَرُّ الشِّرْكِ ومنبعه .

والشجرة الخبيثة هي الشِّرْكُ اجتُثَّ من فوق الأرض ؛ لأن الكفر متناقض متضاد ، ليس له أصل صحيح ، ولا برهان موجب ، ولا دليل كاشف ، ولا علة مقتضية ، وإنما شُبَهٌ وأباطيل وضلال ، تقتضي وساوسَ وتسويلاتٍ ما لها من قرار ، لأنها حاصلة من شُبَةٍ واهية وأصول فاسدة .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ} (24)

قوله تعالى : { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ( 24 ) تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ( 25 ) ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار } .

( مثلا ) منصوب ؛ لأنه مفعول ( ضرب ) . ( كلمة ) ، بدل منه . وقيل : عطف بيان له . والمثل في هذه الآية بيان بوصف الإيمان والمؤمنين وما ينبثق عنهما من حياة بشرية مثلى ، حافلة بالخير والرحمة وكريم الخلال والخصال .

لقد ضرب الله لذلك مثلا ( كلمة طيبة ) والكلمة الطيبة ، شهادة أن لا إله إلا الله . وهو قول ابن عباس . وقيل : الإيمان بالله جل ثناؤه ؛ فإن الإيمان به ( كشجرة طيبة ) وهي النخلة الدائمة الإثمار ، ذات الأصول الراسخة الضاربة في أغوار الأرض ( وفرعها في السماء ) أي أعلى الشجرة شامخ مرتفع في الفضاء . والمراد : أن إيمان المؤمنين كالشجرة التي لا ينقطع ثمرها ؛ فهي مثمرة خير الثمار في كل الأوقات فيستطيب ثمارها الآكلون . وإيمان المؤمنين إنما ينبثق عنه حميد الخصال وعظيم الصفات والطاعات لله رب العالمين . إنه لا ينبثق عن إيمان المؤمنين إلا الصالحات والحسنات ، تتقاطر على الأفراد والأسر والمجتمعات وسائر أوساط البشر ليشيع فيهم الأمن والخير والبركة والود والسعادة . لا جرم أن الإسلام دين الله القويم ، ومنهجه الحكيم المكين الراسخ في أعماق الكينونة البشرية والذي تتجلى ملامحه وخصائصه ومزاياه وأحكامه وتصوراته على الدنيا ؛ لتفيض فيها إشعاعات غامرة شتى من ظواهر الأخوة الرصينة الصادقة ، والتعاون الحقيقي الوثيق والمودة الصاخبة الكريمة ، فتغيب بذلك عن وجه المجتمع علائم السوء والباطل من نفاق ورياء وأثرة وجشع وإيذاء وظلم وخسة ولؤم . ذلك هو شأن الإيمان في نفوس المؤمنين ، أو شأن الإسلام كله ؛ فإنه إذا استقر في واقع البشر صنع منه المجتمع المتماسك المترابط المنسج . المجتمع الذي يستظل بظل الخير والأمان والمودة والتعاون ؛ ليفيض بعد ذلك على الدنيا خير السمات والقيم والمزايا الكريمة .