في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

25

ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته :

( ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) . .

والمنافع التي يشهدها الحجيج كثير . فالحج موسم ومؤتمر . الحج موسم تجارة وموسم عبادة . والحج مؤتمر اجتماع وتعارف ، ومؤتمر تنسيق وتعاون . وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة . . أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة ، حيثتجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء . . من أطراف الأرض ؛ ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر ، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم . يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد . فهو موسم تجارة ومعرض نتاج ؛ وسوق عالمية تقام في كل عام .

وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح ، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام . وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد . .

طيف إبراهيم الخليل - عليه السلام - وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه ، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم . ربنا ليقيموا الصلاة . فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) . .

وطيف هاجر وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت ، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش ، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل . . ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء . وإذا هي زمزم . ينبوع الرحمة فيي صحراء اليأس والجدب .

وطيف إبراهيم - عليه السلام - وهو يرى الرؤيا ، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده ، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد : ( قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ? )فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل - عليه السلام - : ( قال : يا أبت افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) . . وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء : ( وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين . إن هذا لهو البلاء المبين . وفديناه بذبح عظيم ) . .

وطيف إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - يرفعان القواعد من البيت ، في إنابة وخشوع : ( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم ) . .

وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع ، حتى يلوح طيف عبد المطلب ، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء . وإذا هو عبد الله . وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر . وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء ، والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله ، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة . فيقبل منه الفداء ، فينحر مائة وينجو عبد الله . ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله - محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] - ثم يموت ! فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير !

ثم تتواكب الأطياف والذكريات . من محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى ، حول هذا البيت . . وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفى ء الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل . . وهو يصلي . . وهو يطوف . . وهو يخطب . . وهو يعتكف . . وإن خطواته - عليه الصلاة والسلام - لتنبض حية في الخاطر ، وتتمثل شاخصة في الضمير ، يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات . . وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى ، حول ذلك البيت ، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار !

والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة . مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماقالزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) . . ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه : هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا ويلتقون عليها جميعا . . ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها . راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان . . ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا . قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين . الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد . . راية العقيدة والتوحيد .

وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى ، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب . وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام . في ظل الله . بالقرب من بيت الله . وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة ، والذكريات الغائبة والحاضرة . في أنسب مكان ، وأنسب جو ، وأنسب زمان . .

فذلك إذ يقول الله سبحانه : ( ليشهدوا منافع لهم ) . . كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته .

وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين ، وأمر إبراهيم - عليه السلام - أن يؤذن به في الناس .

ويمضي السياق يشير إلى بعض مناسك الحج وشعائره وأهدافها :

( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) . .

وهذه كناية عن نحر الذبائح في أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده . والقرآن يقدم ذكر اسم الله المصاحب لنحر الذبائح ، لأن الجو جو عبادة ولأن المقصود من النحر هو التقرب إلى الله . ومن ثم فإن أظهر ما يبرز في عملية النحر هو ذكر اسم الله على الذبيحة . وكأنما هو الهدف المقصود من النحر لا النحر ذاته . .

والنحر ذكرى لفداء إسماعيل - عليه السلام - فهو ذكرى لآية من آيات الله وطاعة من طاعات عبديه إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فوق ما هو صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء . وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم والمعز .

( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) . .

والأمر بالأكل من الذبيحة يوم النحر هو أمر للإباحة أو الاستحباب . أما الأمر بإطعام البائس الفقير منها فهو أمر للوجوب . ولعل المقصود من أكل صاحبها منها أن يشعر الفقراء أنها طيبة كريمة .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

ثم ذكر فوائد زيارة بيت الله الحرام ، مرغبا فيه فقال : { لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ } أي : لينالوا ببيت الله منافع دينية ، من العبادات الفاضلة ، والعبادات التي لا تكون إلا فيه ، ومنافع دنيوية ، من التكسب ، وحصول الأرباح الدنيوية ، وكل هذا أمر مشاهد كل يعرفه ، { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } وهذا من المنافع الدينية والدنيوية ، أي : ليذكروا اسم الله عند ذبح الهدايا ، شكرا لله على ما رزقهم منها ، ويسرها لهم ، فإذا ذبحتموها { فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ } أي : شديد الفقر .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{لِّيَشۡهَدُواْ مَنَٰفِعَ لَهُمۡ وَيَذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ فِيٓ أَيَّامٖ مَّعۡلُومَٰتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّنۢ بَهِيمَةِ ٱلۡأَنۡعَٰمِۖ فَكُلُواْ مِنۡهَا وَأَطۡعِمُواْ ٱلۡبَآئِسَ ٱلۡفَقِيرَ} (28)

قوله تعالى : { ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ( 28 ) ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ( 29 ) } أي ناد في الناس بالحج يأتوك مشاة وركبانا ليحضروا ( منافع لهم ) ووجوه المنافع التي يحضرونها كثيرة : منها أداء المناسك كعرفات والمشعر الحرام حيث الذكر والتسبيح والتهليل والدعاء في تضرع وتذلل إلى الله عسى أن يستجيب ويكفّر الخطايا والذنوب ، وغير ذلك من وجوه المنفعة كالتجارات والزيارات وقضاء المصالح والحوائج المختلفة مما فيه إرضاء لله ، وتحصيل منافع الدنيا والآخرة .

قوله : ( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات ) ويراد بالذكر هنا ، التسمية عند الذبح أو النحر لكل من الهدي أو الأضحية . وهو أن يقول الذابح أو الناحر : باسم الله والله أكبر . أو قوله : ( إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين ) الآية . وفي ذلك تنبيه على أن الغرض فيما يتقرب به إلى الله هو ذكر اسمه تعالى وما يقتضيه ذلك من مخالفة المشركين في مثل هذه المسألة ؛ إذ كانوا يذبحون أو ينحرون الأنعام للنصب والأوثان .

أما الأيام المعلومات : فالمراد بها العشر من ذي الحجة . وهو قول أكثر أهل العلم . وقال به ابن عباس واختاره الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو حنيفة . وفي فضل هذه الأيام العشر روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عمر قال : قال رسول الله ( ص ) : " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر ، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد "

وقيل : المراد بالأيام المعلومات : ثلاثة أيام . وهي يوم النحر ، ويومان بعده . وهو مذهب مالك . وقيل : يوم عرفة ، ويوم النحر ، ويوم آخر بعده ، وهي رواية عن ابن عباس .

قوله : ( على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) أي يذكرون اسم الله وحده على ذبح ما رزقهم من بهيمة الأنعام وهي الإبل والبقر والغنم .

قوله : ( فكلوا منها ) أي كلوا مما ذكرتم اسم الله عليه من بهيمة الأنعام . والأمر هنا يفيد الندب وليس الوجوب . وهو قول الجمهور . وبذلك يستحب للمرء أن يأكل من هديه أو ضحيته ، وأن يتصدق بمعظمها ويجوز التصدق بالكل . وقيل : يجب الأكل منها استنادا إلى ظاهر الآية ( فكلوا ) والصواب القول بالندب .

وذهب كثير من أهل العلم وفيهم الحنفية إلى أن المضحي يستحب له التصدق بالثلث ، وأن يطعم الثلث ، ويأكل هو وأهله الثلث . أما عند الشافعية فيأكل النصف . ويتصدق بالنصف الآخر ، لقوله : ( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) فذكر شخصين . وفي قول لهم ثان : يأكل هو وأهله ثلثا . ويتصدق بثلث ، ويطعم ثلثا .

على أن المسافر مخاطب بالأضحية كالمقيم لعموم الخطاب وخالف الإمام أبو حنيفة في ذلك . واستثنى الإمام مالك من المسافرين الحاج بمنى ؛ إذ لم ير عليه أضحية . وروي هذا عن أبي بكر وعمر وجماعة من السلف رضي الله عنهم ؛ لأن الحاج إنما هو مخاطب في الأصل بالهدي . فإذا أراد أن يضحي جعله هديا .

أما حكم الادخار ، ففيه عدة أقوال . أولها : عدم الادخار بعد ثلاثة أيام . وهو مروي عن علي وابن عمر ؛ وذلك لأخبار النهي عن الادخار .

ثانيها : أن النهي عن الادخار منسوخ . وبذلك يذخر إلى أي وقت أحب . وقال به أبو سعيد الخذري .

ثالثها : جواز الأكل من الأضاحي مطلقا .

رابعها : إن كانت بالناس حاجة إلى لحوم الأضاحي فلا يدخر ؛ لأن النهي إنما كانت لعلة وهي قوله ( ص ) : " إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت " والدافة ، قوم قدموا المدينة عند الأضحى فنهاهن عن ادخار لحوم الأضاحي ليتصدقوا بها فينتفع بها هؤلاء .

قوله : ( وأطعموا البائس الفقير ) ( البائس ) من البؤس وهو الشدة ، والحاجة{[3102]} ، والبائس من أصابه بؤس أي شدة . أو هو الذي أصابه ضرّ الحاجة والجوع . و ( الفقير ) ، هو الذي لا شيء له . وقيل : المتعفف .


[3102]:- مختار الصحاح ص 39.