في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

وعلى ذكر التزكية والطهارة تجيء الدعوة إلى الصفح والمغفرة بين بعض المؤمنين وبعض - كما يرجون غفران الله لما يرتكبونه من أخطاء وذنوب - :

ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله ؛ وليعفوا وليصفحوا . ألا تحبون أن يغفر الله لكم ? والله غفور رحيم . .

نزلت في أبي بكر - رضي الله عنه - بعد نزول القرآن ببراءة الصديقة . وقد عرف أنه مسطح بن أثاثة كان ممن خاضوا فيه . وهو قريبه . وهو من فقراء المهاجرين . وكان أبو بكر - رضي الله عنه - ينفق عليه . فآلى على نفسه لا ينفع مسطحا بنافعة أبدا .

نزلت هذه الآية تذكر أبا بكر ، وتذكر المؤمنين ، بأنهم هم يخطئون ثم يحبون من الله أن يغفر لهم . فليأخذوا أنفسهم - بعضهم مع بعض - بهذا الذي يحبونه ، ولا يحلفوا أن يمنعوا البر عن مستحقيه ، إن كانوا قد أخطأوا وأساءوا . .

وهنا نطلع على أفق عال من آفاق النفوس الزكية ، التي تطهرت بنور الله . أفق يشرق في نفس أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - أبي بكر الذي مسه حديث الإفك في أعماق قلبه ، والذي احتمل مرارة الاتهام لبيته وعرضه . فما يكاد يسمع دعوة ربه إلى العفو ؛ وما يكاد يلمس وجدانه ذلك السؤال الموحي : ( ألا تحبون أن يغفر الله لكم ? )حتى يرتفع على الآلام ، ويرتفع على مشاعر الإنسان ، ويرتفع على منطق البيئة . وحتى تشف روحه وترف وتشرق بنور الله . فإذا هو يلبي داعي الله في طمأنينة وصدق يقول : بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي . ويعيد إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه ، ويحلف : والله لا أنزعها منه أبدا . ذلك في مقابل ما حلف : والله لا أنفعه بنافعة أبدا .

بذلك يمسح الله على آلام ذلك القلب الكبير ، ويغسله من أوضار المعركة ، ليبقى أبدا نظيفا طاهرا زكيا مشرقا بالنور . .

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

{ وَلَا يَأْتَلِ } أي : لا يحلف { أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا } كان من جملة الخائضين في الإفك " مسطح بن أثاثة " وهو قريب لأبي بكر الصديق رضي الله عنه ، وكان مسطح فقيرا من المهاجرين في سبيل الله ، فحلف أبو بكر أن لا ينفق عليه ، لقوله الذي قال .

فنزلت هذه الآية ، ينهاهم{[560]} عن هذا الحلف المتضمن لقطع النفقة عنه ، ويحثه على العفو والصفح ، ويعده بمغفرة الله إن غفر له ، فقال : { أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } إذا عاملتم عبيده ، بالعفو والصفح ، عاملكم بذلك ، فقال أبو بكر - لما سمع هذه الآية- : بلى ، والله إني لأحب أن يغفر الله لي ، فرجع النفقة إلى مسطح ، وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب ، وأنه لا تترك النفقة والإحسان بمعصية الإنسان ، والحث على العفو والصفح ، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم .


[560]:- كذا في النسختين
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{وَلَا يَأۡتَلِ أُوْلُواْ ٱلۡفَضۡلِ مِنكُمۡ وَٱلسَّعَةِ أَن يُؤۡتُوٓاْ أُوْلِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ وَلۡيَعۡفُواْ وَلۡيَصۡفَحُوٓاْۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغۡفِرَ ٱللَّهُ لَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٌ} (22)

وهذا المراد من قوله : { ولا يأتل } أي يحلف مبالغاً في اليمين { أولوا الفضل منكم } الذين جعلتهم بما آتيتهم من العلم والأخلاق الصالحة أهلاً لبر غيرهم { والسعة } أي بما أوسعت عليهم في دنياهم .

ولما كان السياق والسباق واللحاق موضحاً للمراد ، لم يحتج إلى ذكر أداة النفي فقال : { أن يؤتوا } ثم ذكر الصفات المقتضية للإحسان فقال : { أولي القربى } وعددها بأداة العطف تكثيراً لها وتعظيماً لأمرها ، وإشارة إلى أن صفة منها كافية في الإحسان ، فكيف إذا اجتمعت ! فقال سبحانه : { والمساكين } أي الذين لا يجدون ما يغنيهم وإن لم تكن لهم قرابة { والمهاجرين } لأهلهم وديارهم وأموالهم { في سبيل الله } أي الذي عم الخلائق بجوده لما له من الإحاطة بالجلال والإكرام وإن انتفى عنهم الوصفان الأولان ، فإن هذه الصفات مؤذنة بأنهم ممن زكى الله ، وتعدادها بجعلها علة للعفو - دليل على أن الزاكي من غير المعصومين قد يزل ، فتدركه الزكاة بالتوبة فيرجع كما كان ، وقد تكون الثلاثة لموصوف واحد لأن سبب نزولها مسطح رضي الله عنه ، فالعطف إذن للتمكن في كل وصف منها .

ولما كان النهي عن ذلك غير صريح في العفو ، وكان التقدير : فليؤتوهم ، عطف عليه مصرحاً بالمقصود قوله : { وليعفوا } أي عن زللهم بأن يمحوه ويغطوه بما يسلبونه عليه من أستار الحلم حتى لا يبقى له أثر . ولما كان المحو لا ينفي التذكر قال : { وليصفحوا } أي يعرضوا عنه أصلاً ورأساً ، فلا يخطروه لهم على بال ليثمر ذلك الإحسان ، ومنه الصفوح وهو الكريم .

ولما كانت لذة الخطاب تنسي كل عتاب ، أقبل سبحانه بفضله ومنّه وطوله على أولي الفضل ، مرغباً في أن يفعلوا بغيرهم ما يحبون أن يفعل بهم ، مرهباً من أن يشدد عليهم إن شددوا فقال : { ألا تحبون } أي يا أولي الفضل { أن يغفر الله } أي الملك الأعظم { لكم } أي ما قصرتم في حقه ، وسبب نزولها كما في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن أباها رضي الله تعالى عنه كان حلف بعد ما برأ الله عائشة رضي الله عنها أن لا ينفق على مسطح ابن خالته لكونه خاض من أهل الإفك ؛ وفي تفسير الأصبهاني عن ابن عباس رضي الله عنهما : أقسم ناس من الصحابة فيهم أبو بكر رضي الله عنهم أن لا يتصدقوا على رجل تكلم بشيء من الإفك ولا ينفعوهم فأنزل الله هذه الآية .

وناهيك بشهادة الله جل جلاله للصديق بأنه من أولي الفضل فيا له من شرف ما أجلاه ! ومن سؤدد وفخار ما أعلاه ! ولا سيما وقد صدقه رضي الله عنه بالعفو عمن شنع على ثمرة فؤاده ومهجة كبده ، وهي الصديقة زوجة خاتم المرسلين ، وخير الخلائق أجمعين ، والحلف على أنه لا يقطع النفقة عنه أبداً ، فيا لله من أخلاق ما أبهاها ! وشمائل ما أطهرها وأزكاها ! وأشرفها وأسندها .

ولما كان الجواب قطعاً كما أجاب الصديق رضي الله عنه : بلى والله ! إنا لنحب أن يغفر الله لنا ، وكان كأنه قيل : فاغفروا لمن أساء إليكم ، فالله حكم عدل ، يجازيهم على إساءتهم إليكم إن شاء ، والله عليم شكور ، يشكر لكم ما صنعتم إليهم ، عطف عليه قوله : { والله } أي مع قدرته الكاملة وعلمه الشامل { غفور رحيم* } من صفته ذلك ، إن شاء يغفر لكم ذنوبكم بأن يمحوها فلا يدع لها أثراً ويرحمكم بعد محوها بالفضل عليكم كما فعلتم معهم ، فإن الجزاء من جنس العمل .