وفي ظل الشجرة الثابتة ، التي يشارك التعبير في تصوير معنى الثبات وجوه ، فيرسمها : أصلها ثابت مستقر في الأرض ، وفرعها سامق ذاهب في الفضاء على مد البصر ، قائم أمام العين يوحي بالقوة والثبات .
في ظل الشجرة الثابتة مثلا للكلمة الطيبة : ( يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ) . . وفي ظل الشجرة الخبيثة المجتثة من فوق الأرض ما لها من قرار ولا ثبات : ( ويضل الله الظالمين ) . . فتتناسق ظلال التعبير وظلال المعاني كلها في السياق !
يثبت الله الذين آمنوا في الحياة الدنيا وفي الآخرة بكلمة الإيمان المستقرة في الضمائر ، الثابتة في الفطر ، المثمرة بالعمل الصالح المتجدد الباقي في الحياة . ويثبتهم بكلمات القرآن وكلمات الرسول ؛ وبوعده للحق بالنصر في الدنيا ، والفوز في الآخرة . . وكلها كلمات ثابتة صادقة حقة ، لا تتخلف ولا تتفرق بها السبل ، ولا يمس أصحابها قلق ولا حيرة ولا اضطراب .
ويضل الله الظالمين بظلمهم وشركهم [ والظلم يكثر استعماله في السياق القرآني بمعنى الشرك ويغلب ] وبعدهم عن النور الهادي ، واضطرابهم في تيه الظلمات والأوهام والخرافات واتباعهم مناهج وشرائع من الهوى لا من اختيار الله . . يضلهم وفق سنته التي تنتهي . بمن يظلم ويعمى عن النور ويخضع للهوى إلى الضلال والتيه والشرود .
بإرادته المطلقة ، التي تختار الناموس ، فلا تتقيد به ولكنها ترضاه . حتى تقتضي الحكمة تبديله فيتبدل في نطاق المشيئة التي لا تقف لها قوة ، ولا يقوم في طريقها عائق ؛ والتي يتم كل أمر في الوجود وفق ما تشاء .
وبهذه الخاتمة يتم التعقيب على القصة الكبرى للرسالات والدعوات . وقد استغرقت الشطر الأول والأكبر من السورة المسماة باسم إبراهيم أبي الأنبياء ، والشجرة الظليلة الوارفة المثمرة خير الثمرات ، والكلمة الطيبة المتجددة في الأجيال المتعاقبة ، تحتوي دائما على الحقيقة الكبرى . . حقيقة الرسالة الواحدة التي لا تتبدل ، وحقيقة الدعوة الواحدة التي لا تتغير ، وحقيقة التوحيد لله الواحد القهار .
بالقول الثابت : بكلمة التوحيد .
{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة . . . }الآية .
هذا من فضل الله ونعمائه على المؤمنين ، الذين استقر الإيمان في قلوبهم ، فهؤلاء يمدهم الله بعونه وتثبيته ؛ فلا تغريهم الفتنة ، ولا المال ولا المنصب ولا الجاه ، ولا يؤثرون الدنيا على الآخرة .
انظر إلى بلال وصهيب وغيرهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وانظر إلى الدعاة والهداة والأئمة في التاريخ القديم والحديث ، هؤلاء جميعا ثبتهم الله على الدين والإيمان ، والتوحيد في الحياة الدنيا .
{ وفي الآخرة } . عند خروج الروح ، وعند سؤال القبر ، وعند البعث والحشر والحساب ، والميزان والصراط ، في هذه المواقف يثبتهم الله على الإيمان ، وعلى شهادة : ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كما ورد في الحديث الصحيح . 18 .
ومن هذا التثبيت : أن روحه تخرج على التوحيد ، وأنه يسأل في قبره فيقول : الله ربي ، والإسلام ديني ، ومحمد رسولي ، ثم يفتح له في قبره باب إلى الجنة .
{ ويضل الله الظالمين } ؛ لأنهم اختاروا الضلال على الهدى ، ومالوا مع شهوات النفس ، وآثروا العاجلة على الآجلة ، قال تعالى : { فأما من طغى* وآثر الحياة الدنيا* فإن الجحيم هي المأوى } . ( النازعات : 37 39 ) .
{ ويفعل الله ما يشاء } . من تثبيت المؤمنين ؛ جزاء ثباتهم على إيمانهم ، ومن إضلال الكافرين ؛ جزاء ضلالهم وكفرهم ، فلا يفعل إلا ما تقتضيه الحكمة ، وله الحكم في الأولى والآخرة ، لا معقب لأمره ، ولا رادّ لقضائه ، ومن مشيئته : تثبيت المؤمنين ومثوبتهم ، وخذلان أهل الكفار وعقابهم . { ولا يظلم ربك أحدا } . ( الكهف : 49 ) .
قال تعالى : { ونفس وما سواها* فألهمها فجورها وتقواها* قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها } . ( الشمس : 710 ) .
روى الشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( المسلم إذا سئل في القبر ؛ يشهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله ، فذلك قوله تعالى : { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } )19 .
وأخرج الشيخان20 وغيرهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا أتاه ملكان فيقعدانه ، فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل محمد صلى الله عليه وسلم فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، فيقال له : انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدا من الجنة فيراهما جميعا ، ويفتح له من قبره إليه ، وأما الكافر أو المنافق فيقول : لا أدري كنت أقول كما يقول الناس ! فيقال : لا دريت ولا تليت ! ثم يضرب بمطرقة من حديد ، ضربة بين أذنيه ؛ فيصيح صيحة فيسمعها من يليه إلا الثقلين )21 .
من زبدة التفسير من فتح القدير للشوكاني :
{ يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت } . وهي : الكلمة الطيبة المتقدم ذكرها : كلمة الشهادة " شهادة ألا إله إلا الله ، وأن محمدا رسول الله " ، وسائر الكلام الحق ، فإن الآخذين بها يدومون على القول الثابت .
{ في الحياة الدنيا وفي الآخرة } . وقت المساءلة في القبر ويوم القيامة ، والمراد : أنهم إذا سئلوا عن معتقدهم ودينهم ، أوضحوا ذلك بالقول الثابت من دون تلعثم ، ولا تردد ولا جهل ، كما يقول من لم يوفق : لا أدري ؛ فيقال له : لا دريت ولا تليت .
{ ويضل الله الظالمين } . أي : يضلهم عن حجتهم فلا يقدرون على التكلم بها في قبورهم ولا عند الحساب22 .
{ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت } الذي ثبت عندهم وتمكن في قلوبهم وهو الكلمة الطيبة التي ذكرت صفتها العجيبة ، والظاهر أن الجار متعلق بيثبت وكذا قوله سبحانه : { وَقَالَ إِنَّمَا اتخذتم } أي يثبتهم بالبقاء على ذلك مدة حياتهم فلا يزالون إذا قيض لهم من يفتنهم ويحاول زللهم عنه كما جرى لأصحاب الاخدود . ولجرجيس . وشمسون وكما جرى لبلال وكثير من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورضي الله تعالى عنهم { وَفِي الاخرة } أي بعد الموت وذلك في القبر الذي هو أول منزل من منازل الآخرة وفي مواقف القيامة فلا يتعلعثمون إذا سئلوا عن معتقدهم هناك ولا تدهشهم الأهوال . وأخرج ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب أنه قال في الآية : التثبيت في الحياة الدنيا إذا جاء الملكان إلى الرجل في القبر فقالا له : من ربك ؟ قال : ربي الله . قالا . وما دينك ؟ قال : ديني الإسلام : قال : ومن نبيك ؟ قال : نبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وعلى هذا فالمراد من { الاخرة } يوم القيامة ، وأخرج الطبراني في الأوسط . وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في هذه الآية : { يُثَبّتُ الله } الخ في الآخرة القبر » وعلى هذا فالمراد بالحياة الدنيا مدة الحياة وإلى ذلك ذهب جمهور العلماء واختاره الطبري . نعم اختار بعضهم أن الحياة الدنيا مدة حياتهم والآخرة يوم القيامة والعرض ؛ وكأن الداعي لذلك عموم { الذين كَفَرُواْ } وشمولهم لمؤمني الأمم السابقة مع عدم عموم سؤال القبر ، وجوز تعلق الجار الأول بآمنوا على معنى آمنوا بالتوحيد الخالص فوحدوه ونزهوه عما لا يليق بجنابه سبحانه ، وكذا جوز تعلق الجار الثاني بالثابت ومن الناس من زعم أن الثبيت في الدنيا الفتح والنصر وفي الآخرة اجلنة والثواب لا يخفى أن هذا مما لا يكاد يقال ، وأمر تعلق الجارين ما قدمنا وهذا عند بعضهم مثال إيتاء الشجرة أكلها كل حين { وَيُضِلُّ الله الظالمين } أي يخلق فيهم الضلال عن الحق الذي ثبت المؤمنين عليه حسب إرادتهم واختيارهم الناشىء عن سوء استعدادهم ، والمراد بهم الكفرة بدليل مقابلتهم بالذين آمنوا ووصفهم بالظلم إما باعتبار وضعهم للشيء في غير موضعه ، وإما باعتبار ظلمهم لأنفسهم حيث بدلوا فطرة الله تعالى التي فطر الناس عليها فلم يهتدوا إلى القول الثابت أو حيث قلدوا أهل الضلال وأعرضوا عن البينات الواضحة ، واضلالهم على ما قيل في الدنيا أنهم لا يثبتون في مواقف الفتن وتزل أقدامهم أول شيء وهم في الآخرة أضل وأزل . وأخرج ابن جرير .
وابن أبي حاتم . والبيهقي من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن الكافر إذا حضره الموت تنزل عليه الملائكة عليهم السلام يضربون وجهه ودبره فإذا دخل قبره أقعد فقيل له : من ربك ؟ فلم يرجع إليهم شيئاً وأنساه الله تعالى ذكر ذلك ، وإذا قيل له : من الرسول الذي بعث إليكم ؟ لم يهتد له ولم يرجع إليهم شيئاً فذلك قوله تعالى : { وَيُضِلُّ الله الظالمين } : { وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء } من تثبيت بعض واضلال بعض آخرين حسبما توجبه مشيئته التابعة للحكم البالغة المقتضية لذلك ، وفي إظهار الاسم الجليل في الموضعين من الفخامة وتربية المهابة ما لا يخفى مع ما فيه كما قيل من الإيذان بالتفاوت في مبادىء التثبيت والإضلال فإن مبدأ صدور كل منهما عنه سبحانه وتعالى من صفاته العلا غير ما هو مبدأ صدور الآخر ، وفي ظاهر الآية من الرد على المعتزلة ما فيها .
( ومن باب الإشارة ) :{ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت فِى الحياة الدنيا وَفِى الاخرة } قال الصادق رضي الله تعالى عنه : يثبتهم في الحياة الدنيا على الإيمان وفي الآخرة على صدق جواب الرحمن ، وجعل بعضهم القول الثابت قوله سبحانه وحكمه الأزلي أي يثبتهم على ما فيه تبجيلهم وتوقيرهم في الدارين حيث حكم بذلك في الأزل وحكمه سبحاه الثابت الذي لا يتغير ولا يتبدل { وَيُضِلُّ الله الظالمين } [ إبراهيم : 27 ] في الحياتين لسوء استعدادهم