ثم يعود السياق من تعظيم حرمات الله باتقائها والتحرج من المساس بها . . إلى تعظيم شعائر الله - وهي ذبائح الحج - باستسمانها وغلاء أثمانها :
( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب . لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ، ثم محلها إلى البيت العتيق ) .
ويربط بين الهدى الذي ينحره الحاج وتقوى القلوب ؛ إذ أن التقوى هي الغاية من مناسك الحج وشعائره . وهذه المناسك والشعائر إن هي إلا رموز تعبيرية عن التوجه إلى رب البيت وطاعته . وقد تحمل في طياتها ذكريات قديمة من عهد إبراهيم - عليه السلام - وما تلاه . وهي ذكريات الطاعة والإنابة ، والتوجه إلى الله منذ نشأة هذه الأمة المسلمة . فهي والدعاء والصلاة سواء .
32 - ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ .
الشعائر : واحدها شعيرة ، وهي العلامة ، والمراد بها : البدن الهدايا ، وتعظيمها أن تختار حسانا سمانا غالية الأثمان .
ذَلِكَ . أي : ذلك ما أوضحه الله لكم من الأحكام والأمثال .
وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ . وهي المواشي التي تذبح هدية للحرم ؛ بأن يختارها جسيمة سمينة غالية الثمن ، وشعائر الله تطلق على أحكام الدين ، وأوامره ونواهيه ، كما تطلق على مناسك الحج ، وكذلك تطلق على الأضاحي والهدايا .
فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ . أي : فإن تعظيمها من أفعال المتقين لله .
أضاف التقوى إلى القلوب ؛ لأن حقيقة التقوى في القلب ، وفي الحديث : ( التقوى ها هنا )xix وأشار صلى الله عليه وآله وسلم إلى صدره .
قال ابن العربي : فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ . الضمير يعود إلى البدن .
روى أنه صلى الله عليه وآله وسلم أهدى مائة بدنة ، فيها جمل لأبي جهل في أنفه حلقة من ذهب .
وروى الإمام أحمد وأبو داود : عن عبد الله بن عمر قال : أهدى عمر نجيبا ، فأعطى بها ثلاث مائة دينار ؛ فأتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول الله : إني أهديت نجيا ، فأعطيت بها ثلاث مائة دينار ، أفأبيعها وأشتري بثمنها بدنا ؟ قال : ( لا ، انحرها إياها )xx .
وكان ابن عمر يسوق البدن مجللة بالقباطي – ثياب مصرية غالية الثمن – فيتصدق بلحومها وجلالها .
قوله تعالى : { ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ( 32 ) لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ثم محلها إلى البيت العتيق ( 33 ) } .
اسم الإشارة ( ذلك ) في موضع رفع مبتدأ ؛ أي ذلك أمر الله . وقيل : في موضع رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف . والشعائر ، في الأصل بمعنى العلامات أو المعالم التي تعرف بها الأشياء ، وواحدتها شعيرة ، وهي العلامة التي تشعر بما جعلت له . وإشعار البدن هو أن تعلّم بما يشعر أنها هدي .
والمراد بالشعائر هنا على أقوال : منها : أنها مناسك الحج كعرفة والمزدلفة والصفا والمروة ورمي الجمار .
ومنها : أنها أوامر الله وهي اتباع طاعته واجتناب معصيته .
ومنها : أنها البدن ، أو الهدايا التي يسوقها الحاج للحرم ؛ لأنها من معالم الحج . وتعظيمها ، معناه استحسانها واستسمانها ؛ إذ يختارها صاحبها عظام الأجرام حسانا سمانا غالية الأثمان ؛ ليكثر الانتفاع بها . وقيل : المراد بشعائر الله هذه الوجوه كلها . وعلى الخصوص ، الهدايا أو البدن .
قوله : ( فإنها من تقوى القلوب ) الضمير عائد على الشعائر ؛ أي أن تعظيم هذه الشعائر من التقوى الذي تفيض به القلوب . ذلك أن القلوب مستقر التقوى وهو الخوف والخشية من الله . وفي الحديث الصحيح : " التقوى ههنا " وأشار إلى صدره .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.