وحين يصل السياق إلى هذا الحد من تقويم عيوب الصف ؛ التي تؤثر في موقفه في الجهاد وفي الحياة - ومنذ أول الدرس وهذا التقويم مطرد لهذه العيوب - عندئذ ينتهي إلى قمة التحضيض على القتال الذي جاء ذكره في ثنايا الدرس . قمة التكليف الشخصي ، الذي لا يقعد الفرد عنه تبطئة ولا تخذيل ، ولا خلل في الصف ، ولا وعورة في الطريق . حيث يوجه الخطاب إلى الرسول [ ص ] بأن يقاتل - ولو كان وحيدا - فإنه لا يحمل في الجهاد إلا تبعة شخصه [ ص ] وفي الوقت ذاته يحرض المؤمنين على القتال . . وكذلك يوحي إلى النفوس بالطمأنينة ورجاء النصر : فالله هو الذي يتولى المعركة . والله أشد بأسا وأشد تنكيلا :
( فقاتل في سبيل الله - لا تكلف إلا نفسك - وحرض المؤمنين . عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا . والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) . .
ومن خلال هذه الآية - بالإضافة إلى ما قبلها - تبرز لنا ملامح كثيرة في الجماعة المسلمة يومذاك . كما تبرز لنا ملامح كثيرة في النفس البشرية في كل حين :
" أ " يبرز لنا مدى الخلخلة في الصف المسلم ؛ وعمق آثار التبطئة والتعويق والتثبيط فيه ؛ حتى لتكون وسيلة الاستنهاض والاستجاشة ، هي تكليف النبي [ ص ] أن يقاتل في سبيل الله - ولو كان وحده - ليس عليه إلا نفسه ؛ مع تحريض المؤمنين . غير متوقف مضيه في الجهاد على استجابتهم أو عدم استجابتهم ! ولو أن عدم استجابتهم - جملة - أمر لا يكون . ولكن وضع المسألة هذا الوضع يدل على ضرورة إبراز هذا التكليف على هذا النحو ؛ واستجاشة النفوس له هذه الاستجاشة . فوق ما يحمله النص - طبعا - من حقيقة أساسية ثابتة في التصور الإسلامي . وهي أن كل فرد لا يكلف إلا نفسه . .
" ب " كما يبرز لنا مدى المخاوف والمتاعب في التعرض لقتال المشركين يومذاك . . حتى ليكون أقصى ما يعلق الله به رجاء المؤمنين : أن يتولى هو سبحانه كف بأس الذين كفروا ؛ فيكون المسلمون ستارا لقدرته في كف بأسهم عن المسلمين . . مع إبراز قوة الله - سبحانه - وأنه أشد بأسا وأشد تنكيلا . . وإيحاء هذه الكلمات واضح عن قوة بأس الذين كفروا يومذاك ؛ والمخاوف المبثوثة في الصف المسلم . . وربما كان هذا بين أحد والخندق . فهذه أحرج الأوقات التي مرت بها الجماعة المسلمة في المدينة ؛ بين المنافقين ، وكيد اليهود ، وتحفز المشركين ! وعدم اكتمال التصور الإسلامي ووضوحه وتناسقه بين المسلمين !
" ج " كذلك تبرز لنا حاجة النفس البشرية ؛ وهي تدفع إلى التكاليف التي تشق عليها ، إلى شدة الارتباط بالله ؛ وشدة الطمأنينة إليه ؛ وشدة الاستعانة به ؛ وشدة الثقة بقدرته وقوته . . فكل وسائل التقوية غير هذه لا تجدي حين يبلغ الخطر قمته . وهذه كلها حقائق يستخدمها المنهج الرباني ؛ والله هو الذي خلق هذه النفوس . وهو الذي يعلم كيف تربى وكيف تقوى وكيف تستجاش وكيف تستجيب . .
لا تكلف إلا نفسك : لا تكلف إلا فعل نفسك
وحرض المؤمنين : وحثهم ورغبتهم .
84- فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ . . . الآية .
هذه الآية تفريع على ما سبق من بيان حال المنافقين وضعاف الإيمان وأنهم مخذلون بإذاعتهم ما يسمعون ، قبل التثبت من صحته .
وهي أمر من الله تعالى لرسوله ، ولكل قائد ، وكل قادر على القتال من المؤمنين المخلصين ، أن يندفع ولو منفردا إلى الجهاد في سبيل الله ، عند النفير العام ، غير ملتفت إلى المثبطين والمرجفين .
وفي الآية حث على تحمل المسئولية الفردية ، وقيام كل فرد بواجبه ، وبذلك تتلاحم الصفوف ، ويجتمع المسلمون يدا واحدة ، كالبنيان المرصوص .
ويفهم من الآية ، أن على القائد أن يتقدم جنده ، وأن يضرب لهم المثل بنفسه عمليا ، وأن يحرض المؤمنين على الجهاد ، ويحثهم عليه ، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، يوم بدر ؛ وهو يسوي الصفوف ، فقد قال لهم : '' قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض'' {[32]} .
وروى مسلم عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ''يا أبا سعيد ، من رضي بالله ربا ، وبالإسلام دينا ، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا ونبيا ؛ وجبت له الجنة'' {[33]} .
قال : فعجب لها أبو سعيد فقال : أعدها على يا رسول الله ؛ ففعل ، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : '' وأخرى يرفع الله العبد بها مائة درجة في الجنة ! ما بين كل درجتين كما بين السماء والأرض '' قال : وما هي يا رسول الله ؟ قال : ''الجهاد في سبيل الله'' .
عَسَى اللّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً . فإذا حرض القائد جنوده على القتال والجهاد ، انبعثت الرغبة في الشهادة ، ولا ريب أن الاستعداد للحرب وأخذ العدة والتأهب للقتال من شأنه أن يلقي الرعب في قلوب الكفار فيكفون على التحرش بالمسلمين ، ولذلك قيل : لا شيء يمنع من الحرب مثل الاستعداد لها .
فإن استعداد المسلمين وأخذهم العدة من شأنه أن يحمل الكفار على التفكير والتروي قبل مواجهة المسلمين ، فيتوقفون عن قتالهم ، ويكف الله بهذا عن المسلمين شر قوتهم وشدة بأسهم .
وَاللّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً . فهو سبحانه أشد قوة من كل ذي قوة وأشد تعذيبا من كل قادر على التعذيب وهو سبحانه قادر عليهم في الدنيا والآخرة . قال تعالى : ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاء اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ( محمد : 4-7 ) .
قوله تعالى : ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) . الفاء متعلقة بما قبلها والمخاطب في ظاهر اللفظ هو الرسول ( ص ) . وفي حقيقة التكليف بالقتال وحده وردت عدّة أقوال نستخلص منها أقربها إلى الصواب وأبعدها عن الغرابة في الحكم . وهو أن النبي ( ص ) مأمور بقتال المشركين بنفسه أما من نكل عن مشاركته في القتال من المسلمين فلا بأس ولا تثريب عليه ( أي البني ) أي لا تلزم فعل غيرك ولست مؤاخذا به ، وشبيه بذلك ما يقال لكل واحد في خاصة نفسه . أي أن الخطاب موجه لك يا محمد ولكل واحد من أمتك وهو : " فقاتل في سبيل الله لا تكلّف إلا نفسك " فكل مسلم مكلف قد نيطت به وحده وجيبة الجهاد بمفرده ولا عليه بعد ذلك إن نكل عنه الآخرون أو تخلّفوا .
ويأمر الله نبيّه كذلك بتحريض المؤمنين على قتال المشركين والمتربصين . والتحريض هو الحض والتشجيع . فإن في تحريضه على القتال واشتداد المسلمين في التصدي للأعداء ومقارعتهم ما عساه أن يكون سببا في أن يكف الله عن المسلمين سلطان عدوّهم وسطوته فيرتد خاسرا مدحورا .
قوله : ( والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) البأس هو الصولة والمنعة والشدّة . والتنكيل بمعنى العقوبة . وبذلك فإن قوة الله تفوق كل قوة وعقوبته موجعة أليمة تدنو دونها كل عقوبة ، فهو سبحانه القادر على التنكيل بالفسّاق والمجرمين وعلى أن يذيقهم من شديد عذابه ما لم يكونوا يتصوّرون{[797]} .