أما الخوارق التي وقعت للرسول [ ص ] وأولها خارقة الإسراء والمعراج فلم تتخذ معجزة مصدقة للرسالة . إنما جعلت فتنة للناس وابتلاء .
( وإذ قلنا لك : إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس ، والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا ) .
ولقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول [ ص ] بعد حادثة الإسراء ، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا . ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة " فتنة للناس " وابتلاء لإيمانهم . أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعدا من الله لرسوله بالنصر ، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه .
ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة . ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكما : هاتوا لنا تمرا وزبدا ، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول : تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا !
فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين ? وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا ?
إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده . ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق . أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب . . ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين . ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين . وظل القرآن - معجزة الإسلام - كتابا مفتوحا لجيل محمد [ ص ] وللأجيال بعده ، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته . إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه . وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال ، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب ، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا ، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه .
إن ربك أحاط بالناس : هم في قبضته .
الرؤيا : هي ما عاينه صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به من العجائب .
الشجرة الملعونة : هي شجرة الزقوم .
الطغيان : تجاوز الحد في الفجور والضلال .
60- { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا } .
{ وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } . أي : علما ، فلا يخفى عليه شيء من كفرهم وتكذيبهم ، ومنه ما جرى منهم إثر الرؤيا والإخبار بالشجرة الملعونة ، من الجحود والهزأ واللغو . ثم قال سبحانه : { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } . قال الأكثرون : يعني : ما رآه النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء من الآيات ، فلما ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم للناس ؛ أنكر بعضهم ذلك وكذبوا ، كما ثبت بعضهم وازداد يقينا . ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة { فتنة للناس } ، وابتلاء لإيمانهم .
وقد استدل القائلون بأن الإسراء والمعراج كانا مناما ، بهذه الآية على صحة ما ذهبوا إليه .
وذهب القائلون بأنهما كانا في اليقظة إلى أن المراد بهذه الرؤيا رؤيا رآها في وقعة بدر ؛ لقوله : { إذ يريكهم الله في منامك قليلا } . وقيل : بل هي رأيا عام الحذيبية حين رأى أنه دخل مكة .
وسلم عشاء إلى بيت المقدس ، فصلى فيه وأراه الله ما أراه من الآيات ، ثم أصبح بمكة فأخبرهم أنه أسرى به إلى بيت المقدس ، فقالوا له : يا محمد ، ما شأنك ؟ ! أمسيت فيه ثم أصبحت فينا تخبرنا : أنك أتيت بيت المقدس ، فعجبوا من ذلك حتى ارتد بعضهم عن الإسلام .
وروى البخاري في التفسير عن ابن عباس : أنها رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم في ليلة الإسراء ، وهو قول سعيد بن جبير ومسروق وقتادة . وجاء في اللغة : الرؤيا بمعنى : الرؤية مطلقا . وهو معنى حقيقي لها وقيل : إنها حقيقة في رؤيا المنام ورؤيا اليقظة ليلا . وقد ذكر السهيلي أنه ورد في كلام العرب بهذا المعنى تقول : رؤيته رؤيا كقربة وقربى .
وقيل إن إطلاق الرؤيا على الإسراء مجاز ؛ لوقوعها ليلا أو لسرعتها{[421]} .
{ والشجرة الملعونة في القرآن } . أي : وما جعلنا الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس ، فإنهم حين سمعوا : { إن شجرة الزقوم . طعام الأثيم } ؛ اختلفوا ؛ فقوم ازدادوا إيمانا ، وقوم ازدادوا كفرا ، كأبي جهل إذ قال : إن ابن أبي كبشة- يعني : النبي صلى الله عليه وسلم- توعدكم بالنار ، ثم يزعم أنها تنبت شجرة ، وتعلمون أن النار تحرق الشجر ، وقال عبد الله بن الزبعري : إن محمدا يخوفنا بالزقوم ، وما الزقوم إلا التمر والزبد ، فتزقموا منه ، وجعل يأكل من هذا بهذا . أي : تمرا بزبد .
وقد فات هؤلاء أن في الدنيا أشياء كثيرة لا تحرقها النار ، فهناك نوع من الحرير يسمى بالحرير الصخري ، لا تؤثر فيه النار ، بل هو يزداد إذا لامسها نظافة ومن ثم يلبسه رجال المطافئ .
وكم في الأرض من عجائب وكم في العوالم الأخرى من مثلها ، فالأرض مملوءة نارا ، وما خلص من النار إلا قشرتها التي نعيش عليها وما من شجر أو حجر إلا وفيه نار ، والماء نفسه مادة نارية نحو 8/9 منه أكسجين وهو مادة تشتعل سريعا ، والتسع أدروجين .
وقوله تعالى : { وإذا البحار سجرت } . أي : صارت نارا من قولك : سجرت التنور إذا أشعلته .
والخلاصة : أن هؤلاء المشركين فتنوا بالرؤيا ، وفتنوا بالشجرة . وقد وصفت هذه الشجرة بكونها ملعونة ولا ذنب لها ، للعن الكفار الذين يأكلونها ؛ توسعا في الاستعمال وهو كثير في كلام العرب .
ونخوفهم فما يزيدهم إلا طغيانا كبيرا . أي : ونخوفهم بمخاوف الدنيا والآخرة فما يزيدهم التخوف إلا تماديا في الطغيان والضلال . وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانا كبيرا . إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده . ومن ثم لم يرس إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق .
أما قريش فقد أمهلت ولم تأخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح وشعيب . . ومن المكذبين من آمن بعد ذلك ، وكان من جند الإسلام الصادقين .
وظل القرآن- معجزة القرآن- كتابا مفتوحا لجيل محمد صلى الله عليه وسلم وللأجيال بعده ، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته ، عندما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه .
وسيبقى القرآن كتابا مفتوحا للأجيال ، يهتدي بهم من هم بعد في ضمير الغيب ، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانا وأصلح عملا ، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه .
قوله عز وجل : { وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس } ، أي : هم في قبضته ، لا يقدرون على الخروج من مشيئته ، فهو حافظك ومانعك منهم ، فلا تهبهم وامض لما أمرك به من تبليغ الرسالة ، كما قال : { والله يعصمك من الناس } [ المائدة – 67 ] . { وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس } ، فالأكثرون على أن المراد منه ما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة المعراج من العجائب والآيات . قال ابن عباس : هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو قول سعيد بن جبير ، والحسن ، و مسروق ، و قتادة ، و مجاهد ، و عكرمة ، و ابن جريج و الأكثرين . والعرب تقول : رأيت بعيني رؤية ورؤيا ، فلما ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم للناس أنكر بعضهم ذلك ، وكذبوا فكان فتنة للناس . وقال قوم : أسري بروحه دون بدنه . وقال بعضهم : كان له معراجان : معراج رؤية بالعين ، ومعراج رؤيا بالقلب . وقال قوم . أراد بهذه الرؤيا ما رأى صلى الله عليه وسلم عام الحديبية أنه دخل مكة هو وأصحابه ، فجعل السير إلى مكة قبل الأجل فصده المشركون ، فرجع إلى المدينة ، وكان رجوعه في ذلك العام بعد ما أخبر أنه يدخلها فتنة لبعضهم ، حتى دخلها في العام المقبل ، فأنزل الله تعالى : { لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق } [ الفتح – 27 ] { والشجرة الملعونة في القرآن } ، يعني شجرة الزقوم ، مجازه : والشجرة الملعونة المذكورة في القرآن ، والعرب تقول لكل طعام كريه : طعام ملعون . وقيل : معناه الملعون أكلها ، ونصب الشجرة عطفاً على الرؤيا ، أي : وما جعلنا الرؤيا التي أريناك والشجرة الملعونة إلا فتنة للناس ، فكانت الفتنة في الرؤيا ما ذكرنا . والفتنة في الشجرة الملعونة من وجهين ، أحدهما : أن أبا جهل قال : إن ابن أبي كبشة يوعدكم بنار تحرق الحجارة ، ثم يزعم أنه ينبت فيها شجرة ، وتعلمون أن النار تحرق الشجرة . والثاني أن عبد الله بن الزبعري قال : إن محمداً يخوفنا . بالزقوم ولا نعرف الزقوم إلا الزبد والتمر ، وقال أبو جهل : يا جارية تعالي فزقمينا فأتت بالتمر والزبد ، فقال : يا قوم تزقموا فإن هذا ما يخوفكم به محمد ، فوصفها الله تعالى في الصافات . وقيل : الشجرة الملعونة هي : التي تلتوي على الشجر فتجففه ، يعني الكشوث . { ونخوفهم فما يزيدهم } التخويف ، { إلا طغياناً كبيراً } أي : تمرداً وعتواً عظيماً .