في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (110)

ثم يصور ساعات الحرج القاسية في حياة الرسل ، قبيل اللحظة الحاسمة التي يتحقق فيها وعد الله ، وتمضي فيها سنته التي لا تتخلف ولا تحيد :

( حتى إذا استيأس الرسل ، وظنوا أنهم قد كذبوا ، جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) .

إنها صورة رهيبة ، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل ، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود . وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل ، وتكر الأعوام والباطل في قوته ، وكثرة أهله ، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة .

إنها ساعات حرجة ، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر . والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض . فتهجس في خواطرهم الهواجس . . تراهم كذبوا ؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا ؟

وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر . وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ . . . ) ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس ، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة ، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات ، وما يحس به من ألم لا يطاق .

في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب ، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل ، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة . . في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا :

( جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) . .

تلك سنة الله في الدعوات . لا بد من الشدائد ، ولا بد من الكروب ، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة . ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . يجيء النصر من عند الله ، فينجو الذين يستحقون النجاة ، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين ، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون . ويحل بأس الله بالمجرمين ، مدمرا ماحقا لا يقفون له ، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير .

ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا . فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئا . أو تكلفه القليل . ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا . فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج ، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء . والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة ، لذلك يشفقون أن يدعوها ، فإذا ادعوها عجزوا عن حملها وطرحوها ، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون ؛ الذين لا يتخلون عن دعوة الله ، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة !

إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل ؛ إما أن تربح ربحا معينا محددا في هذه الأرض ، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة ! والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية - والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعةوالاتباع في أي زمان أو مكان - يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل ! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود ! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله ، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات ! . . ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف ، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا . وأنه من ثم لا تنضم إليها - في أول الأمر - الجماهير المستضعفة ، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله ، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة ، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا . وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا .

ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق ، بعد جهاد يطول أو يقصر . وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجا .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (110)

{ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين110 } .

المفردات :

استيأس الرسل : أغرقوا في اليأس والقنوط .

وظنوا أنهم قد كذبوا : أي : رجح عندهم أن نفوسهم حدثتهم بالنصر ، وكانت كاذبة في حديثها .

بأسنا : عذابنا .

التفسير :

110 { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } .

في هذه الآية بشارة بالنصر مهما طال جهاد المرسلين ، ومهما تعاقبت ظلمات من طول الجهاد وتأخر النصر ، حتى وصلت النفوس إلى لحظات من الشك في النصر ، وهذه كناية عن المرحلة الحرجة التي تطيف بالنفوس ، عندما يطول ليل الظلام ، وتتأخر بوارق النصر ؛ فيتسرب اليأس إلى النفوس ، وتطيف بها لحظات من اليأس ، أو ضعف الأمل في اقتراب النصر ، عبر عنه بقبوله .

{ وظنوا أنهم قد كذبوا } . أي : كذبتهم نفوسهم ، حيث استيقنت بالنصر وتأملت طويلا حدوثه أو تأخر النصر بسبب من جهة أنفسهم ، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا ، حين وعدوا بالنصر ، وتأخر النصر حتى ظنوا أن تقصيرهم وقع منهم تسبب في تأخير النصر .

جاء في التفسير القرآني للقرآن :

" وهكذا يظل الرسل في متلاطم الشدائد والمحن ، حتى لقد يدخل اليأس عليهم ، وتغيم الحياة في أعينهم ، ويغم عليهم طريق النجاة ، ويخيل إليهم أن النصر أبعد ما يكون منهم ؛ عندئذ تهب ريح النصر ، وتطلع عليهم تباشير الصباح ، فتطوى جحافل الظلام وتطارد فلوله ، وإذا دولة الباطل قد ذهبت ، وإذا راية الحق قد علت ، وفي هذا تسلية للنبي الكريم ، وشحذ لعزيمته ، قال تعالى : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } . ( المجادلة : 21 ) .

وليس في استيئاس الرسل ، وفي إطافة الظنون بهم ليس في هذا ما ينقص من قدر الرسل ، فهم على يقين راسخ بما وعدهم الله به .

ولكن هناك مواقف حادة من الضيق ، وأحوال بالغة من الشدة تأخذ على الإنسان تقديره وتدبيره ، عندئذ وللحظة عابرة عبور الطيف ، يخون الإنسان يقينه ، ويفلت منه زمام أمره ، ثم يعود إلى موقفه ، أشد تثبتا ، وأقوى يقينا وأرسخ قدما .

فتلك الحال التي تمثل الرسل في هذا الموقف ، هي القمة التي تنتهي عندها طاقة الاحتمال البشري ، في مصادمة الأحداث ، ومدافعة الأهوال والشدائد ، وهي قمة لا يبلغها إلا أولوا العزم من رسل الله51 .

وجاء في زاد الميسر لابن الجوزي :

قوله تعالى : { حتى إذا استيأس الرسل } ، المعنى متعلق بالآية الأولى فتقديره : { وما أرسلناك من قبلك إلا رجالا } . أي : فدعوا قومهم ، فكذبوهم ، وصبروا وطال دعاؤهم ، وتكذيب قومهم .

{ حتى إذا استيأس الرسل } ، وفيه قولان :

أحدهما : استيأسوا من تصديق قولهم ، قاله ابن عباس .

والثاني : من أن نعذب قومهم ، قاله مجاهد52 .

{ وظنوا أنهم قد كذبوا } . توهموا أن نفوسهم كذبت عليهم ، حين توقعت النصر على من كفر بهم ، وعقابهم في الدنيا حتى إذا حدث كل ذلك { جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يراد بأسنا عن القوم المجرمين } . أي : جاء نصر الله فجأة .

{ فنجي من نشاء } . وهم النبي والمؤمنون ، وحل العقاب والعذاب بالمكذبين الكافرين .

{ ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } . ولا يمنع أحد عذاب الله عن القوم الذين أجرموا ، فكفروا بالله وكذبوا رسله ؛ فاعتبروا يا أهل مكة بسنن الله فيمن كان قبلكم ، واحذروا أن يحل بكم ما حل بهم ، فإن الله ينصر رسله ولو بعد حين .

قراءة : كذبوا

وردت قراءة أخرى بتشديد الذال عن عائشة ، والمعنى : وأيقنت الرسل : أن الأمم كذبوهم تكذيبا ، لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك ؛ فحينئذ دعوا عليهم ، فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال .

ويجوز أن يكون المعنى : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم ؛ فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم ، روى البخاري : عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت لابن أختها عروة بن الزبير ، وهو يسألها عن قوله تعالى : { حتى إذا استيئس الرسل . . . } الآية : معاذ الله ! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ، وهم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم ، وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم ، جاءهم نصر الله عند ذلك .

من تفسير روح المعاني للآلوسى :

" فالاعتقاد المرجوح هو ظن ، وهو وهم ، وهذا قد يكون ذنبا يضعف الإيمان ولا يزيله ، وقد يكون حديث النفس المعفو عنه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ؛ ما لم تتكلم أو تعمل )53 . ونظير هذا ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم : ( نحن أولى بالشك من إبراهيم ؛ إذ قال له ربه : { أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } )54 .

وعلى هذا يقال : الوعد بالنصر في الدنيا لشخص ، قد يكون الشخص مؤمنا بإنجازه ، ولكن قد يضطرب قلبه فيه فلا يطمئن ؛ فيكون فوات الاطمئنان ظنا أنه كذب ؛ فالشك والظن أنه كذب من باب واحد ، وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب ، وإن كان فيها ما هو ذنب ؛ فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك ، كما في أفعالهم ، على ما عرف من أصول السنة والحديث55 .

" وفي قص مثل ذلك ؛ عبرة للمؤمنين بهم ؛ فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك فلا ييأسوا إذا ابتلوا ، ويعلمون أنه قد ابتلي من هو خير منهم ، وكانت العاقبة إلى خير ؛ فيتيقن المرتاب ، ويتوب المذنب ، ويقوى إيمان المؤمن ، وبذلك يصح الإتساء بالأنبياء56 ومن هنا قال سبحانه : { لقد كان في قصصهم عبرة } .

من تفسير القاسمي :

قال أبو نصر القشيري : { وظنوا أنهم قد كذبوا } . لا يبعد أن المراد : خطر بقلب الرسل فصرفوه عن أنفسهم ، أو المعنى : قربوا من الظن ، كما يقال : بلغت المنزل إذا قربت منه .

وقال الترمذي الحكيم : وجهه : أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله بالنصر ؛ أن يتخلف النصر ، لا من تهمة بوعد الله ، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط ، فكان الأمر إذا طال واشتد البلاء عليهم ؛ دخلهم الظن من هذه الجهة57 .

الابتلاء في القرآن والسنة

لقد ورد في معنى هذه الآية طائفة من الآيات والأحاديث والآثار ، تتلاقى مع الآية في أن الله يمتحن الرسل والأنبياء والأولياء .

قال تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } . ( البقرة : 214 ) .

وقال سبحانه : { الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } . ( العنكبوت : 1 3 ) .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن ولا وصب ولا تعب حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه )58 . رواه البخاري .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( أشدكم بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل ، فالأمثل ، ولا يزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )59 .

وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى )60 .

وقال تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين }( البقرة : 155 ) .

في أعقاب الآية

تظل هذه الآية منارا لبيان سنة الله في الدعوات ، لابد من الشدائد ، ولابد من الكروب ؛ حتى لا تبقى بقية من جهد ، ولا بقية من طاقة ، ثم يجئ النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . . .

يجب أن يستيقن الدعاة أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف . . وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد : في الجب ، وفي بيت العزيز ، وفي السجن ، وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس ، ثم كانت العاقبة خيرا للذين اتقوا ، كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب61 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{حَتَّىٰٓ إِذَا ٱسۡتَيۡـَٔسَ ٱلرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمۡ قَدۡ كُذِبُواْ جَآءَهُمۡ نَصۡرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأۡسُنَا عَنِ ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ} (110)

ولما كان المعنى معلوماً من هذا السياق تقديره : فدعا الرجال{[43174]} المرسلون{[43175]} إلى الله واجتهدوا في إنذار قومهم{[43176]} لخلاصهم من الشقاء ، وتوعدهم عن{[43177]} الله بأنواع العقوبات إن لم يتبعوهم ، وطال عليهم الأمر وتراخى النصر وهم يكذبونهم في تلك الإيعادات{[43178]} ويبكتونهم ويستهزئون بهم ، واستمر ذلك من حالهم وحالهم ، قال مشيراً إلى ذلك : { حتى إذا استيئس الرسل } أي يئسوا من النصر يأساً عظيماً كأنهم أوجدوه أو طلبوه واستجلبوه من أنفسهم { وظنوا أنهم قد كذبوا } أي فعلوا فعل{[43179]} اليائس العظيم اليأس{[43180]} الذي ظن أنه قد أخلف وعده من الإقبال على التحذير والتبشير والجواب - لمن استهزأ بهم وقال : ما يحبس ما وعدتمونا{[43181]} به - بإن ذلك أمره إلى الله ، {[43182]} إن شاء{[43183]} أنجزه ، وإن شاء أخره ، ليس علينا من أمره شيء ؛ ويجوز أن يراد أنهم لمن استبطؤوا النصر وضجروا مما يقاسون من أذى الأعداء ، واستبطاء{[43184]} الأولياء { حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه } كما يقول الآئس { متى نصر الله } مع علمهم بأن الله تعالى له أن يفعل ما يشاء ، عبر عن حالهم ذلك بما هنا - نقل الزمخشري في الكشاف والرازي في اللوامع معناه عن ابن عباس رضي الله عنهما ، هذا{[43185]} على قراءة التخفيف ، وأما على قراءة التشديد فالتقدير : وظنوا أنهم قد كذبهم أتباعهم حتى لقد أنكرت عائشة رضي الله عنها قراءة التخفيف ، روى البخاري في التفسير وغيره عن عروة بن الزبير أنه سألها عن القراءة : أهي بالتشديد أم بالتخفيف ؟ فقالت : إنها بالتشديد ، قال قلت : فقد استيقنوا أن قومهم كذبوهم فما هو بالظن ، قالت : أجل{[43186]} ، لعمري لقد استيقنوا بذلك ! فقلت لها : وظنوا أنهم قد كذبوا أي بالتخفيف - قالت : معاذ الله ! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ، قلت : فما هذه الآية ؟ قالت : هم أتباع الرسل الذين{[43187]} آمنوا بربهم وصدقوهم ، فطال{[43188]} عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم وظنوا أن أتباعهم قد كذبوهم جاءهم نصر الله عند ذلك . { جاءهم نصرنا } لهم بخذلان أعدائهم { فنجي{[43189]} من نشاء } منهم ومن{[43190]} أعدائهم { ولا يرد بأسنا } أي عذابنا لما له من العظمة { عن القوم } أي وإن كانوا في غاية القوة { المجرمين * } الذين حتمنا دوامهم{[43191]} على القطيعة كما قلنا { ألا يوم يأتيهم ليس مصروفاً عنهم{[43192]} } وحققنا بمن ذكرنا مصارعهم من الأمم ، وكل ذلك إعلام{[43193]} بأن{[43194]} سنته جرت بأنه يطيل الامتحان ، ويمد زمان الابتلاء والاعتبار ، حثاً للأتباع على الصبر وزجراً للمكذبين عن التمادي في الاستهزاء .

ومادة " كذب " تدور على ما لا حقيقة له ، وأكثر تصاريفها{[43195]} واضح في ذلك ، ويستعمل في غير الإنسان ، قالوا : كذب البرق والحلم والرجاء والطمع والظن ، وكذبت{[43196]} العين : خانها حسها{[43197]} ، وكذب الرأي : تبين الأمر بخلاف ما هو به ، وكذبته نفسه : منته{[43198]} غير الحق ، والكذوب : النفس ، لذلك ، وأكذبت{[43199]} الناقة وكذبت - إذا ضربها الفحل فتشول{[43200]} أي ترفع ذنبها ثم ترجع حائلاً ، لأنها أخلفت ظن حملها ، وكذا إذا ظن بها لبن وليس بها ، ويقال لمن يصاح به وهو ساكن يرى أنه نائم : قد أكذب ، أي{[43201]} عد ذلك الصياح عدماً ، والمكذوبة من النساء : الضعيفة ، لأنه لما اجتمع فيها ضعف النساء وضعفها عدت عدماً ، والمكذوبة{[43202]} على القلب : المرأة الصالحة - كأنها لعزة{[43203]} الصلاح في النساء جعلت عدماً ، وكذب الوحشي - إذا جرى ثم وقف ينظر ما وراءه ، كأنه لم يصدق بالذي أنفره ، ومنه كذب عن كذا - إذا أحجم عنه بعد أن أراده ، أو{[43204]} لأنه كذب ما{[43205]} ظنه عند الحملة من قتل{[43206]} الأقران ، وكذبك{[43207]} الحج{[43208]} أي أمكنك وكذبك الصيد مثله ، وهو يؤول إلى{[43209]} الحث لأن{[43210]} المعنى أن الحج لعظم مشقته وطول شقته تنفر النفس عنه ، فيكاد أن لا يوجد ، وكذا الصيد{[43211]} لشدة فراره{[43212]} وسرعة نفاره وعزة استقراره يكاد أن لا يتمكن منه فيكون صيده كالكذب لا حقيقة له ، فقد تبين حينئذ وجه كون " كذب " بمعنى الإغراء ولاح{[43213]} أن قوله{[43214]} " ثلاثة أسفار كذبن{[43215]} عليكم : الحج والعمرة والجهاد " معناه{[43216]} أنها لشدة الصعوبة لا تكاد تمكن من أرادها منها{[43217]} ، مع أنه - لقوة داعيته لكثرة ما يرى فيها من{[43218]} الترغيب بالأجر - يكون كالظافر بها ، ويؤيده{[43219]} ما قال ابن الأثير في النهاية عن الأخفش : الحج مرفوع{[43220]} ومعناه نصب ، لأنه يريد أن يأمره بالحج كما يقال : أمكنك الصيد ، يريد{[43221]} : ارمه ، وقال أبو علي الفارسي{[43222]} في الحجة{[43223]} في قول عنترة :

كذب{[43224]} العتيق وماء شن{[43225]} بارد *** إن كنت سائلتي غبوقاً فاذهبي{[43226]}

وإن شئت قلت :إن الكلمة لما كثر استعمالها في الإغراء بالشيء{[43227]} والبعث على{[43228]} طلبه وإيجاده{[43229]} صار كأنه قال بقوله لها : عليك العتيق ، أي الزميه{[43230]} ، ولا يريد نفيه ولكن إضرابها{[43231]} عما عداه ، فيكون العتيق في المعنى مفعولاً به وإن كان لفظه مرفوعاً ، مثل " سلام عليكم " ونحوه مما يراد به الدعاء واللفظ على الرفع ، وحكى محمد بن السري رحمه الله عن بعض أهل اللغة في " كذب العتيق " أن{[43232]} مضر تنصب به وأن اليمن ترفع به ، وقد تقدم وجه ذلك - انتهى . وأقرب من ذلك جداً وأسهل{[43233]} تناولاً وأخذاً أن الإنسان لا يزال منيع الجناب مصون{[43234]} الحجاب ما كان لازماً للصدق فإذا كذب فقد أمكن من نفسه وهان أمره ، فمعنى " ثلاثة أسفار كذبن عليكم أمكنتكم{[43235]} من أنفسها ، الحج كل سنة بزوال مانع الكفار عنه ، والعمرة كل السنة{[43236]} بزوال{[43237]} المفسدين بالقتل وغيره في أشهر الحل ، والجهاد كل السنة{[43238]} أيضاً لإباحته في الأشهر الحرم وغيرها ، وتخريج{[43239]} مثل : كذبتك الظهائر ، وغيره على هذا بين الظهور لا وقفة{[43240]} فيه ولكون الكاذب يبادر إلى المعاذير{[43241]} ويحاول التخلص كان التعبير بهذا{[43242]} من باب الإغراء ، أي انتهز الفرصة وبادر تعسر{[43243]} هذا الإمكان .


[43174]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: الرجا- كذا.
[43175]:زيد من م ومد.
[43176]:في ظ: قولهم.
[43177]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: من.
[43178]:من م ومد، وفي الأصل: الأبعاب، وفي ظ: بالابعات- كذا.
[43179]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: أفعال.
[43180]:زيد من ظ و م ومد.
[43181]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: رعيتمونا.
[43182]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: من.
[43183]:زيد من ظ و م ومد.
[43184]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: استبطاوا.
[43185]:في ظ: قال.
[43186]:في مد: اجعل.
[43187]:زيد من الصحيح- كتاب التفسير.
[43188]:من الصحيح، وفي الأصول: وطال.
[43189]:في م: فننجي- وهي قراءة غير ابن عامر ويعقوب وعاصم- رجع نثر المرجان 3/282.
[43190]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: منهم.
[43191]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: دوابهم.
[43192]:سورة 11 آية 8.
[43193]:من مد، وفي الأصل و ظ و م: بإعلام.
[43194]:في ظ: بأنه.
[43195]:زيد من ظ و م ومد.
[43196]:من ظ و م ومد والتاج، وفي الأصل: كذب.
[43197]:في ظ: حستها.
[43198]:من م ومد والقاموس، وفي الأصل: منشأ، وفي ظ: مننه.
[43199]:في الأصول: كذبت، ومبنى التصحيح على القاموس.
[43200]:في م: فتسول.
[43201]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: إلى.
[43202]:زيد ما بين الحاجزين من ظ و م.
[43203]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: لغمرة.
[43204]:من م، وفي الأصل و ظ ومد "و".
[43205]:في مد: مما.
[43206]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: قبل.
[43207]:من م ومد والتاج، وفي الأصل: لذلك، وفي ظ: كذلك.
[43208]:زيد بعده في الأصل: إذا أمكنك، ولم تكن الزيادة في ظ و م ومد والتاج فحذفناها.
[43209]:من م، وفي مد: في.
[43210]:من م، وفي مد: ممكن.
[43211]:زيد ما بين الحاجزين من م ومد.
[43212]:في م: نفاره.
[43213]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: لا- كذا.
[43214]:أي قول عمر- كما صرح به في النهاية لابن الأثير (كذب).
[43215]:زيد في م: يعني.
[43216]:العبارة من هنا إلى "أرادها منها" متكررة في الأصل فقط.
[43217]:في ظ: منه.
[43218]:في ظ: عن.
[43219]:في ظ: يؤيد.
[43220]:زيد في النهاية: بكذب.
[43221]:من م والنهاية، وفي الأصل و ظ ومد: يزيد.
[43222]:هو الحسن بن أحمد بن عبد الغفار أبو علي الفارسي الأصل.
[43223]:وهو كتاب الحجة في علل القراءات- راجع الأعلام للزركلي وإنباه الرواة 1/274.
[43224]:من ظ و م ومد والتاج، وفي الأصل: ما كذب.
[43225]:من م والتاج، وفي الأصل و ظ ومد: سن.
[43226]:من ظ و م ومد والتاج، وفي الأصل: فأدهى- كذا.
[43227]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: في الشيء.
[43228]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: عن.
[43229]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أجاده.
[43230]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: ألزمته.
[43231]:في ظ: إضرابه.
[43232]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: أي.
[43233]:في ظ: أشمل.
[43234]:من ظ ومد، وفي الأصل: مضون، وفي م: مضون.
[43235]:من م، وفي الأصل و ظ ومد: أمكنتهم.
[43236]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: سنة.
[43237]:في م: لزوال.
[43238]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: سنة.
[43239]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: خرج.
[43240]:في م: وقعة.
[43241]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: المغاير.
[43242]:زيد من م ومد.
[43243]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: يعسر.