أما أولئك الذين يطلبون آية فلم يستشعروا طمأنينة الإيمان فهم في قلق يطلبون الخوارق والمعجزات . ولست أول رسول جاء لقومه بمثل ما جئت به حتى يكون الأمر عليهم غريبا ، فقد خلت من قبلهم الأمم وخلت من قبلهم الرسل . فإذا كفروا هم فلتمض على نهجك ولتتوكل على الله :
( كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم ، لتتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، وهم يكفرون بالرحمن . قل : هو ربي لا إله إلا ، هو عليه توكلت ، وإليه متاب ) . .
والعجيب أنهم يكفرون بالرحمن ، العظيم الرحمة ، الذي تطمئن القلوب بذكره ، واستشعار رحمته الكبرى . وما عليك إلا أن تتلو عليهم الذي أوحينا إليك ، فلهذا أرسلناك . فإن يكفروا فأعلن لهم أن اعتمادك على الله وحده ، وأنك تائب إليه وراجع ، لا تتجه إلى أحد سواه .
{ كذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب30 } .
30 { وكذلك أرسلناك في أمة قد خلت من قبلها أمم لتتلوا عليهم الذي أوحينا إليك . . . }الآية .
أي : كما أرسلنا المرسلين قبلك يا محمد أرسلناك في أمة قد سبقتها أمم أرسلت إليهم رسل ، فلست بدعا في رسالتك إلى أمتك ، كما قال سبحانه : { قل ما كنت بدعا من الرسل } . ( الأحقاف : 9 ) .
وقيل : الإشارة راجعة إلى إرسال محمد مؤيدا بالقرآن ، فكأنه قيل : مثل هذا الإرسال العظيم المؤيد بالقرآن أرسلناك يا محمد في أمة قد خلت من قبلها أمم .
وخلاصة المعنى : إننا كما أرسلنا إلى أمم من قبلك ، وأعطيناهم كتبا تتلى عليهم ، أرسلناك وأعطيناك هذا الكتاب ؛ لتتلوه عليهم فلماذا يقترحون غيره ؟ ! .
{ وهم يكفرون بالرحمن } أي : أرسلناك لتتلو عليهم كتاب الله ، داعيا لهم إلى الهدى ، والحال والشأن أنهم يكفرون بمن أحاطت بهم نعمه ، وشملتهم رحمته ؟ ، حيث أرسلك إليهم ؛ رحمة بهم ، قال تعالى : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } . ( الأنبياء : 107 ) .
{ قل هو ربي لا إله إلا هو } . أي : قل لهم : إن الرحمان الذي كفرتم به هو ربي وخالقي ، لا رب غيره ولا معبود سواه ؛ فهو الواحد الأحد ، الفرد الصمد ، الذي لم يلد ولم يولد ، ولم يكن له كفوا أحد .
{ عليه توكلت وإليه متاب } . على الله وحده توكلت واعتمدت في جميع أموري ، وإليه وحده توبتي وإنابتي .
وفي معنى هذه الآية ورد قوله تعالى : { وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا } . ( الإسراء : 110 ) .
" وقد ثبت في الحديث الصحيح : أنهم لم يرضوا بكتابة : الرحمن الرحيم في صلح الحديبية ؛ فعندما قال صلى الله عليه وسلم لعلي : ( اكتب : باسم الرحمان الرحيم ) ؛ قال أحد زعمائهم : ما ندري ما الرحمان الرحيم ، اكتب باسمك اللهم ؛ فقال الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم : دعنا نقاتلهم ! قال : ( لا ، اكتبوا كما يريدون )xxxiii .
ولما كان في{[44149]} ذلك فطم عن إنزال المقترحات ، وكان إعراض المقترحين قد طال ، وطال البلاء بهم والصبر على أذاهم ، كان موضع أن يقال من كافر أو مسلم عيل صبره : أولست مرسلاً يستجاب لك كما كان يستجاب للرسل{[44150]} ؟ فقيل : { كذلك } أي مثل إرسال{[44151]} الرسل الذي قدمنا الإشارة إليه في آخر سورة يوسف عليه الصلاة والسلام في قولنا{ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي{[44152]} إليهم }[ الأنبياء :7 ] الآية ، وفي هذه السورة في قولنا { ولكل قوم هاد } و{[44153]} مثل هذا الإرسال البديع الأمر{[44154]} البعيد الشأن ، والذي دربناك{[44155]} عليه{[44156]} غير مرة من أن{[44157]} المرجع إلى الله والكل بيده ، فلا قدرة لغيره على هدى ولا ضلال ، لا{[44158]} بإنزال{[44159]} الآية ولا{[44160]} غيره { أرسلناك } أي بما لنا من العظمة { في أمة } وهي جماعة كثيرة من الحيوان ترجع{[44161]} إلى معنى خاص لها دون غيرها { قد خلت } .
ولما كانت الرسل لم تعم{[44162]} بالفعل الزمان كله ، قال : { من قبلها أمم } طال أذاهم لأنبيائهم ومن آمن بهم واستهزاءهم{[44163]} في عدم الإجابة إلى المقترحات وقول كل{[44164]} أمة لنبيها عناداً بعد ما جاءهم من الآيات { لولا أنزل عليه آية } حتى كأنهم تواصوا بهذا القول حتى فعل الرسل وأتباعهم في{[44165]} إقبالهم على الدعاء وإعراضهم عمن يستهزىء{[44166]} بهم - فعل الآئس{[44167]} من{[44168]} الإنزال { لتتلوا } أي أرسلناك فيهم لتتلو { عليهم } أي تقرأ ؛ والتلاوة : جعل الثاني يلي الأول بلا فصل { الذي أوحينا إليك } من ذكر الله الذي هو أعظم الآيات { وهم } أي والحال أنهم { يكفرون } لا تمل تلاوته{[44169]} عليهم في تلك الحال فإن لنا في هذا حكماً وإن خفيت ، وما أرسلناك ومن قبلك من الرسل إلا لتلاوة ما يوحى ، لا لطلب الإجابة إلى ما يقترح الأمم من الآيات ظناً أنها تكون سبباً لإيمان أحد ، نحن أعلم بهم ، وهذا كله تسلية لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقوله : { بالرحمن } إشارة إلى كثرة حلمه وطول أناته{[44170]} ، وتصوير لتقبيح حالهم في مقابلتهم الإحسان بالإساءة والنعمة بالكفر بأوضح صورة وهم يدعون أنهم أشكر الناس للإحسان وأبعدهم من الكفران . ولما تضمن كفرهم بالرحمن كفرهم بالقرآن ومن أنزل عليه ، وكان الكفر بالمنعم في غاية القباحة ، كان{[44171]} كأنه قيل : فماذا أفعل حينئذ أنا{[44172]} ومن اتبعني ؟ لا نتمنى{[44173]} إجابتهم إلى مقترحاتهم إلا رجاء إيمانهم ، وكان جوابهم عن الكفر بالموحى{[44174]} أهم ، بدأ به{[44175]} فقال : { قل } عند ذلك إيماناً به { هو } أي الرحمن الذي كفرتم به { ربي } المربي لي{[44176]} بالإيجاد وإدرار النعم ، المحسن إليّ لا غيره ، لا أكفر إحسانه كما كفرتموه أنتم ، بل أقول : إنه { لا إله إلا هو } أنا به واثق{[44177]} في التربية والنصرة وغيرها .
ولما كان تفرده{[44178]} بالإلهية علة لقصر الهمم عليه ، قال : { عليه } أي وحده{[44179]} لا شريك له{[44180]} { توكلت } والتوكل : التوثق في تدبير النفس برده إلى الله على الرضى بما يفعل { وإليه } أي لا إلى غيره { متاب * } أي مرجعي ، معنى بالتوبة وحساً بالمعاد ، وهذا تعريض بهم في أن سبب كفرهم إنكار يوم الدين .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.