في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ} (17)

( يَتَجَرَّعُهُ وَلا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ )

يسقاه بعنف فيتجرعه غصبا وكرها ، ولا يكاد يسيغه ، لقذارته ومرارته ، والتقزز والتكره باديان نكاد نلمحها من خلال الكلمات ! ويأتيه الموت بأسبابه المحيطة به من كل مكان ، ولكنه لا يموت ، ليستكمل عذابه . ومن ورائه عذاب غليظ .

إنه مشهد عجيب ، يرسم الجبار الخائب المهزوم ووراءه مصيره يخايل له على هذا النحو المروع الفظيع . وتشترك كلمة( غليظ )في تفظيع المشهد ، تنسيقا له مع القوة الغاشمة التي كانوا يهددون بها دعاة الحق والخير والصلاح واليقين .

/خ27

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ} (17)

المفردات :

يتجرعه : أي : يتكلف بلعه مرة بعد أخرى من الجرع وهو البلع .

ولا يكاد يسيغه : ولا يقارب أن يبتلعه بسهولة .

التفسير :

{ يتجرعه ولا يكاد يسيغه . . . } .

يكلف شربه ولا يستسيغ ذلك ؛ لمرارته ورداءة طعمه ، ولونه وريحه ، وشدة حرارته ، لكنه يكلف أن يتجرعه جرعة بعد جرعة ، ويسقاه على الرغم من قهرا وقسرا .

روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم ، وصححه غيرهم : عن أبي أمامة : عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في الآية : ( يقرّب إليه فيتكرّهه ؛ فإذا أدنى منه شوى وجهه ، ووقعت فروة رأسه ، فإذا شربه قطع أمعاءه ، حتى يخرج من دبره ) .

يقول الله تعالى : { وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم } . ( محمد : 15 ) .

{ ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت } .

أي : تأتيه أسباب الموت من كل مكان في جسمه ، فكل عضو يعذب عذابا شديدا ، حتى أطراف شعره ، وإبهام رجله .

أوالمراد : تأتيه أسباب الموت من الشدائد ، وأنواع العذاب في كل موضع ، والمراد : أنه يحيط به من جميع الجهات ، من قدامه ومن خلفه ، ومن فوقه ومن تحته ، وعن يمينه وشماله ، في نار جهنم ، ليس منها نوع إلا يأتيه الموت منه لو كان يموت ، لكنه لا يموت ! .

قال تعالى : { والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور } . ( فاطر : 36 ) .

وقال سبحانه : { ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون } . ( الزخرف : 77 ) .

فهم مخلدون في جهنم يستقبلون في كل وقت عذابا أشد وأشق .

{ ومن ورائه عذاب غليظ } . أي : وله من بعد هذه الحال ، عذاب آخر مؤلم أغلظ من الذي قبله .

وعذاب النار وأهوالها متفاوت في شدته ؛ فالنار دركات ، كما أن الجنة درجات ، فلا يستوي في الجزاء كافر عنيد متمرد يسعى في الأرض فسادا ، وكافر مغلوب على أمره .

قال تعالى : { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار } . ( النساء : 145 ) .

روى الشيخان : عن النعمان بن بشير : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إن أهون أهل النار عذابا يوم القيامة ، لرجل وضع في أخمص9 قدميه جمرة يغلي منها دماغه )10 .

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{يَتَجَرَّعُهُۥ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُۥ وَيَأۡتِيهِ ٱلۡمَوۡتُ مِن كُلِّ مَكَانٖ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٖۖ وَمِن وَرَآئِهِۦ عَذَابٌ غَلِيظٞ} (17)

{ يتجرعه } أي يتكلف بلعه{[44822]} شيئاً فشيئاً لمرارته وحرارته ، فيغص به ويلقى منه من الشدة ما لا{[44823]} يعلم قدره إلا الله { ولا يكاد يسيغه } ولا يقرب من إساغته ، فإن الإساغة جر{[44824]} الشيء في الحلق على تقبل النفس { ويأتيه الموت } أي أسبابه التي لو جاءه سبب منها في الدنيا لمات { من كل مكان } والمكان : جوهر مهيأ للاستقرار ، فهو كناية عن أنه يحصل له من الشدائد ما يميت من قضى بموته { وما هو بميت } أي بثابت له الموت أصلاً .

لأنا قضينا بدوام حياته زيادة في عذابه ، والموت : عرض يضاد الإدراك{[44825]} في البنية الحيوانية { ومن ورائه } أي هذا الشخص ، بعد ذلك في يوم الجزاء الذي لا بد منه ، وما خلقنا السماوات والأرض إلا من أجله { عذاب غليظ * } يأخذه في ذلك اليوم - مع ما قدمته له{[44826]} في الدنيا - وهو غافل عنه أخذ ما يكون من وراء ، فيكون أشد كما هو الحال الآتي بغتة ، أو يكون المعنى أن من بعد هذا العذاب في جهنم عذاباً آخر ، لا تحتمل عقولكم وصفه بأكثر من الغلظ .


[44822]:من م ومد، وفي الأصل و ظ: بيعه.
[44823]:زيد من ظ و م ومد.
[44824]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: جرى.
[44825]:من ظ و م ومد، وفي الأصل: الادر الشر- كذا.
[44826]:سقط من مد.