والآن وقد انتهى السياق إلى الطلاق ، فإنه يأخذ في تفصيل أحكام الطلاق ؛ وما يتبعه من العدة والفدية والنفقة والمتعة . . إلى آخر الآثار المترتبة على الطلاق . .
)والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ، ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن - إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر - وبعولتهن أحق بردهن في ذلك - إن أرادوا إصلاحا - ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة ، والله عزيز حكيم ) . .
يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء - أي ثلاث حيضات أو ثلاثة أطهار من الحيضات على خلاف .
يتربصن بأنفسهن . . لقد وقفت أمام هذا التعبير اللطيف التصوير لحالة نفسية دقيقة . . إن المعنى الذهني المقصود هو أن ينتظرن دون زواج جديد حتى تنقضي ثلاث حيضات ، أو حتى يطهرن منها . . ولكن التعبير القرآني يلقي ظلالا أخرى بجانب ذلك المعنى الذهني . . إنه يلقي ظلال الرغبة الدافعة إلى استئناف حياة زوجية جديدة . رغبة الأنفس التي يدعوهن إلى التربص بها ، والإمساك بزمامها ، مع التحفز ، والتوفز . الذي يصاحب صورة التربص . وهي حالة طبيعية ، تدفع إليها رغبة المرأة في أن تثبت لنفسها ولغيرها أن إخفاقها في حياة الزوجية لم يكن لعجز فيها أو نقص ، وأنها قادرة على أن تجتذب رجلا آخر ، وأن تنشىء حياة جديدة . . هذا الدافع لا يوجد بطبيعته في نفس الرجل ، لأنه هو الذي طلق ؛ بينما يوجد بعنف في نفس المرأة لأنها هيالتي وقع عليها الطلاق . . وهكذا يصور القرآن الحالة النفسية من خلال التعبير ؛ كما يلحظ هذه الحالة ويحسب لها حسابا . .
يتربصن بأنفسهن هذه الفترة كي يتبين براءة أرحامهن من آثار الزوجية السابقة ؛ قبل أن يصرن إلى زيجات جديدة :
( ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر )
لا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن من حمل أو من حيض . . ويلمس قلوبهن بذكر الله الذي يخلق ما في أرحامهن ، ويستجيش كذلك شعور الإيمان بالله واليوم الآخر . فشرط هذا الإيمان ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن . . وذكر اليوم الآخر بصفة خاصة له وزنه هنا . فهناك الجزاء . . هناك العوض عما قد يفوت بالتربص ، وهناك العقاب لو كتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وهو يعلمه لأنه هو الذي خلقه ، فلا يخفى عليه شيء منه . . فلا يجوز كتمانه عليه - سبحانه - تحت تأثير أي رغبة أو هوى أو غرض من شتى الأغراض التي تعرض لنفوسهن .
هذا من جهة . ومن الجهة الأخرى ، فإنه لا بد من فترة معقولة يختبر فيها الزوجان عواطفهما بعد الفرقة . فقد يكون في قلوبهما رمق من ود يستعاد ، وعواطف تستجاش ، ومعان غلبت عليها نزوة أو غلطة أو كبرياء ! فإذا سكن الغضب ، وهدأت الشرة ، واطمأنت النفس ، استصغرت تلك الأسباب التي دفعت إلى الفراق ، وبرزت معان أخرى واعتبارات جديدة ، وعاودها الحنين إلى استئناف الحياة ، أو عاودها التجمل رعاية لواجب من الواجبات . والطلاق أبغض الحلال إلى الله ، وهو عملية بتر لا يلجأ إليها إلا حين يخيب كل علاج . . [ وفي مواضع أخرى من القرآن تذكر المحاولات التي ينبغي أن تسبق إيقاع الطلاق . كما أن إيقاع الطلاق ينبغي أن يكون في فترة طهر لم يقع فيها وطء . وهذا من شأنه أن يوجد مهلة بين اعتزام الطلاق وإيقاعه في أغلب الحالات . إذ ينتظر الزوج حتى تجيء فترة الطهر ثم يوقع الطلاق . . إلى آخر تلك المحاولات ] . .
والطلقة الأولى تجربة يعلم منها الزوجان حقيقة مشاعرهما . فإذا اتضح لهما في أثناء العدة أن استئناف الحياة مستطاع ، فالطريق مفتوح :
( وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ) . .
في ذلك . . أي في فترة الانتظار والتربص وهي فترة العدة . . إن أرادوا إصلاحا بهذا الرد ؛ ولم يكن القصد هو اعنات الزوجة ، وإعادة تقييدها في حياة محفوفة بالأشواك ، انتقاما منها ، أو استكبارا واستنكافا أن تنكح زوجا آخر .
ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف . .
وللمطلقات من الحقوق في هذه الحالة مثل الذي عليهن من الواجبات ، فهن مكلفات أن يتربصن وألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وأزواجهن مكلفون بأن تكون نيتهم في الرجعة طيبة لا ضرر فيها عليهن ولا ضرار . وذلك إلى ما سيأتي من أمر النفقة في مقابل الاحتباس للعدة .
أحسب أنها مقيدة في هذا السياق بحق الرجال في ردهن إلى عصمتهم في فترة العدة . وقد جعل هذا الحق في يد الرجل لأنه هو الذي طلق ؛ وليس من المعقول أن يطلق هو فيعطي حق المراجعة لها هي ! فتذهب إليه . وترده إلى عصمتها ! فهو حق تفرضه طبيعة الموقف . وهي درجة مقيدة في هذا الموضع ، وليست مطلقة الدلالة كما يفهمها الكثيرون ، ويستشهدون بها في غير موضعها .
مشعرا بقوة الله الذي يفرض هذه الأحكام وحكمته في فرضها على الناس . وفيه ما يرد القلوب عن الزيغ والانحراف تحت شتى المؤثرات والملابسات .
{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة والله عزيز حكيم( 228 ) }
المطلقات : المراد بهن في الآية المدخول بهن من الحرائر ذوات الحيض أما غير المدخول بهن فلا عدة عليهن .
التربص : التأني والتريث والانتظار .
القروء : واحدها قرء( بضم القاف وفتحها ) يطلق تارة على حيض المرأة وأخرى على طهرها ، ومن ثم قال الحنيفة والحنابلة المراد به الحيض ، وقال المالكية والشافعية المراد به الطهر .
ما خلق الله في أرحامهن : يشمل الحمل والحيض والطهر .
البعولة : جمع البعل وهو الزوج ، والبعولة أيضا مصدر البعل والمباعلة والبعال : الجماع .
على المطلقات أن تمكث إحداهن بعد الطلاق زوجها ثلاث حيضات بدون نكاح ، ثم لها أن تتزوج بعد إن شاءت ، ولا يحل للمطلقة أن تكتم ما في رحمها أو دم الحيض ، فالإيمان بالله وباليوم الآخر يدفعها إلى قول الصدق .
وأزواجهن لهم الحق في مراجعة الزوجات المطلقات في مدة العدة إذا كان الطلاق رجعيا فلا يصح أن تمتنع الزوجات عن الرجوع إليهم ، وعلى الأزواج عند استعمال هذا الحق أن يقصدوا الإصلاح لا المضرة .
وللزوجات من الحقوق مثل ما عليهن من الواجبات بما لا ينكره الشرع الشريف ، وللرجال على النساء درجة الرعاية والنفقة والعدالة .
والله سبحانه فوق عباده يشرع لهم ما يتفق مع الحكمة .
{ والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء . . . }
وضع الإسلام أسس السعادة الزوجية فأمر بحسن اختيار الزوجة ثم وضع حقوق الرجل والمرأة في نطاق الأشرة فصل نظام الطلاق عند الحاجة إليه ، وأبدع في بيان هذا النظم . ومن ذلك بيان نظام العدة والرجعة والنفقة . ومن أروع البيان ما ورد في هذه الآية قوله سبحانه : { والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء }
وذلك لأن المرأة المطلقة كثيرا ما تشعر بعد طلاقها بأنها في حاجة إلى أن تثبت أن إخفاقها في حياتها الزوجية السابقة ليس لنقص فيها أو لعجز عن إنشاء حياة زوجية أخرى ، وهذا الشعور قد يدفعها إلى التسرع والاندفاع من أجل إنشاء هذه الحياة ، وهنا تبرز طريقة القرآن الحكيمة في معالجة النفوس ، إنه يقول للمطلقة : إن التطلع إلى إنشاء حياة زوجية أخرى ليس عيبا ، ولكن الكرامة توجب عليها الانتظار والتريث ، إذ لا يليق بالمرأة الكريمة أن تنتقل بين الأزواج تنقلا سريعا وأيضا فإن نداء الفطرة وتعاليم الشريعة توجبان عليها الانتظار مدة ثلاثة قروء لكي تستبرئ رحمها حتى إذا كان حمل نسب إلى الأب الشرعي له .
وفي قوله { يتربصن بأنفسهن } . إشعار بأن هذا التربص يجب أن يكون من ذات أنفسهن وليس من عامل خارجي فشأن الحرة الكريمة المؤمنة أن تحجز نفسها بنفسها عن كل ما يتنافى مع الكرامة والشرف ، فقد تجوع الحرة ولكنها لا تأكل بثديها كما يقال في المثل .
وقد أشار الزمخشري إلى هذا المعنى بقوله :
" فإن قلت وما معنى ذكر الأنفس هنا ؟ قلت في ذكر الأنفس تهييج لهن على التربص وزيادة بعث ، لأن فيه ما يستنكفن منه فيحملهن على أن يتربصن ، وذلك أن أنفس النساء طوامح من الرجال . فأمرن أن يقمعن أنفسهن ويغلبنها على الطموح ، ويجبرونها على التربص " ( 228 ) .
وقد أوجبت الآية أن تنتظر المطلقة مدة ثلاثة قروء قبل الزواج من رجل آخر .
والقروء جمع قرء بضم القاف وفتحها ويطلق على الطهر وعلى الحيض . ولذلك اختلف الفقهاء في المراد من القروء المعتبرة . العدة فالأحناف والحنابلة ومن قبلهم عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وغيرهم يرون أن المراد بالقروء هنا الحيضات والمعنى عندهم : أن المطلقات عليهن أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن مدة ثلاث حيضات بدون زواج ثم بعد ذلك لهن أن يتزوجن إن شئن .
ومن أدلتهم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قد فسر القرء بمعنى الحيض ، فقد جاء الحديث الذي رواه أبو داود عن فاطمة بنت أبي جحش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها : " دعي الصلاة أيام أقرئك " ( 229 ) .
ولا شك أن المراد بالقرء في هذا الحديث الحيض ، لأنه هو الذي لا تصح معه الصلاة .
أما المالكية والشافعية ومن قبلهم عائشة وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت ، والزهري وغيرهم فيرون أن المراد من بالقروء هنا الأطهار أي الأوقات التي تكون بين الحيضتين للنساء .
ومعنى الآية عندهم : أن المطلقات أن يمكثن بعد طلاقهن من أزواجهن ثلاثة أطهار( 230 ) بدون زواج ثم بعد ذلك يزوجن إن شئن ومن أدلتهم : أن الله تعالى يقول : { فطلقوهن لعدتهن }( الطلاق : 1 )
وقد بينت السنة النبوية أن الطلاق لا يكون في الحيض . فلا يتصور أن يكون الطلاق في العدة إلا إذا فسرنا القرء بالطهر لا بالحيض . وروى عن عائشة أنها قالت : هل تدرون الأقراء ؟ الأقراء الأطهار( 231 ) .
والمسألة كما ترى محتملة للمعنيين .
قال السيد رشيد رضا في تفسير المنار قال الأستاذ الإمام محمد عبده : " والخطب في الخلاف سهل لأن المقصود من هذا التربص العلم ببراءة الرحم من الزواج السابق ، وهو يحصل بثلاث حيض كما يحصل بثلاثة أطهار ، ومن النادر أن يستمر الحيض إلى آخر الحمل فكل من القولين موافق لحكمة الشرع في المسألة( 232 ) .
{ ولا يحل لهن أن يكتمن ما خلق الله في أرحامهن إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر }
قيل : المراد بما خلق الله في أرحامهن الحيض ، وقيل الحمل وقيل هما معا . وهذا دليل على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها ، يقبل قولها فيه لأنه لا يعلم إلا من قبلها وإنما حرم الله أن يكتمن ما في أرحامهن لأنه يتعلق بذلك حق الرجعة للرجل وعدم اختلاط الأنساب . وإذا لم تحافظ المرأة على ذلك فربما حرمت الرجل من حقه في المراجعة إذا ادعت انقضاء العدة .
وربما ادعت انقضاء العدة وهي مشغولة الرحم بالحمل من المطلق ثم تزوجت فأدى ذلك إلى اختلاط الأنساب .
ولذلك لمست الآية قلوب المطلقات بذكر الله الذي يخلق ما في أرحامهن . واستجاشت كذلك شعور الإيمان بالله واليوم الآخر ، فشرط هذا الإيمان ألا يكتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وذكر اليوم الآخر بصفة خاصة له وزنة هنا ، فهناك الجزاء " هناك العوض عما قد يفوت بالتربص ، وهناك العقاب لو كتمن ما خلق الله في أرحامهن ، وهو يعلمه لأنه هو الذي خلقه ولا يخفى عليه شيء منه ، فلا يجوز كتمانه عليه سبحانه تحت تأثير أي رغبة أو هوى أو غرض من شتى الأغراض التي تعرض لنفوسهن " ( 233 ) .
" والآية تدل على من ائتمن على شيء فلا يحل له أن يخون وهذا هو مقتضى الإيمان بالله واليوم الآخر " ( 234 ) .
{ وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا }
والمعنى : وأزواج المطلقات طلاقا رجعيا أحق بردهن ومراجعتهن " في ذلك " أي في وقت التربص قبل انقضاء العدة : إن أرادوا إصلاحا . أي إن أرادوا بهذه المراجعة الإصلاح لا الإضرار .
" وأجمع العلماء على أن الحر إذا طلق زوجته الحرة وكانت مدخولا بها تطليقة أو تطليقتين ، أنه أحق برجعتها ما لم تنقض عدتها وإن كرهت المرأة ، فإن لم يراجعها المطلق حتى انقضت عدتها أحق بنفسها وتصير أجنبية منه ولا تحل له إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على سنة المراجعة وهذا إجماع من العلماء .
قال المهلب : وكل من راجع في العدة فإنه لا يلومه شيء من أحام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط وهذا إجماع من العلماء( 235 )لقوله تعالى : ( فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم ) .
ومن هذا التسريع الإلهي العدل نتبين حكمة الإسلام من وراء مشروعية العدة فهي فترة معقولة يراجع فيها الزوج نفسه ، ويتبين حقيقة عواطفه ولعله خلال هذه الفترة أن في قلبه رمقا من مودة أو بقية من عاطفة ، ولعل الحنين أن يعاود الزوجين إلى استئناف الحياة الزوجية فرارا من الطلاق وهو أبغض الحلال عند الله ( 236 ) .
{ ولهن مثل الذين عليهن بالمعروف وللرجال عليهن درجة }
أي وللنساء من الحقوق مثل الذي عليهن من الواجبات نحو الرجال ، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه وذلك بالمعروف .
" والمراد بالماثلة في الوجوب لا في جنس الفعل ، فلا يجب عليه إذا غسلت ثيابه أو خبزت له أن يفعل لها مثل ذلك ولكن يقابله بما يليق بالرجال " .
أي أن الحقوق والواجبات بينهما متبادلة ، وأنهما متماثلان في أن كل واحد منهما عليه أن يؤدي نحو صاحبه ما يحب عليه بالمعروف أي بما عرفته الطباع السليمة ولا تنكره ، ووافق ما أوجبه الله على كل منهما في شريعته . " كما ثبت في صحيح مسلم عن جابر : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في خطبته في حجة الوداع : فاتقوا الله في نسائكم ، فإنكم أخذتموهن بالأمانة الله واستحللتم فروجهن بكلمة الله ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربهن ضربا غير مبرح ، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف " ( 237 ) .
وفي حديث معاوية بن حيدة القشيري أنه قال : يا رسول الله ما حق زوجة أحدنا ؟ قال : " تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت " ( 238 ) .
وعن ابن عباس قال : إني لأحب أن أتزين للمرأة ، كما أحب أن تتزين لي المرأة لأن الله يقول : { ولهن مثل الذين عليهن بالمعروف } . رواه ابن جرير والطبري وابن أبى حاتم وإسناده صحيح( 239 ) .
وعن ابن عباس أيضا : أي لهن من حسن الصحبة والعشرة بالمعروف على أزواجهن مثل الذي عليهن من الطاعة فيما أوجبه عليهن لأزواجهن( 240 ) .
وقال الطبري : لهن على أزواجهن ترك مضارتهن كما كان ذلك عليهن لأزواجهن .
وقال ابن زيد : تتقون الله فيهن كما عليهن أن يتقين الله عز وجل فيكم . والمعنى متقارب والآية تعم جميع ذلك من حقوق الزوجية( 241 ) .
{ وللرجال عليهن درجة } والدرجة في الأصل ما يرتقي عليه من سلم ونحوه ، والمراد به هنا المزية والزيادة أي : لهن عليهم مثل الذي لهم عليهن . وللرجال على النساء مزية وزيادة في الحق بسبب حمايتهم لهن ، وقيامهم بشئونهن ونفقتهن وغير ذلك من واجبات .
قال الأستاذ محمد أبو زهرة : وإذا كانت الأسرة لا تتكون إلا من ازدواج هذين العنصرين الرجل والمرأة فلا بد أن يشرف على تهذيب الأسرة ويقوم على تربية ناشئها وتوزيع الحقوق والواجبات فيها أحد العنصرين . وقد نظر الإسلام إلى هذا الأمر نظرة عادلة ، فوجد أن الرجل أملك لزمام نفسه وأقدر على ضبط حسه ، ووجده هو الذي أقام البيت بماله وأن انهياره خراب عليه ، فجعل له الرياسة ولذا قال سبحانه : { الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم }( النساء : 134 ) .
هذه هي الدرجة التي جعلها الإيلام للرجل ، وهي درجة تجعل له حقوقا وتجعل عليه واجبات أكثر فهي موائمة كل الموائمة لصدر الآية فإذا كان للرجل فضل درجة ، فعليه فضل واجب( 242 ) .
{ والله عزيز } : أي منيع السلطان لا معترض عليه .
{ حكيم } : في أمره وشرعه وسائر ما يكلف به عباده ، فعلى الرجل والمرأة أن يطلبا عزهما فيما شرعه الله فهو الملجأ والمعاد لكل ذي حق مهضوم وعليهما كذلك أن يتمسكا بما كلفهما به لأنه ما كلفهما إلا بما تقتضيه الحكمة ويؤيده العقل السليم .
في تفسير : { ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف }
" قول ابن عباس : " إني لأتزين لامرأتي " قال العلماء : أما زينة الرجال فعلى تفاوت أحوالهم فإنهم يعملون ذلك على اللباقة والوفاء ، فربما كانت زينة تليق في وقت ولا تليق في وقت ، وزينة تليق بالشباب وزينة تليق بالشيوخ ولا تليق بالشباب ، ألا ترى أن الشيخ والكهل إذا حف شاربه ليق به ذلك وزانه ، والشباب إذ فعل ذلك سمج ومقت لأن اللحية لم توفر بعد ، فإذا حف شاربه في أول ما خرج وجهه سمج ، وإذا وفرت لحيته وحف شاربه زانه ذلك . روى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " أمرني ربي أن أعفي لحيتي وأحفي شاربي( 243 ) . وكذلك في شأن الكسوة ففي هذا كله ابتغاء الحقوق ، فإنما يعمل اللائق والموافق ليكون عند امرأته في زينة تسرها ويعفها من غيره من الرجال ، وكذلك الكحل ، من الرجال من يليق به ومنهم من لا يليق به فأما الطيب والسواك والخلال( 244 ) والرمي بالدرن( 245 ) وفضول الشعر والتطهير وقص الأظفار فهو بين موافق للجميع ، والخضاب للشيوخ والخاتم للجميع من الشباب والشيوخ زينة ، وهو حلي الرجال .
ثم عليه أن يتوخى أوقات حاجتها إلى الرجل فيعفها ويغنيها عن التطلع إلى غيره ، وإن رأي الرجل من نفسه عجزا عن إقامة حقها من مضجعها أخد من الأدوية التي تزيد في بهائه وتقوي شهوته حتى يعفها( 246 ) .
2- من تفسير المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية في القاهرة :
" شرعت العدة استبراء للرحم أولا ، وذلك الاستبراء للرحم من الحمل لا يكون مؤكدا إلا بعد ثلاث حيضات ، والحامل لا تحيض عادة وإن حاضت فإن ذلك يكون مرة أو اثنتين على الأكثر إذ أن الجنين يكون قد نما بعد هذه المدة إلى درجة يملأ تجويف الرحم فيمنع نزول دم الحيض ، ذلك تقدير لله في خلقه ، وما كان معلوما عند العرب ، وما كان للنبي الأمي أن يعلمه ولكن الله أنزل عليه القرآن فعلمه وعلم أمته ، وشرعت العدة ثانيا ليكون عند المطلق فرصة المراجعة لزوجته إذ قد يكون طلق امرأته التي دخل بها تحت تأثير نوبة غضب جامحة فإذا ثاب إليه رشده ندم على ما فعل فحينئذ يجد رحمة الله واسعة وشرعه حكيما ، قد أعطاه الحق في أن يقول " راجعتك " فتعود إليه زوجته ولكن تحتسب عليه الطلقة من ثلاث طلقات( 247 ) . "
ولما ختم آيتي الإيلاء بالطلاق بين عدته فقال : - وقال الحرالي : لما ذكر تربص الزوج{[10458]} - {[10459]}سبحانه وتعالى{[10460]} في أمر الطلاق الذي هو أمانته ذكر تربص المرأة في أمر العدة التي هي أمانتها ؛ انتهى{[10461]} - فقال : { والمطلقات{[10462]} } أي المدخول بهن بما أفهمه الإيلاء من أن الكلام فيهن{[10463]} غير الحوامل لأن عدتهن بالولادة وغير ذوات الأشهر لصغر{[10464]} أو كبر . ولما أريد التأكيد لأمرهن بالعدة سبق{[10465]} بعد تأكيده ببنائه على المبتدأ{[10466]} في صيغة الخبر الذي من شأنه أن يكون قد وجد وانقضى {[10467]}إيماء إلى المسارعة إلى امتثاله{[10468]} فقيل : { يتربصن } أي {[10469]}ينتظرن اعتداداً{[10470]} .
{[10471]}ولما كانت النفس داعية إلى الشهوات لا سيما أنفس النساء إلى الرجال{[10472]} و{[10473]}كان التربص عاماً في النفس بالعقد لزوج آخر وفي التعرض له باكتحال وتزين وتعريض بكلام مع البينونة وبغير ذلك خص الأول معبراً{[10474]} لها{[10475]} {[10476]}بالنفس هزاً{[10477]} إلى الاحتياط في كمال{[10478]} التربص والاستحياء مما يوهم{[10479]} الاستعجال{[10480]} فقال : { بأنفسهن } فلا يطمعنها في مواصلة رجل قبل انقضاء العدة .
{[10481]}ولما كان القرء مشتركاً بين الطهر والحيض وكان الأقراء مشتركاً بين جمع كل منهما وكان الطهر مختصاً عند جمع من أهل اللغة بأن يجمع على قروء كان{[10482]} مذكراً يؤنث عدده وكانت الحيضة مؤنثة{[10483]} يذكر{[10484]} عددها دل{[10485]} على أن المراد الإظهار بما يخصه من الجمع وبتأنيث{[10486]} عدده فقال ذاكراً ظرف التربص : { ثلاثة قروء{[10487]} } أي جموع من الدم وسيأتي في أول سورة{[10488]} الحجر أن{[10489]} هذه المادة بأي ترتيب كانت تدور{[10490]} على الجمع وأن المراد بالقروء{[10491]} الأطهار لأنها زمن جمع الدم حقيقة ، وأما زمن الحيض فإنما{[10492]} يسمى بذلك لأنه سبب تحقق الجمع ، والمشهور من كلام أهل اللغة أن جمع القرء{[10493]} بمعنى الطهر أقراء وقروء ، وأن جمعه إذا أطلق على الحيض أقراء فقط ؛ وذلك لأن المادة لما كانت للجمع كانت أيام الطهر هي المتحققة بذلك وكان جمع الكثرة أعرف{[10494]} في الجمع كان بالطهر أولى .
وقال الحرالي : قروء جمع قرء وهو الحد الفاصل بين الطهر والحيض الذي يقبل الإضافة إلى كل واحد منهما ، ولذلك{[10495]} ما تعارضت في تفسير لغته تفاسير اللغويين واختلف في معناه أقوال العلماء لخفاء معناه بما هو حد بين الحالين كالحد الفاصل بين الظل والشمس فالقروء الحدود ، وذلك حين تطلق المرأة لقبل {[10496]}عدتها في طهر{[10497]} لم تمس{[10498]} فيه ليطلقها على ظهور براءة من علقتهما{[10499]} لئلا يطلق ما لم تنطلق{[10500]} عنه ، فإذا انتهى الطهر وابتدأ الحيض كان ما بينهما{[10501]} قرءاً لأن القرء استكمال جمع الحيض حين يتعفن فما{[10502]} لم ينته إلى الخروج لم يتم قرءاً ، فإذا طهرت الطهر الثاني وانتهى إلى الحيض كانا قرءين ، فإذا طهرت الطهر الثالث وانتهى إلى الحيض شاهد كمال القرء{[10503]} كان ثلاثة أقراء ، فلذلك يعرب معناه عن حل المرأة عند رؤيتها الدم من الحيضة الثالثة لتمام عدة الأقراء الثلاثة{[10504]} ، فيوافق معنى من يفسر القرء بالطهر ويكون أقرب من تفسيره بالحيض فأمد الطهر ظاهراً{[10505]} هو أمد الاستقراء للدم باطناً فيبعد{[10506]} تفسيره بالحيض عما هو تحقيقه من معنى الحد بعداً ما - انتهى .
ولما كان النكاح أشهى ما إلى الحيوان وكان حبك للشيء يعمي ويصم وكان النساء أرغب في ذلك مع ما بهن من النقص في العقل والدين فكان ذلك ربما حملهن على كتم ولد لإرادة زوج آخر {[10507]}تقصيراً للعدة وإلحاقاً للولد به{[10508]} ، أو حيض لرغبة{[10509]} في رجعة المطلق قال سبحانه وتعالى : { ولا يحل{[10510]} لهن } أي المطلقات { أن يكتمن ما خلق الله } أي {[10511]}الذي له الأمر كله{[10512]} {[10513]}من ولد أو{[10514]} دم { في أرحامهن } جمع رحم . قال الحرالي : وهو ما يشتمل على الولد من أعضاء التناسل{[10515]} يكون فيه تخلقه من كونه نطفة إلى كونه خلقا آخر - انتهى . وليس فيه دليل على أن الحمل يعلم ، إنما تعلم أماراته .
ولما كان معنى هذا الإخبار النهي ليكون نافياً للحل{[10516]} بلفظه مثبتاً للحرمة بمعناه تأكيداً له فكان التقدير : ولا يكتمن ، قال{[10517]} مرغباً في الامتثال مرهباً من{[10518]} ضده : { إن{[10519]} كنّ يؤمن بالله } أي الذي له{[10520]} جميع العظمة { واليوم الآخر } الذي {[10521]}تظهر فيه{[10522]} عظمته أتم ظهور ويدين فيه العباد{[10523]} بما فعلوا ، أي{[10524]} فإن كتمن شيئاً من ذلك دل على عدم الإيمان . وقال الحرالي : ففي إشعاره إثبات نوع نفاق على الكاتمة{[10525]} ما في رحمها ؛ انتهى - {[10526]}وفيه تصرف{[10527]} .
ولما كان الرجعي أخف الطلاق بين الرجعة تنبيهاً{[10528]} على أنه إن كان ولا بد من الطلاق فليكن رجعياً فقال تعالى : { وبعولتهن } أي أزواجهن ، جمع بعل . قال الحرالي{[10529]} : وهو الرجل المتهيىء لنكاح{[10530]} الأنثى{[10531]} المتأتى{[10532]} له ذلك ، يقال على الزوج والسيد - انتهى . ولما كان للمطلقة حق في نفسها قال : { أحق بردهن } أي إلى ما كان لهم عليهن من العصمة {[10533]}لإبطال التربص فله{[10534]} حرمة الاستمتاع من المطلقات بإرادة السراح { في ذلك } أي في أيام الأقراء فإذا انقضت صارت أحق بنفسها منه{[10535]} بها لانقضاء حقه والكلام في الرجعية{[10536]} بدليل الآية التي بعدها{[10537]} .
ولما أثبت الحق لهم وكان منهم من يقصد الضرر قيده بقوله : { إن أرادوا } أي بالرجعة { إصلاحاً } وهذا تنبيه على أنه إن{[10538]} لم يرد الإصلاح {[10539]}وأرادت هي{[10540]} السراح كان في باطن الأمر زانياً . قال الحرالي : الإصلاح لخلل ما بينهما أحق في علم الله وحكمته من افتتاح وصلة ثانية لأن تذكر الماضي يخل بالحاضر ، مما حذر النبي صلى الله عليه وسلم عنه{[10541]} نكاح اللفوت وهي التي لها ولد من زوج سابق ، فلذلك كان الأحق إصلاح الأول دون استفتاح وصلة لثان{[10542]} - انتهى{[10543]} .
ولما اخرج أمر الرجعة عنهن جبرهن بقوله : { ولهن{[10544]} } أي من الحقوق { مثل الذي عليهن } أي{[10545]} في كونه حسنة في نفسه على ما يليق بملك{[10546]} منهما لا في النوع{[10547]} ، فكما للرجال الرجعة قهراً فلهن{[10548]} العشرة بالجميل{[10549]} ، وكما لهم حبسهن فلهن ما يزيل الوحشة بمن يؤنس ونحو ذلك . ولما كان كل منهما قد يجور{[10550]} على صاحبه قال : { بالمعروف } أي من حال كل{[10551]} منهما . قال الحرالي : والمعروف ما أقره الشرع وقبله العقل ووافقه كرم الطبع - انتهى .
ولما ذكر الرجعة له بصيغة الأحق وبين الحق من الجانبين بين فضل الرجال بقوله : { وللرجال{[10552]} } {[10553]}أعم من أن يكونوا بعولة{[10554]} { عليهن } أي أزواجهم { درجة } أي فضل من جهات لا يخفى{[10555]} {[10556]}كالإنفاق والمهر{[10557]} لأن الدرجة المرقى إلى العلو . وقال الحرالي : لما أوثروا به من رصانة{[10558]} العقل وتمام الدين - انتهى . فالرجل يزيد على المرأة بدرجة من ثلاث لأن كل امرأتين بمنزلة رجل .
ولما أعز سبحانه وتعالى الرجل وصف{[10559]} نفسه بالعزة مبتدئاً بالاسم الأعظم الدال على كل كمال فقال عطفاً على ما تقديره : لأن الله أعزهم عليهن بحكمته{[10560]} : { والله } {[10561]}أي الذي له كمال العظمة{[10562]} { عزيز{[10563]} } إشارة إلى أنه{[10564]} أعز{[10565]} بل لا عزيز إلا هو ليخشى كل من أعاره{[10566]} عزة سطوته ؛ وقال : { حكيم } تنبيهاً على أنه ما فعل ذلك إلا لحكمة بالغة تسلية{[10567]} للنساء وإن ما أوجده بعزته وأتقنه{[10568]} بحكمته لا يمكن نقضه .