في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (236)

221

ثم يجيء حكم المطلقة قبل الدخول . وهي حالة جديدة غير حالات الطلاق بالمدخول بهن التي استوفاها من قبل . وهي حالة كثيرة الوقوع . فيبين ما على الزوجين فيها وما لهما :

( لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة . ومتعوهن - على الموسع قدره وعلى المقتر قدره - متاعا بالمعروف حقا على المحسنين . وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم . إلا أن يعفون أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح . وأن تعفوا أقرب للتقوى . ولا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير )

والحالة الأولى : هي حالة المطلقة قبل الدخول ، ولم يكن قد فرض لها مهر معلوم . والمهر فريضة ، فالواجب في هذه الحالة على الزوج المطلق أن يمتعها . أي أن يمنحها عطية حسبما يستطيع . ولهذا العمل قيمته النفسية بجانب كونه نوعا من التعويض . . إن انفصام هذه العقدة من قبل ابتدائها ينشىء جفوة ممضة في نفس المرأة ، ويجعل الفراق طعنة عداء وخصومة . ولكن التمتيع يذهب بهذا الجو المكفهر ، وينسم فيه نسمات من الود والمعذرة ؛ ويخلع على الطلاق جو الأسف والأسى . فهي محاولة فاشلة إذن وليست ضربة مسددة ! ولهذا يوصي أن يكون المتاع بالمعروف استبقاء للمودة الإنسانية ، واحتفاظا بالذكرى الكريمة . وفي الوقت نفسه لا يكلف الزوج ما لا يطيق ، فعلى الغني بقدر غناه ، وعلى الفقير في حدود ما يستطيع :

( على الموسع قدره وعلى المقتر قدره ) . .

ويلوح بالمعروف والإحسان فيندي بهما جفاف القلوب واكفهرار الجو المحيط :

( متاعا بالمعروف حقا على المحسنين ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (236)

الطلاق قبل الدخول

221

{ ولا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره متعا بالمعروف حقا على المحسنين( 236 ) }

المفردات :

تمسوهن : المس هنا : الجماع ،

أو تفرضوا : أو هنا بمعنى الواو .

فريضة : المهر .

ومتعوهن : المتعة مقدار مالي تعطاه المطلقة قبل الدخول ، قصد به أن يكون تعويضا لها عما فاتها من زوجها وجبرا لما نالها من انكسار النفس .

الموسع : الغنى .

المقتر : الفقير .

قدره : طاقته .

المعنى الإجمالي :

ولا إثم عليكم أيها الأزواج ولا يحب عليكم المهر إذا طلقتم زوجاتكم قبل الدخول بهن ، وقبل أن تقدروا لهن مهرا ، ولكن أعطوهن عطية من المال يتمتعن بها لتخفيف آلام نفوسهن ، ولتكن عن رضا وطيب خاطر ، وليدفعها الغنى بقدر وسعه ، والفقير بقدر حاله ، وهذه العطية من أعمال البر يلتزمها ذوو المروءات وأهل الخير والإحسان .

التفسير :

{ لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تلمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة . . . }

قال القرطبي : " قوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلقتم النساء . . . } هذا أيضا من أحكام المطلقات ، وهو ابتداء إخبار ، برفع الحرج عن المطلق قبل البناء والجماع ، أو لم يفرض ، ولما نهي رسول اله صلى الله عليه وسلم عن التزوج لمعنى الذوق ، وقضاء الشهوة ، وأمر بالتزوج لطلب العصمة والتماس ثواب الله ، وقصد دوام الصحبة وقع في نفوس المؤمنين أن من طلق قبل البناء قد واقع جزءا من هذا المكروه ، فنزلت الآية رافعة للجناح في ذلك ، إذا كان أصل النكاح على المقصد الحسن " ( 284 ) .

لقد أثر القرآن الكريم والهدى النبوي أحسن الأثر في نفوس المسلمين وتحرج بعضهم طلاق المرأة قبل الدخول بها ، فنزل هدى السماء يبيح للرجل طلاق المرأة قبل الدخول بها ، إذ تبين له ضرورة ذلك فإنها الحياة الزوجية قبل الدخول أخف وأيسر من إنهائها بعد الدخول .

ثم حثت الآية على المكارمة ، وأوجبت على الرجل أن يمنع مطلقته عطية حسبما يستطيع ، كنوع من أنواع التعويض فقد علقت آمالها عليه ، وحبست نفسها عن الزواج من أجله ، وفي هذه المتعة لون من ألوان الرد والمعذرة .

{ ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره . . . }

ومتعوا المطلقات عندما يجتمع لهن أمران ، عدم الدخول بهن وانتقاء تقدير مهر لهن ، على الغنى ما يقدر عليه وعلى الفقير ما يقدر عليه .

وهذه المتعة واجبة عند كثير من فقهاء السلف ، ومنهم علي ابن أبي طالب وابن عمر ، وسعيد ابن جبير والزهري وغيرهم .

وقال بعض الفقهاء إنها مندوبة .

والآية ظاهرة في الرأي الأول لقوله تعالى :

{ متاعا بالمعروف حقا على المحسنين } .

فقد جعله حقا واجبا على المحسنين ، لا ينبغي أن يهملوه .

هذا بالنسبة للمطلقات قبل الدخول بهن ، وقبل أن يقدر لهن المهر ، أما غيرهم من المطلقات فالمتعة مندوبة في حقهن عند الجمهور وقال مالك وأصحابه : المتعة مندوبة في كل مطلقة وإن دخل بها ، إلا في التي لم يدخل بها ، وقد فرض لها ، فحسبها ما فرض لها ، وهو نصف لمهر المسمى ولا متعة لها .

وليس للمتعة حد معروف في الكتاب أو السنة ، ولكنها ما قال الله تعالى : { على الموسع قدره وعلى المقتر قدره . . . }

وقال ابن عمر أدنى ما يجزى في المتعة ثلاثون درهما .

ولعل الأنسب أن يترك تقدير المتعة إلى حال الشخص ، والأمر المتعارف عليه بين الناس ، حيث إنه لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان .

والمعروف كلمة واسعة ، تشمل ما عرف حسنه وما كان مناسبا للشخص ، وما يليق بأمثاله ، وهو أمر يختلف باختلاف الزمان والمكان .

***

 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{لَّا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ إِن طَلَّقۡتُمُ ٱلنِّسَآءَ مَا لَمۡ تَمَسُّوهُنَّ أَوۡ تَفۡرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةٗۚ وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى ٱلۡمُوسِعِ قَدَرُهُۥ وَعَلَى ٱلۡمُقۡتِرِ قَدَرُهُۥ مَتَٰعَۢا بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُحۡسِنِينَ} (236)

ولما تمت أحكام العدد وما يتبعها مما حق الرجال فيه أغلب أتبعها أحكام{[11047]} الأصدقة ، ولما كان الكلام قد طال في أحكام الطلاق والموت ولم يذكر الصداق وكان قد ختم{[11048]} تلك الأحكام بصفتي الغفر والحلم وكان{[11049]} الصداق معلوماً عندهم قبل الإسلام اقتضى ذلك السؤال : هل يجب للمفارقة صداق أو هو مما{[11050]} دخل تحت المغفرة والحلم فلا يجب ؟ فقيل : { لا جناح عليكم{[11051]} } أي لا تبعة من مهر ولا غيره إلا ما يأتي من المتعة ، وأصل الجناح الميل من {[11052]}الثقل { إن طلقتم النساء } أي إن طلق أحد منكم ما يملك عصمته منهن { ما لم تمسوهن } أي تجامعوهن . من المس ومن المماسة في القراءة الأخرى وهو ملاقاة الجرمين بغير حائل بينهما - قاله الحرالي { أو تفرضوا لهن فريضة } أي تسموا لهن مهراً معلوماً . أي لا جناح عليكم ما لم يقع أحد الأمرين أي مدة انتفائه ولا ينتفي الأحد المبهم إلا بانتفاء الأمرين معاً فإذا انتفيا انتفى الجناح وإن وجدا أو أحدهما وجد ، فإن وجد المسيس وجب{[11053]} المسمى أو مهر المثل . وإن وجد الفرض وجب نصفه إن خلا عن مسيس . قال الحرالي : ففي إنبائه صحة عقد النكاح مع إهمال ذكر الصداق لا مع إبطاله ، ففيه صحة نكاح التفويض{[11054]} ونكاح التأخير لذكر الصداق ، فبان به أن الصداق ليس ركناً فيه وأن إبطاله مانع من بنائه ، فيكون له ثلاثة أحوال من رفع الجناح فيه عن{[11055]} المهمل الذي لم يمس فيه كأنه كان يستحق فرضاً ما فرفع{[11056]} عنه جناحه من حيث إن على الماس كلية النحلة وعلى الفارض شطر النحلة{[11057]} فرفع عنه جناح الفرض{[11058]} وجبر موضع الفرض{[11059]} بالإمتاع ، ولذلك ألزمت{[11060]} المتعة طائفة من العلماء - انتهى .

ولما كان التقدير : وطلقوهن إن أردتم وراعوا فيهن ما أوجبت من الحقوق لكم وعليكم عطف عليه قوله : { ومتعوهن } أي جبراً{[11061]} لما وقع من الكسر بالطلاق على حسب حال المطلقين ، والمطلقة{[11062]} من غير مس ولا فرض تستحقه{[11063]} للمتعة بالإجماع - نقله الأصبهاني{[11064]} . و { على الموسع } منهم{[11065]} أي الذي له في حاله{[11066]} سعة . وقال الحرالي : هو{[11067]} من الإيساع وهو المكنة في السعة التي هي أكثر من{[11068]} الكفاية { قدره } من القدر وهو الحد المحدود في الشيء حساً أو معنى { وعلى المقتر } أي الذي في حاله{[11069]} ضيق . قال الحرالي : هو{[11070]} من الإقتار وهو النقص من القدر الكافي - انتهى{[11071]} { قدره } أي ما يقدر عليه ويطيقه ، وقراءة فتح الدال كقراءة إسكانها فإنهما{[11072]} لغتان {[11073]}أو أن الفتح مشير إلى التفضل{[11074]} بتحمل شيء ما فوق القدرة { متاعاً } أي تمتيعاً { بالمعروف } وهو ما ليس فيه في الشرع نكارة { حقاً على المحسنين * } أي الذين صار الإحسان لهم وصفاً لازماً ، والإحسان غاية رتب الدين كأنه{[11075]} كما قال الحرالي إسلام ظاهر يقيمه إيمان باطن يكمله إحسان شهودي - انتهى . فالكلام على هذا النظام إلهاب وتهييج لا قيد ، وإنما كانت إحساناً لأن ملاك القصد فيها كما قال الحرالي ما تطيب{[11076]} به نفس المرأة ويبقى باطنها وباطن أهلها سلماً أو ذا مودة{ لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً{[11077]} }[ الطلاق : 1 ] انتهى . ولا شك في أن هذا إحسان .


[11047]:في م: حق.
[11048]:في م: ضم.
[11049]:من م ومد وظ، وفي الأصل: فكان.
[11050]:من م وظ ومد، وفي الأصل: ما.
[11051]:نزلت في أنصاري تزوج حنيفية ولم يسم مهرا ثم طلقها قبل أن يمسها فقال صلى الله عليه وسلم: متعها ولو بقلنسوتك، فذلك قوله: "لا جناح عليكم" – الآية، ومناسبتها لما قبلها أنه لما بين تعالى حكم النطلقات المدخول بهن والمتوفى عنهن أزواجهن بين حكم المطلقة غير المدخول بها وغير المسمى لها مدخولا بها أو غير ذلك – البحر المحيط 2 / 231.
[11052]:في مد: مع.
[11053]:في م: وجد.
[11054]:من م وظ، وفي الأصل: التفريض، وفي مد مطموس.
[11055]:في م: بمن.
[11056]:في م: رفع.
[11057]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد وظ.
[11058]:كرره في م.
[11059]:العبارة المحجوزة زيدت من م ومد وظ
[11060]:من م وظ، وفي الأصل: الزمن ولا يتضح في مد.
[11061]:من م ومد وظ، وفي الأصل: خيرا – كذا.
[11062]:العبارة من هنا إلى "سعة" ليست في مد.
[11063]:في م: مستحقة.
[11064]:في م وظ: الأصفهاني.
[11065]:من م وظ، وفي الأصل: منع.
[11066]:في الأصل: حالة والتصحيح من م وظ ومد.
[11067]:زيد من م وظ ومد.
[11068]:في م: في.
[11069]:في الأصل: حالة، والتصحيح من ظ ومد.
[11070]:ليس في م.
[11071]:ليس في ظ. وقال الأندلسي: هذا مما يؤكد الوجوب في المتعة إذا أتى بعد الأمر الذي هو ظاهر في الوجوب بلفظ على التي تستعمل في الوجوب كقوله و 'على المولود له رزقهن" "فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب" والموسع الموسر، والمقتر الضيق الحال، وظاهره اعتبار حال الزوج فمن اعتبر ذلك بحال الزوجة دون الزوج أو بحال الزوج والزوجة فهو مخالف للظاهر وقد جاء هذا القدر مبهما فطريقة الاجتهاد غلبة الظن إذ لم يأت فيه بشيء موقت، ومعنى قدره مقدار ما يطيقه الزوج – البحر المحيط 2 / 233.
[11072]:من م ومد وظ، وفي الأصل: كأنهما.
[11073]:العبارة من هنا إلى "القدرة" ساقطة من ظ.
[11074]:في م: التفصيل.
[11075]:في م: فكأنه وفي ظ ومد: فإنه.
[11076]:في مد: تطمئن.
[11077]:سورة 65 آية 1.