ذلك كان موقفهم مع أنبيائهم ، يبينه ويقرره ، ثم يجابههم بموقفهم من الرسالة الجديدة والنبي الجديد ، فإذا هم هم ، كأنهم أولئك الذين جابهوا الأنبياء من قبل :
( وقالوا : قلوبنا غلف . بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . فلعنة الله على الكافرين . بئسما اشتروا به أنفسهم : أن يكفروا بما أنزل الله - بغيا ، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده - فباؤوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين . وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله ، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا . ويكفرون بما وراءه ، وهو الحق مصدقا لما معهم ، قل : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ؟ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون . وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور : خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا . قالوا : سمعنا وعصينا ، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم . قل : بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ! ) . .
إن الأسلوب هنا يعنف ويشتد ، ويتحول - في بعض المواضع - إلى صواعق وحمم . . إنه يجبههم جبها شديدا بما قالوا وما فعلوا ؛ ويجردهم من كل حججهم ومعاذيرهم ، التي يسترون بها استكبارهم عن الحق ، وأثرتهم البغيضة ، وعزلتهم النافرة ، وكراهتهم لأن ينال غيرهم الخير ، وحسدهم أن يؤتي الله أحدا من فضله . جزاء موقفهم الجحودي المنكر من الإسلام ورسوله الكريم . .
( وقالوا : قلوبنا غلف . بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) . .
قالوا : إن قلوبنا مغلفة لا تنفذ إليها دعوة جديدة ، ولا تستمع إلى داعية جديد ! قالوها تيئيسا لمحمد [ ص ] وللمسلمين ، من دعوتهم إلى هذا الدين ؛ أو تعليلا لعدم استجابتهم لدعوة الرسول . .
ويقول الله ردا على قولتهم : ( بل لعنهم الله بكفرهم ) . . أي إنه طردهم وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم . فهم قد كفروا ابتداء فجازاهم الله على الكفر بالطرد وبالحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى . . ( فقليلا ما يؤمنون ) . . أي قليلا ما يقع منهم الإيمان بسبب هذا الطرد الذي حق عليهم جزاء كفرهم السابق ، وضلالهم القديم . أو أن هذه حالهم : أنهم كفروا فقلما يقع منهم الإيمان ، حالة لاصقة بهم يذكرها تقريرا لحقيقتهم . . وكلا المعنيين يتفق مع المناسبة والموضوع .
غلف : جمع أغلف : أي مغشاة بأغلفة مانعة من وصول الهدى إليها .
88- وقالوا قلوبنا غلف . أي أمر اليهود على العناد الكفر وعدم الاستماع إلى ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم معللين عدم إيمانهم بأن قلوبهم مغشاة بأغطية لا ينفذ منها إلى قلوبهم ما جاء به صلوات الله عليه حتى تفقه عقولهم .
على حد قول مشركي مكة . وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب . ( فصلت : 5 ) .
يعنون أن قلوبهم ليس فيها استعداد لقبول ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وقد كذبوا ، فإنه دين الفطرة ، فلو تركوا فطرتهم كما خلقت عليه لقبلته وآمنت به ، ولكنهم استكبروا وآثروا الضلالة على الهدى فلعنهم الله بكفرهم وأوهن يقينهم .
بل لعنهم الله بكفرهم . و . بل . هنا للإضراب الإبطالي ، ورد ما يقولونه أي : ليس الأمر كما زعموا بل أبعدهم الله عن رحمته بأن خذلهم وتركهم وشأنهم ، بسبب إصرارهم على الكفر وعنادهم في قبول الحق ، فاستحقوا أن يحرمهم الله من لطفه ورحمته . وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون . ( آل عمران : 117 ) .
فقليلا ما يؤمنون . أي فهم يؤمنون إيمانا قليلا ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب وتحريف بعضه الآخر أو ترك العمل به ، والذين آمنوا به كان قولا باللسان تكذبه الأعمال ، إذ لم يكن للإيمان سلطان على قلوبهم ، فيكون هو المحرك لإرادتهم ، وإنما يحركها الهوى والشهوة ، ويصرفها عامل اللذة .
وقد يكون المعنى كما قال ابن جرير الطبري : إنه لا يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به إلا القليل منهم ، فالمخالفة لم تغير كل الشعب ، بل غيرت الأكثر منهم ونجا نفر قليل .
ولما بين سبحانه مخازيهم حتى ختمها بعظيم ما ارتكبوا من الرسل من القتل المعنوي بالتكذيب والحسي بإزهاق الروح مع العلم بأنهم أتوا بالبينات والآيات المعجزات فأرشد المقام إلى أن التقدير فقالوا للأنبياء لما أتوهم أموراً كثيرة يعجب من صدورها عن عاقل وأتوا في الجواب عن تكذيبهم وقتلهم من التناقضات بما لا يرضاه عالم ولا جاهل عطف عليه أو{[3583]} على
{ وقالوا لن تمسّنا النار{[3584]} }[ البقرة : 80 ] قوله - بياناً لشدة بهتهم وقوة عنادهم : { وقالوا{[3585]} } في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جواهر العلم التي هي أوضح من الشمس { قلوبنا غلف{[3586]} } جمع أغلف وهو المغشى الذكر بالقلفة التي هي جلدته ، كأن الغلفة{[3587]} في طرفي المرء : ذكره وقلبه ، حتى يتم الله كلمته في طرفيه بالختان{[3588]} والإيمان - قاله الحرالي . فالمعنى : عليها أغطية فهي لا تفهم ما تقولون{[3589]} . فكان المراد بذلك مع أنهم أعلم الناس أن ما يقولونه{[3590]} ليس بأهل لأن{[3591]} يوجه إليه الفهم ، ولذلك أضرب الله{[3592]} سبحانه عنه{[3593]} بقوله : { بل } أي ليس الأمر كما قالوا{[3594]} من أن هناك غلفاً حقيقة بل{[3595]} { لعنهم الله } أي طردهم{[3596]} الملك الأعظم{[3597]} عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة{[3598]} بعد أن خلقهم على الفطرة الأولى القويمة{[3599]} لا غلف على قلوبهم ، لأن اللعن إبعاد في المعنى والمكانة والمكان إلى أن يصير الملعون بمنزلة النعل في أسفل القامة يلاقي به ضرر الموطي - قاله الحرالي{[3600]} .
ثم بين علة ذلك بقوله : { بكفرهم } . قال الحرالي : أعظم الذنوب ما تكون{[3601]} عقوبة الله تعالى{[3602]} عليها الإلزام بذنوب أشد منها ، فأعقب استكبارهم اللعن كما كان في حق إبليس مع آدم عليه السلام ، فانتظم صدر هذه السورة إظهار الشيطنتين من الجن والإنس الذي انختم به القرآن في قوله :
{ من الجنة والناس }[ الناس : 6 ] ليتصل طرفاه ، فيكون ختماً لا أول له ولا آخر ، والفاتحة محيطة به لا يقال{[3603]} : هي أوله ولا آخره ، ولذلك ختم بعض القراء بوصله حتى لا يتبين له طرف ، كما قالت العربية{[3604]} لما سئلت عن بنيها : هم{[3605]} كالحلقة المفرغة{[3606]} لا يدرى أين طرفاها . ولما أخبر بلعنهم سبب{[3607]} عنه قوله : { فقليلاً ما يؤمنون } ، فوصفه بالقلة وأكده بما{[3608]} إيذاناً بأنه مغمور{[3609]} بالكفر لا غناء له{[3610]} .