ومرة أخرى نشهد ذلك المشهد الرائع الباهر . . مشهد العقيدة وقد استعلنت في النفس ، واستولت على القلب ، بعدما وضحت وضوحها الكامل وانجلى عنها الغبش . . نشهدها وقد ملأت الكيان الإنساني ، فلم يعد وراءها شيء . وقد سكبت فيه الطمأنينة الواثقة بربه الذي وجده في قلبه وعقله وفي الوجود من حوله . . وهو مشهد يتجلى بكل روعته وبهائه في الفقرة التالية في السياق .
لقد انتهى إبراهيم إلى رؤية الله - سبحانه - في ضميره وعقله وفي الوجود من حوله . وقد اطمأن قلبه واستراح باله . وقد احس بيد الله تأخذ بيده وتقود خطاه في الطريق . . والآن يجيء قومه ليجادلوه فيما انتهى إليه من يقين ؛ وفيما انشرح له صدره من توحيد ؛ وليخوفوه آلهتهم التي تنكر لها أن تنزل به سوءا . . وهو يواجههم في يقينه الجازم ؛ وفي إيمانه الراسخ ؛ وفي رؤيته الباطنة والظاهرة لربه الحق الذي هداه :
( وحاجه قومه ، قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا ، وسع ربي كل شيء علما . أفلا تتذكرون ؟ وكيف أخاف ما أشركتم ، ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا ؟ فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ؟ ) . .
إن الفطرة حين تنحرف تضل ؛ ثم تتمادى في ضلالها ، وتتسع الزاوية ويبعد الخط عن نقطة الابتداء ، حتى ليصعب عليها أن تثوب . . وهؤلاء قوم إبراهيم - عليه السلام - يعبدون أصناما وكواكب ونجوما . فلا يتفكرون ولا يتدبرون هذه الرحلة الهائلة التي تمت في نفس إبراهيم . ولم يكن هذا داعيا لهم لمجرد التفكر والتدبر .
بل جاءوا يجادلونه ويحاجونه . وهم على هذا الوهن الظاهر في تصوراتهم وفي ضلال مبين .
ولكن إبراهيم المؤمن الذي وجد الله في قلبه وعقله وفي الوجود كله من حوله ، يواجههم مستنكرا في طمأنينة ويقين :
( قال : أتحاجوني في الله وقد هدان ؟ ) . .
أتجادلونني في الله وقد وجدته يأخذ بيدي ، ويفتح بصيرتي ، ويهديني إليه ، ويعرفني به . . لقد أخذ بيدي وقادني فهو موجود - وهذا هو في نفسي دليل الوجود - لقد رأيته في ضميري وفي وعيي ، كما رأيته في الكون من حولي . فما جدالكم في أمر أنا أجده في نفسي ولا أطلب عليه الدليل . فهدايته لي إليه هي الدليل ؟ !
وكيف يخاف من وجد الله ؟ وماذا يخاف ومن ذا يخاف ؟ وكل قوة - غير قوة الله - هزيلة وكل سلطان - غير سلطان الله - لا يخاف ؟ !
ولكن إبراهيم في عمق إيمانه ، واستسلام وجدانه ، لا يريد أن يجزم بشيء إلا مرتكنا إلى مشيئة الله الطليقة ، وإلى علم الله الشامل :
وسع ربي كل شيء علما : أحاط علمه بكل شيء .
80- وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان . . . . . الآية . أي جادلوه في التوحيد الذي توصل إليه ، وحاولوا أن يقنعوه بصحة اتخاذ الآلهة الأخرى ، وخوفوه من ضررها وغضبها .
قال : أتحاجوني في الله وقد هدان .
أي أتجادلونني في شأنه تعالى – وفي أدلة وحدانيته ، والحال أنه سبحانه قد هداني إلى الدين الحق ، وإلى إقامة الدليل عليكم بأنه هو المستحق للعبادة .
ولا أخاف ما تشركون به . . . أي لا أخاف معبوداتكم ، لأنها جمادات لا تضر ولا تنفع ولا تبصر ولا تسمع .
إلا أن يشاء ربي شيئا . أي لكن إن شاء ربي وقوع شيء ، من الضرر لي بذنب عملته فالأمر إليه ، وذلك منه لا من معبوداتكم .
وسع ربي كل شيء علما . أي أحاط ربي علما بكل شيء ، فلا يقع في ملكه إلا ما شاء هو ، وليست لآلهتكم مشيئة حتى أخافها .
أفلا تتذكرون . أي أتعرضون أيها الغافلون عن التأمل في أن آلهتكم جمادات غير قادرة على شيء ما ، فلا تتذكرون أنها عاجزة عن إلحاق ضرر بي ؟
وهذه أمور بديهية ، لكن القوم من طول ما ألفوا الباطل وعبادة الأصنام ، توهموا أن لها قدرة على إلحاق الضرر بمن ترك عبادتها .
حاجة قومه : جادلوه وحاولوا غلبه بالحجة ، والحجة : البينة والدليل القوي .
{ أتحاجّوني في الله } : أتجادلونني في توحيد الله وقد هداني إليه ، فكيف أتركه وأنا منه على بينة .
لما أقام إبراهيم الدليل على بطلان عبادة غير الله تعالى وتبرأ من الشرك والمشركين حاجه قومه في ذلك فقال منكراً عليهم ذلك : { أتحاجوني في الله وقد هدان } أي كيف يصح منكم جدال لي في توحيد الله وعبادته ، وترك عبادة من سواه من الآلهة المدعاة وهي لم تخلق شيئاً ولم تنفع ولم تضر ، ومع هذا فقد هداني إلى معرفته وتوحيده وأصبحت على بينة منه سبحانه وتعالى ، هذا ما دل عليه قوله تعالى ، { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان } . ولا شك أنهم لما تبرأ من آلهتهم خوفوه بها وذكروا له أنها قد تصيبه بمكروه فرد ذلك عليهم قائلا : { ولا أخاف ما تشركون به } من آلهة أن تصيبني بأذى ، { إلا أن يشاء ربي شيئاً } فإنه يكون قطعاً فقد { وسع ربي كل شيء علماً } ، ثم وبخهم قائلا { أفلا تتذكرون } فتذكروا ما أنتم عليه هو الباطل ، وأن ما أدعوكم إليه هو الحق .
قوله تعالى : { وحاجه قومه قال أتحجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون ( 80 ) وكيف خاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون ( 81 ) الذين ءامنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ( 82 ) وتلك حجتنا ءاتينها إبرهيم على قومه نرفع درجت من نشاء إن ربك حكيم عليم } .
حاجه ، أي خاصمه وجادله . والتحاج ، التخاصم . والحجة بالضم : البرهان . والمحجاج بمعنى الجدل{[1208]} .
قوله : { وحاجة قومه } أي جادلوه وخاصموه في دينه وهو التوحيد وعبادة الله وحده لا شريك له . وقد هددوه بالأصنام أن تصيبه بسوء إن لم يعبدها .
قوله : { أتحاجوني في الله وقد هدان } استفهام توبيخ . والمعنى : اتجادلونني في أمر الله وأنه سبحانه واحد لا شريك له وقد من علي بالهداية إلى الحق والصواب ؟ ! أيليق بذي عقل أن يخاصم في الحق الأبلج المستبين وفي الاستمساك بهذا الحق دون غيره من صور السفاهة والباطل ؟ !
قوله : { ولا أخاف ما تشركون به أن يشاء ربي شيئا } هذا برهان على كذب المشركين وفساد قولهم ، إذ هددوا إبراهيم عليه الصلاة والسلام بمس الأصنام له إن لم يعبدها ، وهي في الحقيقة ليست إلا أحجارا صماء أو نحوها من الجوامد المصطنعة المركومة فلا تعقل أو تسمع ولا تضر أو تنفع . والتهديد بها ليس إلا ضربا من الهذيان والتخريف . فبين إبراهيم عليه السلام للمشركين أنه لا يخشى أصنامهم فهي حجارة خرساء بلهاء لا ينبغي الالتفات إليها أو الاهتمام بها أو التخوف منها .
قوله : { إلا أن يشاء ربي شيئا } استثناء منقطع . وشيئا منصوب على المصدر . أي مشيئة . أي لا يصيبني شيء من هذه الأصنام فإنها جوامد لا تريم بل الذي يضر وينفع هو الله . فإن شاء أن يصيبني بمكروه كان ذلك .
قوله : { وسع ربي كل شيء علما } أي وسع علم الله كل شيء . أو أحاط علمه بجميع الأشياء فلا تخفى عليه خافية . وبذلك ما من مكروه يصيب الإنسان ولا مصيبة تحل به إلا هي جارية على سنن الله وضمن علمه الواسع الذي يحيط بالأشياء كافة . وقوله : { علما } منصوب على التمييز{[1209]} .
قوله : { أفلا تتذكرون } استفهام تقريع وتوبيخ ، أي أفلا تعتبرون مما بينته لكم فتبادروا بالإيمان والطاعة . فقد بينت لكم أن ما تعبدونه باطل وإنما المعبود الحق الله وحده خالق ما تأفكون وما تصطعنون من آلهة .