بعد ذلك يجيء الحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما . والتسلسل في السياق واضح بين الحديث عن الأهلة وإنها مواقيت للناس والحج ؛ والحديث عن القتال في الأشهر الحرم وعن المسجد الحرام ؛ والحديث عن الحج والعمرة وشعائرهما في نهاية الدرس نفسه :
( وأتموا الحج والعمرة لله . فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي . ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله . فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك . فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي . فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم ، تلك عشرة كاملة ، ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام . واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب . . الحج أشهر معلومات ، فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحج . وما تفعلوا من خير يعلمه الله ، وتزودوا فإن خير الزاد التقوى ، واتقون يا أولي الألباب . . ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم . فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ، واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين . ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله ، إن الله غفور رحيم . . فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرا . فمن الناس من يقول : ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق . ومنهم من يقول : ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة . وقنا عذاب النار . أولئك لهم نصيب مما كسبوا والله سريع الحساب . . واذكروا الله في أيام معدودات فمن تعجل في يومين فلا إثم عليه ، ومن تأخر فلا إثم عليه لمن اتقى ، واتقوا الله واعلموا أنكم إليه تحشرون ) . .
وليس لدينا تاريخ محدد لنزول آيات الحج هذه إلا رواية تذكر أن قوله تعالى ( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) نزلت في الحديبية سنة ست من الهجرة . كذلك ليس لدينا تاريخ مقطوع به لفرضية الحج في الإسلام . سواء على الرأي الذي يقول بأنه فرض بآية : ( وأتموا الحج والعمرة لله ) . . أو بآية ( ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ) . . الواردة في سورة آل عمران . فهذه كتلك ليس لدينا عن وقت نزولها رواية قطعية الثبوت . وقد ذكر الإمام ابن قيم الجوزية في كتاب : " زاد المعاد " إن الحج فرض في السنة التاسعة أو العاشرة من الهجرة ؛ ارتكانا منه إلى أن الرسول [ ص ] حج حجة الوداع في السنة العاشرة ؛ وأنه أدى الفريضة عقب فرضها إما في السنة التاسعة أو العاشرة . . ولكن هذا لا يصلح سندا . فقد تكون هناك اعتبارات أخرى هي التي جعلت الرسول [ ص ] يؤخر حجه إلى السنة العاشرة . وبخاصة إذا لاحظنا أنه أرسل أبا بكر - رضي الله عنه - أميرا على الحج في السنة التاسعة . وقد ورد أن رسول الله [ ص ] لما رجع من غزوة تبوك هم بالحج ؛ ثم تذكر أن المشركين يحضرون موسم الحج على عادتهم ، وأن بعضهم يطوفون بالبيت عراة ، فكره مخالطتهم . . ثم نزلت براءة ، فأرسل [ ص ] علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه - يبلغ مطلع براءة للناس ، وينهي بها عهود المشركين ، ويعلن يوم النحر إذا اجتمع الناس بمنى : " أنه لا يدخل الجنة كافر ، ولا يحج بعد العام مشرك ، ولا يطوف بالبيت عريان . ومن كان له عهد عند رسول الله [ ص ] فهو إلى مدته " . . . . ومن ثم لم يحج [ ص ] حتى تطهر البيت من المشركين ومن العرايا . .
وهناك ما يستأنس به على أن فريضة الحج وشعائره قد أقرها الإسلام قبل هذا . وقد ورد أن الفريضة كتبت في مكة قبل الهجرة . ولكن هذا القول قد لا يجد سندا قويا . إلا أن آيات سورة الحج المكية - على الأرجح - ذكرت معظم شعائر الحج ، بوصفها الشعائر التي أمر الله إبراهيم بها . وقد ورد فيها : ( وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا ، وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود ، وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق . ليشهدوا منافع لهم ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم ، وليوفوا نذورهم ، وليطوفوا بالبيت العتيق ) . . ( ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب ، لكم فيها منافع إلى أجل مسمى ، ثم محلها إلى البيت العتيق ) . . ( والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف . فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها ، وأطعموا القانع والمعتر . كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون . لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ، ولكن يناله التقوى منكم كذلك سخرها لكم لتكبروا الله على ما هداكم ، وبشر المحسنين ) . .
وقد ذكر في هذه الآيات أو أشير إلى الهدي والنحر والطواف والإحلال من الإحرام وذكر اسم الله . وهي شعائر الحج الأساسية . وكان الخطاب موجها إلى الأمة المسلمة موصولة بسيرة أبيهم إبراهيم . مما يشير إلى فرضية الحج في وقت مبكر ، باعتباره شعيرة إبراهيم الذي إليه ينتسب المسلمون . فإذا كانت قد وجدت عقبات من الصراع بين المسلمين والمشركين - وهم سدنة الكعبة إذ ذاك - جعلت أداء الفريضة متعذرا بعض الوقت ، فذلك اعتبار آخر . وقد رجحنا في أوائل هذا الجزء أن بعض المسلمين كانوا يؤدون الفريضة أفرادا في وقت مبكر ؛ بعد تحويل القبلة في السنة الثانية من الهجرة .
وعلى أية حال فحسبنا هذا عن تاريخ فرض الحج ، لنواجه الآيات الواردة هنا عن شعائره ، وعنالتوجيهات الكثيرة في ثناياها .
( وأتموا الحج والعمرة لله - فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي - ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله . فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك . فإذا أمنتم : فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي . فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم - تلك عشرة كاملة . ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ) . .
وأول ما يلاحظ في بناء الآية هو تلك الدقة التعبيرية في معرض التشريع ، وتقسيم الفقرات في الآية لتستقل كل فقرة ببيان الحكم الذي تستهدفه . ومجيء الاستدراكات على كل حكم قبل الانتقال إلى الحكم التالي . . ثم ربط هذا كله في النهاية بالتقوى ومخافة الله . .
والفقرة الأولى في الآية تتضمن الأمر بإتمام أعمال الحج والعمرة إطلاقا متى بدأ الحاج أو المعتمر فأهل بعمرة أو بحج أو بهما معا ؛ وتجريد التوجه بهما لله :
( وأتموا الحج والعمرة لله ) . .
وقد فهم بعض المفسرين من هذا الأمر أنه إنشاء لفريضة الحج . وفهم بعضهم أنه الأمر بإتمامه متى بدىء - وهذا هو الأظهر - فالعمرة ليست فريضة عند الجميع ومع هذا ورد الأمر هنا بإتمامها كالحج . مما يدل على أن المقصود هو الأمر بالإتمام لا إنشاء الفريضة بهذا النص . ويؤخذ من هذا الأمر كذلك أن العمرة - ولو أنها ابتداء ليست واجبة - إلا أنه متى أهل بها المعتمر فإن اتمامها يصبح واجبا . والعمرة كالحج في شعائرها ما عدا الوقوف بعرفة . والأشهر أنها تؤدي على مدار العام . وليست موقوتة بأشهر معلومات كالحج .
ويستدرك من هذا الأمر العام بإتمام الحج والعمرة حالة الإحصار . من عدو يمنع الحاج والمعتمر من إكمال الشعائر - وهذا متفق عليه - أو من مرض ونحوه يمنع من إتمام أعمال الحج والعمرة - واختلفوا في تفسير الإحصار بالمرض والراجح صحته - :
( فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ) . .
وفي هذه الحالة ينحر الحاج أو المعتمر ما تيسر له من الهدي ويحل من إحرامه في موضعه الذي بلغه . ولو كان لم يصل بعد إلى المسجد الحرام ولم يفعل من شعائر الحج والعمرة إلا الإحرام عند الميقات [ وهو المكان الذي يهل منه الحاج أو المعتمر بالحج أو العمرة أو بهما معا ، ويترك لبس المخيط من الثياب ، ويحرم عليه حلق شعره أو تقصيره أو قص أظافره كما يحرم عليه صيد البر وأكله . . . ]
وهذا ما حدث في الحديبية عندما حال المشركون بين النبي [ ص ] ومن معه من المسلمين دون الوصول إلى المسجد الحرام ، سنة ست من الهجرة ، ثم عقدوا معه صلح الحديبية ، على أن يعتمر في العام القادم . فقد ورد أن هذه الآية نزلت ؛ وأن رسول الله [ ص ] أمر المسلمين الذين معه أن ينحروا في الموضع الذي بلغوا إليه ويحلوا من إحرامهم فتلبثوا في تنفيذ الأمر ، وشق على نفوسهم أن يحلوا قبل أن يبلغ الهدي محله - أي مكانه الذي ينحر فيه عادة - حتى نحر النبي [ ص ] هديه أمامهم وأحل من إحرامه . . ففعلوا . .
وما استيسر من الهدي ، أي ما تيسر ، والهدي من النعم ، وهي الإبل والبقر والغنم والمعز ، ويجوز أن يشترك عدد من الحجاج في بدنة أي ناقة أو بقرة ، كما اشترك كل سبعة في بدنة في عمرة الحديبية ، فيكون هذا هو ما استيسر ؛ ويجوز أن يهدي الواحد واحدة من الضأن أو المعز فتجزيء .
والحكمة من هذا الاستدراك في حالة الإحصار بالعدو كما وقع في عام الحديبية ، أو الإحصار بالمرض ، هي التيسير ، فالغرض الأول من الشعائر هو استجاشة مشاعر التقوى والقرب من الله ، والقيام بالطاعات المفروضة . فإذا تم هذا ، ثم وقف العدو أو المرض أو ما يشبهه في الطريق فلا يحرم الحاج أو المعتمر أجر حجته أو عمرته . ويعتبر كأنه قد أتم . فينحر ما معه من الهدى ويحل . وهذا التيسير هو الذي يتفق مع روح الإسلام وغاية الشعائر وهدف العبادة .
وبعد هذا الاستدراك من الأمر الأول العام ، يعود السياق فينشىء حكما جديدا عاما من أحكام الحج والعمرة .
( ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله ) . .
وهذا في حالة الإتمام وعدم وجود الإحصار . فلا يجوز حلق الرؤوس - وهو إشارة إلى الإحلال من الإحرام بالحج أو العمرة أو منهما معا - إلا بعد أن يبلغ الهدي محله . وهو مكان نحره . بعد الوقوف بعرفة ، والإفاضة منها . والنحر يكون في منى في اليوم العاشر من ذي الحجة ، وعندئذ يحل المحرم . أما قبل بلوغ الهدي محله فلا حلق ولا تقصير ولا إحلال .
واستدراكا من هذا الحكم العام يجيء هذا الاستثناء :
( فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك ) . .
ففي حالة ما إذا كان هناك مرض يقتضي حلق الرأس ، أو كان به أذى من الهوام التي تتكون في الشعر حين يطول ولا يمشط ، فالإسلام دين اليسر والواقع يبيح للمحرم أن يحلق شعره ، - قبل أن يبلغ الهدي الذي ساقه عند الإحرام محله ، وقبل أن يكمل أفعال الحج - وذلك في مقابل فدية : صيام ثلاثة أيام ، أو صدقة بإطعام ستة مساكين ، أو ذبح شاة والتصدق بها . وهذا التحديد لحديث النبي [ ص ] قال البخاري - بإسناده إلى كعب بن عجرة - قال : حملت إلى النبي [ ص ] والقمل يتناثر على وجهي . فقال : " ما كنت أرى أن الجهد بلغ بك هذا . أما تجد شاة ؟ قلت : لا . قال : صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ستة مساكين ، لكل مسكين نصف صاع من طعام ، وأحلق رأسك " . .
ثم يعود إلى حكم جديد عام في الحج والعمرة :
( فإذا أمنتم ، فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي ) . .
أي فإذا لم تحصروا ، وتمكنتم من أداء الشعائر ، فمن أراد التمتع بالعمرة إلى الحج فلينحر ما استيسر من الهدي . . وتفصيل هذا الحكم : أن المسلم قد يخرج للعمرة فيهل محرما عند الميقات . حتى إذا فرغ من العمرة - وهي تتم بالطواف بالبيت والسعي بين الصفا والمروة - أحرم للحج وانتظر أيامه . وهذا إذا كان في أشهر الحج ، وهي شوال وذو القعدة والعشرة الأولى من ذي الحجة . . هذه صورة من صور التمتع بالحج إلى العمرة . والصورة الثانية هي أن يحرم من الميقات بعمرة وحج معا . فإذا قضى مناسك العمرة انتظر حتى يأتي موعد الحج . وهذه هي الصورة الثانية للتمتع - وفي أي من الحالتين على المعتمر المتمتع أن ينحر ما استيسر من الهدي بعد العمرة ليحل منها ؛ ويتمتع بالإحلال ما بين قضائه للعمرة وقضائه للحج . وما استيسر يشملالمستطاع من الأنعام سواء الإبل والبقر أو الغنم والمعز .
فإذا لم يجد ما استيسر من الهدي فهناك فدية :
( فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم . تلك عشرة كاملة ) . .
والأولى أن يصوم الأيام الثلاثة الأولى قبل الوقوف بعرفة في اليوم التاسع من ذي الحجة . أما الأيام السبعة الباقية فيصومها بعد عودته من الحج إلى بلده . . ( تلك عشرة كاملة ) . . ينص عليها نصا للتوكيد وزيادة البيان . . ولعل حكمة الهدي أو الصوم هي استمرار صلة القلب بالله ، فيما بين العمرة والحج ، فلا يكون الإحلال بينهما مخرجا للشعور عن جو الحج ، وجو الرقابة ، وجو التحرج الذي يلازم القلوب في هذه الفريضة . .
ولما كان أهل الحرم عماره المقيمين فيه لا عمرة لهم . . إنما هو الحج وحده . . لم يكن لهم تمتع ، ولا إحلال بين العمرة والحج . ومن ثم فليس عليهم فدية ولا صوم بطبيعة الحال :
( ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ) . .
وعند هذا المقطع من بيان أحكام الحج والعمرة يقف السياق ليعقب تعقيبا قرآنيا ، يشد به القلوب إلى الله وتقواه :
( واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب ) . .
وهذه الأحكام ضمان القيام بها هو هذه التقوى ، وهي مخافة الله ، وخشية عقابه . والإحرام بصاحبه تحرج . فإذا أباح لهم الإحلال فترة أقام تقوى الله وخشيته في الضمير ، تستجيش فيه هذا الترج ، وتقوم بالحراسة في انتباه !
{ وأتموا الحج والعمرة لله فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي ولا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدى محله فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب( 196 ) }
الحصر والإحصار : الحبس والتضييق ، يقال حصره عن السفر وأحصره إذا حبسه ومنعه .
الهدى : يطلق على الواحد والجمع وهو ما يهديه الحاج والمعتمر إلى البيت الحرام من النعم ليذبح ويفرق على الفقراء .
المحل : ( بكسر الحاء ) مكان الحلول والنزول .
حاضروا المسجد الحرام : هم أهل مكة وما دونها إلى المواقيت .
أتموا الحج والعمرة خالصين لله بعيدين عن الرياء .
فإن منعتم من إتمامها وأنتم محرمون فعليكم إذا أردتم التحلل أن تذبحوا ما تيسر لكم من الهدى ولا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه وهو الحرم .
ومن كان مريضا أو به جروح ولا يستطيع التمسك بالإحرام ومقضياته فإنه يحلق رأسه وعليه فدية هي صيام ثلاثة أيام أو ذبح شاة أو التصديق بفرق على ستة مساكين ( الفرق مكيال بالمدينة يزن ستة عشر رطلا ) .
فإذا زال الخوف من العدو فمن أتم العمرة وتحلل وبقي متمتعا إلى زمن الحج ليحج من مكة فعليه دم ( يذبح شاة أو يشترك مع سبعة في ذبح جمل أو بقرة ) .
فإذا لم يجد ثمن الهدى فعليه أن يصوم ثلاثة أيام قبل يوم عرفة ، وسبعة أيام إذا رجع إلى بلده .
إلا إذا كان من أهل مكة ، لأنهم يستطيعون أداء العمرة في جميع أيام السنة ، ولذلك يفردون الحج ولا يضمون إليه العمرة .
تعتبر هذه الآية وما بعدها من اجمع الآيات التي وردت في القرآن الكريم مبينة ما يتعلق بأحكام الحج وآدابه ، ويفترق الحج عن العمرة في عدة أشياء هي :
1 . الحج فريضة مرة في العمر لمن استطاع إليه سبيلا .
أما العمرة فهي سنة مؤكدة عند الحنفية والمالكية وفرض عند الشافعية والحنابلة .
2 . الحج له وقت معين يؤدى فيه من السنة . أما العمرة فتؤدى في أي وقت من أوقات السنة .
3 . ليس في العمرة وقوف بعرفة ، ولا نزول بمزدلفة ، ولا رمي جمار ، ولا جمع بين الصلاتين ، ولا طواف قدوم .
4 . ميقات العمرة الحل لجميع الناس ، وميقات للمكي الحرم .
- التحلل من الإحرام بالحلق أو التقصير .
- المبيت في منى الليلة التالية .
- رمي الجمار 49 حصاة أو 70 حصاة .
{ وأتموا الحج والعمرة لله . . . }
أي أتموا هذين النسكين خاصين لوجه الله . وقد كانت العرب تقصد الحج للاجتماع والتظاهر والتفاخر وقضاء الحوائج وحضور الأسواق دون أن يكون الله تعالى فيه حظ يقصد ، ولا قرابة تعتقد ، فأمر الله المسلمين أن ينزهوا عبادتهم عن الأفعال القبيحة والأقوال السيئة ، وأن يخلصوا أداءها لله .
والتجارة لا تنافي الإخلاص إذا لم تقصد لذاتها .
بدليل قوله تعالى : { ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم } . ( البقرة : 198 )
وأول حجة حجها المسلمون كانت سنة تسع بإمرة أبى بكر رضي الله عنه وكانت تمهيدا لحجة النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر ، وفيها أخبر أبو بكر المشركين الذين حجوا ألا يطوف بعد هذا العام مشرك ، ونزلت الآية : إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا . ( التوبة : 28 ) .
{ فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي . . . }
أي إن منعتم وأنتم محرمون من إتمام النسك بسبب عدو أو مرض أو نحوهما وأردتم أن تتحللوا فعليكم تقديم ما تيسر لكم من الهدى إبلا أو بقرا أو غنما أو معزا .
يذبحه المحصر عند الأكثرين حيث أحصر لأنه صلى الله عليه وسلم ذبح بالحديبية ، لما أحصر فيها وهي من الحل .
وعند أبو حنيفة رحمه الله يبعث به إلى الحرم ، ويتفق مع من بعثه على يوم يذبح فيه فإذا جاء اليوم وظن أنه ذبح تحلل ، لقوله تعالى : { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله } .
وبعض العلماء كالشافعية والمالكية يرون ن المراد بالإحصار في الآية ما كان بسبب عدو ، كما حدث للمسلمين في الحديبية ، أما إذا كان الإحصار بسبب مرض ، فإن الحاج أو المعتمر على إحرامه حتى يبرأ من مرضه ثم يذهب إلى البيت فيطوف به سبعا ويسعى بين الصفا والمروة ، وبهذا يتحلل من عمرته أو حجه ، ولا يتحلل بالذبح عندهم لا يكون إلا في حالة الإحصار بسبب العدو .
أما الأحناف فيرون أن الإحصار سواء أكان بسبب عدو أو مرض أو ما يشابههما فإنه يسيغ التحلل بالذبح إذ الآية عندهم تعم كل منع ، وعلى من أحصر أن يقضي الحج أو العمرة فيما بعد .
ومن لا هدلا معه وقت الإحصار ولا قدرة له عليه ، ثم أهدى عندما يقدر عليه ، نقله القرطبي عن الشافعي ، ويرى بعض الفقهاء إن المحصر بعدو لا يجب عليه القضاء وله ثواب الفريضة ، بأن لم يسبق له حج ولا عمرة ، وإلا وجب عليه أداؤها عندما يستطيع .
{ ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدي محله . . . }
أي لا تتحللوا من إحرامكم بالحلق حتى تعلموا أن الهدى المبعوث قد بلغ مكانه الذي يجب أن يراق فيه دمه وهو الحرم .
وهذا رأي الأحناف ، فقد قرروا أن المراد بالمحل البيت العتيق فهو اسم مكان لأن الله عو وجل قال في آية أخرى : ثم محلها إلى البيت العتيق . ( الحج : 33 ) .
وعليه فلا يجوز للمحصر أن يحلق ويتحلل إلا بعد أن يصل الهدى الذي يرسله إلى البيت الحرام ويذبح .
أما جمهور الفقهاء فيرون أن محل الهدى للمحصر هو المكان الذي فيه الإحصار ، دليلهم أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نحر هو وأصحابه هديهم بالحديبية وهي ليست من الحرم ، وذلك عندما منعه المشركون من دخول مكة .
قال الإمام الرازي : ومنشأ الخلاف البحث في تفسير هذه الآية ، فقد قال الشافعي وغيره : المحل في هذه الآية اسم للزمان الذي يحصل فيه التحلل : وقال أبو حنيفة : إنه اسم للمكان( 104 ) .
{ فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } .
يجب على المحرم إذا كان صحيحا ألا يخلع ملابس الإحرام ولا يحلق شعره أو يقصه طول مدة الإحرام ، فإن كان مريضا بمرض يحوجه إلى الحلق فله أن يلبس ملابسه العادية ، ويؤدي الفدية عن ذلك ، ومن كان برأسه أذى من حشرات أو جروح يستدعي علاجه أن يحلق ، حلق وفدى . والفدية هنا صوم ثلاثة أيام ، أو إطعام ستة مساكين لكل مسكين صاع من الطعام أو ذبح شاة وتوزيعها على الفقراء .
وعن ابن عباس في قوله : { من صيام أو صدقة أو نسك } . قال : إذا كان أو فأية أخذت أجزءا عنك ، قال ابن أبى حاتم ، وروى عن مجاهد وعكرمة وعطاء وغيرهم نحو ذلك ، قلت وهو مذهب الأئمة الأربعة وعامة العلماء أنه يخير في هذا المقام :
إن شاء صام وإن شاء تصدق بفرق( 105 ) ، وهو ثلاثة أصع لكل مسكين نصف صاع ، وهو مدان وإن شاء ذبح شاة وتصدق بها على الفقراء أي ذلك فعل أجزأه( 106 ) .
{ فإذا أمنتم فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي } .
أي فإذا تمكنتم من أداء مناسك الحج ثم تحلل من إحرامه وتمتع بحظ الروح في العمرة وبحظ الجسد في التحلل من الإحرام . ثم أحرم بالحج يوم التروية وهو الثامن من ذي الحجة وأدى مناسك الحج فعليه ما استيسر له الحصول عليه من الأنعام سواء الإبل أو البقر أو الغنم أو المعز يذبحه جبرا للتمتع عند قوم أو شكر لله عليه عند آخرين ، حيث تقرب إلى الله بالعمرة ، قبل أن يتقرب إليه بالحج .
ويذبح الهدى يوم النحر ويأكل كل منه كالأضحية لأنه دم شكران على نعمة التمتع فأجاز أبو حنيفة الأكل منه .
وذهب الشافعي إلى أن التمتع فيه تقصير والهدى لجبر هذا التقصير ، ولهذا لا يأكل منه صاحبه عند الشافعي .
{ فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم }
أي فمن لم يجد الهدى لعدم وجوده ، أو عدم المال الذي يشتري به . فعليه صيام ثلاثة أيام في أيام الإحرام بالحج .
وقد جعل سبحانه الصيام بدلا من الهدى زيادة في الرخصة والرحمة وزيادة في الرفق والتيسير ، فقد جعله على مرحلتين إحداهما تكون في وقت الحج ، ويفضل كثير من الفقهاء أن يصوم سادس ذي الحجة وسابعه وثامنه ، وثانيتهما تكون بعد الرجوع إلى أهله حيث يطمئن ويستقر فيصوم سبعة أيام .
أي هذه الأيام الثلاثة ، والأيام السبعة عشرة كاملة ، ووصفها بالكمال للتأكيد كما تقول العرب رأيت بعيني ، وسمعت بأذني وكتبت بيدي( 107 ) .
وقال الحسن ، كاملة في الثواب كمن أهدى ، وقيل كاملة في البدل عن الهدى يعني العشرة كلها بدل عن الهدى ، وقيل لفظها لفظ الإخبار ومعناها الأمر أي أكملوها فذلك فرضها( 108 ) .
{ ذلك لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام }
أي أن أهل الآفاق هم الذين يحتاجون إلى هذا التمتع لما يلحقهم مكن المشقة بالسفر إلى الحج وحده ثم العمرة وحدها ، أما أهل الحرام فليسوا في حاجة إلى ذلك ، فلا متعة ولا قران لحاضري المسجد الحرام ، لأن في إمكانهم أداء العمرة طول العام .
{ واتقوا الله واعلموا أن الله شديد العقاب }
ختم الآية بعد ذكر أحكامها بطلب التقوى جريا على النسق المطرد في آيات الأحكام السابقة .
أي راقبوا الله وحافظوا على امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه .
واعلموا أن شديد العقاب : أي لمن خالف أمره وانتهك حرماته وركب معاصيه .
{ وأتموا الحج والعمرة لله } أي : أكملوهما إذا ابتدأتم عملهما ، قال ابن عباس : إتمامهما إكمال المناسك ، وقال علي إتمامهما : أن تحرم بهما من دارك ، ولا حجة فيه لمن أوجب العمرة ؛ لأن الأمر إنما هو بالإتمام لا بالابتداء .
{ فإن أحصرتم } المشهور في اللغة أحصره المرض بالألف ، وحصره العدو وقيل : بالعكس ، وقيل : هما بمعنى واحد ، فقال مالك : أحصرتم هنا بالمرض على مشهور اللغة ، فأوجب عليه الهدي ولم يوجبه على من حصره العدو ، وقال الشافعي وأشهب : يجب الهدي على من حصره العدو ، وعمل الآية على ذلك ، واستدلا بنحر النبي صلى الله عليه وسلم الهدي بالحديبية ، وقال أبو حنيفة : يجب الهدي على المحصر بعدو وبمرض .
{ فما استيسر } أي : فعليكم ما استيسر من الهدي وذلك شاة .
{ ولا تحلقوا رؤوسكم } خطابا للمحصر وغيره .
{ فمن كان منكم مريضا } : نزلت في كعب بن عجرة حين رآه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له : " لعلك يؤذيك هوام رأسك : احلق رأسك ، وصم ثلاثة أيام ، أوأطعم ستة مساكين ، أو انسك بشاة " ، فمعنى الآية أن من كان في الحج واضطره مرض أو قمل إلى حلق رأسه قبل يوم النحر : جاز له حلقه وعليه صيام أو صدقة أو نسك حسبما تفسر في الحديث ، وقاس الفقهاء على حلق الرأس سائر الأشياء التي يمنع الحاج منها إلا الصيد والوطء ، وقصر الظاهرية ذلك على حلق الرأس ، ولا بد في الآية من مضمر لا ينتقل الكلام عنه ، وهو المسمى فحوى الخطاب ، وتقديرها : فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه فحلق رأسه فعليه فدية .
{ فإذا أمنتم } أي : من المرض على قول مالك ، ومن العدو على قول غيره ، والمعنى : إذا كنتم بحال أمن سواء تقدم مرض أو خوف عدو أو لم يتقدم .
{ فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } التمتع عند مالك وغيره : هو أن يعتمر الإنسان في أشهر الحج ، ثم يحج من عامه ، فهو قد تمتع بإسقاط أحد السفرين للحج أو العمرة ، وقال عبد الله بن الزبير : التمتع هو أن يحصر عن الحج بعدو حتى يفوته الحج ، فيعتمر عمرة يتحلل بها من إحرامه ، ثم يحج من قابل قضاء لحجته ، فهو قد تمتع بفعل الممنوعات من الحج في وقت تحلله بالعمرة إلى الحج القابل ، وقيل : التمتع هو قران الحج والعمرة { فما استيسر من الهدي } شاة .
{ ثلاثة أيام في الحج } وقتها من إحرامه إلى يوم عرفة فإن فاته صام أيام التشريق .
{ إذا رجعتم } إلى بلادكم أو في الطريق .
{ تلك عشرة } فائدته أن السبع تصام بعد الثلاثة فتكون عشرة ، ورفع لئلا يتوهم أن السبعة بدل من الثلاثة ، وقيل : هو مثل الفذلكة ، وهو قول الناس بعد الأعداد فذلك كذا ، وقيل : كاملة في الثواب .
{ لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام } يعني غير أهل مكة وذي طوى بإجماع ، وقيل : أهل الحرام كله ، وقيل : من كان دون الميقات ، وقوله ذلك . إشارة إلى الهدي أو الصيام : أي إنما يجب الهدي أو الصيام بدلا منه على الغرباء لا على أهل مكة ، وقيل : ذلك إشارة إلى التمتع .