وإخفاء الصدقة حين تكون تطوعا أولى وأحب إلى الله ؛ وأجدر أن تبرأ من شوائب التظاهر والرياء . فأما حين تكون أداء للفريضة فإن إظهارها فيه معنى الطاعة ، وفشو هذا المعنى وظهوره خير . . ومن ثم تقول الآية :
( إن تبدوا الصدقات فنعما هي . وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ) . . فتشمل هاتين الحالتين وتعطي كل حالة ما يناسبها من التصرف ؛ وتحمد هذه في موضعها وتلك في موضعها ؛ وتعد المؤمنين على هذه وتلك تكفير السيئات :
وتستجيش في قلوبهم التقوى والتحرج من جانب ، والطمأنينة والراحة من جانب آخر ، وتصلها بالله في النية والعمل في جميع الأحوال :
ولا بد أن نلحظ طول التوجيه إلى الإنفاق ؛ وتنوع أساليب الترغيب والترهيب بصدده ؛ لندرك أمرين :
الأول : بصر الإسلام بطبيعة النفس البشرية وما يخالجها من الشح بالمال ، وحاجتها إلى التحريك المستمر والاستجاشة الدائبة لتستعلي على هذا الحرص وتنطلق من هذا الشح ، وترتفع إلى المستوى الكريم الذي يريده الله للناس . والثاني : ما كان يواجهه القرآن من هذه الطبيعة في البيئة العربية التي اشتهرت شهرة عامة بالسخاء والكرم . . ولكنه كان سخاء وكرما يقصد به الذكر والصيت وثناء الناس وتناقل أخباره في المضارب والخيام ! ولم يكن أمرا ميسورا أن يعلمهم الإسلام أن يتصدقوا دون انتظار لهذا كله ، متجردين من هذا كله ، متجهين لله وحده دون الناس . وكان الأمر في حاجة إلى التربية الطويلة ، والجهد الكثير ، والهتاف المستمر بالتسامي والتجرد والخلاص ! . . وقد كان . .
{ إن تبدو الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم والله بما تعلمون خبير }
إن تبدو الصدقات : إن تظهروها بحيث يراها الناس ليقتدوا بكم .
فنعما هي : فنعم شيئا هذه الصدقات التي أبديتموها وفي الكلام مضاف مقدر أي فنعما إظهارها .
271- { إن تبدو الصدقات فنعما هي . . } إي إن أظهرتم الصدقات فنعم شيء إظهارها لحمل الغير على الاقتداء بكم .
{ و إن تخفوها } : أي إن تستروها عن أعين الناس .
{ و تؤتوها الفقراء } : أي وتعطوها من يستحقها من الفقراء فالإخفاء خير لكم وأفضل لكم وأفضل عند الله من الإظهار .
قال ابن كثير : والأصل أن الإسرار أفضل لهذه الآية ولما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سبعة يظلمهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله إمام عادل وشاب نشأ في عبادة الله ورجلان تحابا في الله تعالى اجتمعا عليه وتفرقا عليه ورجل قبله معلق بالمساجد ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال : { إني أخاف الله رب العالمين } ( الحشر17 ) . ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه " ( 47 ) .
و اخرج الطبراني مرفوعا : " إن صدقة السر تطفئ غضب الرب " ( 48 ) .
و قال الألوسي والأكثرون على الصدقة سرا أفضل من الصدقة علنا وعلى هذه الأفضلية فيما إذا كان كل من صدقتي السر والعلانية تطوعا ممن لم يعرف بمال " أي لم يعرف بغنى " وإلا فإبداء الفرض لغيره ( أي لغير المتطوع المذكور ) أفضل لنفي التهمة وكذا الإظهار أفضل لمن يقتدي به وأمن نفسه انتهى . وعن ابن عباس رضي الله عنه : " صدقة السر في التطوع تفضل على علانيتها سبعين ضعفا وصدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها بخمسة وعشرين ضعفا وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها " ( 49 ) .
{ و يكفر عنكم سيئاتكم } أي ويمحو عنكم بعض ذنوبكم بسبب الصدقات لأن فعل الحسنات يمسح السيئات .
قال تعالى : { وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين } . ( هود 114 ) .
{ و الله بما تعملون خبير } : أي يعلم علما دقيقا بكل ما تعملونه وسيجزيكم عليه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.