في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

40

ثم يمضي السياق يستعرض مواقف بني إسرائيل في مواجهة يهود المدينة بمسمع من المسلمين . ( وإذ أخذنا ميثاقكم ، ورفعنا فوقكم الطور : خذوا ما آتيناكم بقوة ، واذكروا ما فيه لعلكم تتقون . ثم توليتم من بعد ذلك ، فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ) . .

وتفصيل هذا الميثاق وارد في سور أخرى ، وبعضه ورد في هذه السورة فيما بعد . والمهم هنا هو استحضار المشهد ، والتناسق النفسي والتعبيري بين قوة رفع الصخرة فوق رؤوسهم وقوة أخذ العهد ، وأمرهم أن يأخذوا ما فيه بقوة . وأن يعزموا فيه عزيمة . فأمر العقيدة لا رخاوة فيه ولا تميع ، ولا يقبل أنصاف الحلول ولا الهزل ولا الرخاوة . . إنه عهد الله مع المؤمنين . . وهو جد وحق ، فلا سبيل فيه لغير الجد والحق . . وله تكاليف شاقة ، نعم ! ولكن هذه هي طبيعته . إنه أمر عظيم . أعظم من كل ما في هذا الوجود . فلا بد أن تقبل عليه النفس إقبال الجاد القاصد العارف بتكاليفه ، المتجمع الهم والعزيمة المصمم على هذه التكاليف . ولا بد أن يدرك صاحب هذا الأمر أنه إنما يودع حياة الدعة والرخاء والرخاوة ، كما قال رسول الله [ ص ] وقد نودي للتكليف : " مضى عهد النوم يا خديجة " . . وكما قال له ربه : إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا . . وكما قال لبني إسرائيل :

( خذوا ما آتيناكم بقوة ) . ( واذكروا ما فيه لعلكم تتقون ) . .

ولا بد مع أخذ العهد بقوة وجد واستجماع نفس وتصميم . . لا بد مع هذا من تذكر ما فيه ، واستشعار حقيقته ، والتكيف بهذه الحقيقة ، كي لا يكون الأمر كله مجرد حماسة وحمية وقوة . فعهد الله منهج حياة ، منهج يستقر في القلب تصورا وشعورا ، ويستقر في الحياة وضعا ونظاما ، ويستقر في السلوك أدبا وخلقا ، وينتهي إلى التقوى والحساسية برقابة الله وخشية المصير .

ولكن هيهات ! لقد أدركت إسرائيل نحيزتها ، وغلبت عليها جبلتها .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

نقض العهد

( وإذ أخدنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون( 63 ) ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين64 ) (

المفردات :

الطور : هو الجبل المعروف الذي ناجى عليه موسى ربه تعالى ورفع الجبل فوق رؤوسهم كان لإرهابهم بعظمة القدرة من دون أن يكون لإجبارهم وإكراههم على العمل بما أوتوه . قال تعالى في سورة الأعراف : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع به . ( الأعراف : 171 ) . والنتق هو الهز والزعزعة والجذب والإقتلاع .

التفسير :

63- وإذ أخدنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور . . . هذا بيان لنعمة أخرى أنعمها الله على اليهود مع بيان حالهم فيها عرض عليهم من التكاليف . أي واذكروا وقت أن أخذنا عليكم بأن تتبعوا موسى وتعملوا بالتوراة التي يجيئكم بها من عند الله . ورفعنا فوقكم الطور . تخويفا لكم .

فعن ابن أبي حاتم عن ابن عباس أن موسى عليه السلام لما جاءهم بالتوراة وما فيها من التكاليف الشاقة كبرت عليهم وأبوا قبولها ، فأمر الله جبريل بقلع الطور فظلله فوقهم حتى أقبلوا ، لأنهم ظنوا أنه واقع بهم ( 171 ) .

خذوا ما أتيناكم بقوة . المراد من القوة : الجد والاجتهاد كما قال ابن عباس : أي قلنا لهم ، خذوا ما آتيناكم بجد واجتهاد مع حسن النية والإخلاص ، فإن ذلك يدفعهم إلى النظر في الآيات حتى يقتنعوا ويحسنوا العمل .

وهنا سؤال وهو أنه يأخذ من الآية أن إيمانهم كان بالإلجاء والإكراه ، وهذا ينافي التكليف الذي يقوم على الاختيار ، فهو الذي يكون العقيدة الصحيحة المبينة على الإقناع ، ولهذا قال تعالى : لا إكراه في الدين ( البقرة256 ) . وقال لنبيه وكان حريصا على إيمان الناس : أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين ( يونس99 ) .

والجواب أن الاختيار كان موكولا إليهم في كل عروض الإيمان عليهم ، ولما لم يمتثلوا ، كانت آيات التخويف لهم بمنزلة مشروعة القتال للكفار ، لإصلاح حالهم مع الله تعالى ، فإن الحكمة تدعوا إلى الأخذ بالقوة إذا فشل النصح والإرشاد ، ولهذا ينبغي أن يؤدب الوالد بالقوة ابنه المعوج السلوك إذا لم ينفع معه تكرار النصح حتى لا يستمر فساده ( 172 ) .

واذكروا ما فيه لعلكم تتقون : أي بعد أخذ الكتاب بقوة ادرسوا ما فيه وداوموا على تذكره حتى يرسخ في قلوبكم ، فإذا فعلتم ذلك صفت قلوبكم وارتقت في السلوك إلى ربكم ، وبهذا تصير نقية من أدران الرذائل ، راضية مرضية عند ربها . والعاقبة للتقوى .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ} (63)

{ ورفعنا فوقكم الطور } لما جاء موسى بالتوراة أبوا أن يقبلوها فرفع الجبل فوقهم وقيل لهم : إن لم تأخذوها وقع عليكم .

{ بقوة } جد في العلم بالتوراة أو العمل بها .