هنا يأتيهم الجواب القاطع والقول الفصل في هذه الدعوى ، في صورة كلية من كليات التصور الإسلامي ، تنبع من فكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان : إن الجزاء من جنس العمل ، ووفق هذا العمل .
( بلى ! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . والذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك أصحاب الجنة هم فيها خالدون ) . .
ولا بد أن نقف قليلا أمام ذلك التصوير الفني المعجز لحالة معنوية خاصة ، وأمام هذا الحكم الإلهي الجازم نكشف عن شيء من أسبابه وأسراره :
( بلى ! من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته . . ) . .
الخطيئة كسب ؟ إن المعنى الذهني المقصود هو اجتراح الخطيئة . ولكن التعبير يوميء إلى حالة نفسية معروفة . . إن الذي يجترح الخطيئة إنما يجترحها عادة وهو يلتذها ويستسيغها ؛ ويحسبها كسبا له - على معنى من المعاني - ولو أنها كانت كريهة في حسه ما اجترحها ، ولو كان يحس أنها خسارة ما أقدم عليها متحمسا ، وما تركها تملأ عليه نفسه ، وتحيط بعالمه ؛ لأنه خليق لو كرهها وأحس ما فيها من خسارة أن يهرب من ظلها - حتى لو اندفع لارتكابها - وأن يستغفر منها ، ويلوذ إلى كنف غير كنفها . وفي هذه الحالة لا تحيط به ، ولا تملأ عليه عالمه ، ولا تغلق عليه منافذ التوبة والتكفير . . وفي التعبير : ( وأحاطت به خطيئته ) . . تجسيم لهذا المعنى . وهذه خاصية من خواص التعبير القرآني ، وسمة واضحة من سماته ؛ تجعل له وقعا في الحس يختلف عن وقع المعاني الذهنية المجردة ، والتعبيرات الذهنية التي لا ظل لها ولا حركة . وأي تعبير ذهني عن اللجاجة في الخطيئة ما كان ليشع مثل هذا الظل الذي يصور المجترح الآثم حبيس خطيئته : يعيش في إطارها ، ويتنفس في جوها ، ويحيا معها ولها .
عندئذ . . عندما تغلق منافذ التوبة على النفس في سجن الخطيئة . . عندئذ يحق ذلك الجزاء العادل الحاسم :
بلى : حرف جواب كنعم ، إلا أنها لا تقع إلا جوابا لنفي متقدم سواء أدخله استفهام أم لا ، وتفيد إثبات ما بعدها .
الكسب : جلب النفع واستعماله في السيئة من باب التهكم .
وأحاطت به خطيئتة : الخطيئة : السيئة التي استمكنت من النفس وحملتها على تجنب الصواب عمدا .
وإحاطتها به : شمولها له واستيلاؤها على جميع تصرفاته ، كما يحيط الثوب بلابسه .
81 بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون . أي ليس الأمر كما ذكرتم ، بل تمسكم النار وتمس غيركم دهرا طويلا ، فكل من أحاطت به خطيئاته ، وأخذت بجوانب إحساسه ووجدانه ، واسترسل في شهواته ، وأصبح سجين آثامه فجزاؤه النار خالدا فيها أبدا لما اقترف من أسبابها بانغماسه غي الشهوات التي استوجبت ذلك العقاب ، والمراد بالسيئة هنا الشرك بالله ، وصاحبه مخلد في النار ، وبعض العلماء حمل السيئة على معناه العام ، وقال إن الخلود هنا المكث الطويل بمقدار ما يشاء الله ، فالعاصي مرتكب الكبائر يمكث فيها ردحا من الزمان ثم يخرج منها متى أراد الله تعالى( 206 ) .
وفي الآية تحذير من ارتكاب السيئات ، فإنها تؤدي إلى التمادي فيها فلا يبالي صاحبها بالكفر ، فعلى من يرتكب سيئة أن يبادر بالتوبة منها ، فإن لم يبادر بها ، أحاطت الخطيئة بقلبه فأصبح مظلما لا ينفذ إليه النور ، فيكفر والعياذ بالله تعالى .
روى الإمام احمد والترمذي والحاكم والنسائي وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " إن العبد إذا أذنب ذنبا نكتت في قلبه نكتة سوداء فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه ، وإن عاد زادت حتى تعلو قلبه ، فذلك الران الذي ذكره الله تعالى في القرآن : كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون " ( 207 ) .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.