في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ} (88)

75

ذلك كان موقفهم مع أنبيائهم ، يبينه ويقرره ، ثم يجابههم بموقفهم من الرسالة الجديدة والنبي الجديد ، فإذا هم هم ، كأنهم أولئك الذين جابهوا الأنبياء من قبل :

( وقالوا : قلوبنا غلف . بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ولما جاءهم كتاب من عند الله مصدق لما معهم - وكانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا - فلما جاءهم ما عرفوا كفروا به . فلعنة الله على الكافرين . بئسما اشتروا به أنفسهم : أن يكفروا بما أنزل الله - بغيا ، أن ينزل الله من فضله على من يشاء من عباده - فباؤوا بغضب على غضب ، وللكافرين عذاب مهين . وإذا قيل لهم : آمنوا بما أنزل الله ، قالوا : نؤمن بما أنزل علينا . ويكفرون بما وراءه ، وهو الحق مصدقا لما معهم ، قل : فلم تقتلون أنبياء الله من قبل إن كنتم مؤمنين ؟ ولقد جاءكم موسى بالبينات ثم اتخذتم العجل من بعده وأنتم ظالمون . وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور : خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا . قالوا : سمعنا وعصينا ، وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم . قل : بئسما يأمركم به إيمانكم إن كنتم مؤمنين ! ) . .

إن الأسلوب هنا يعنف ويشتد ، ويتحول - في بعض المواضع - إلى صواعق وحمم . . إنه يجبههم جبها شديدا بما قالوا وما فعلوا ؛ ويجردهم من كل حججهم ومعاذيرهم ، التي يسترون بها استكبارهم عن الحق ، وأثرتهم البغيضة ، وعزلتهم النافرة ، وكراهتهم لأن ينال غيرهم الخير ، وحسدهم أن يؤتي الله أحدا من فضله . جزاء موقفهم الجحودي المنكر من الإسلام ورسوله الكريم . .

( وقالوا : قلوبنا غلف . بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا ما يؤمنون ) . .

قالوا : إن قلوبنا مغلفة لا تنفذ إليها دعوة جديدة ، ولا تستمع إلى داعية جديد ! قالوها تيئيسا لمحمد [ ص ] وللمسلمين ، من دعوتهم إلى هذا الدين ؛ أو تعليلا لعدم استجابتهم لدعوة الرسول . .

ويقول الله ردا على قولتهم : ( بل لعنهم الله بكفرهم ) . . أي إنه طردهم وأبعدهم عن الهدى بسبب كفرهم . فهم قد كفروا ابتداء فجازاهم الله على الكفر بالطرد وبالحيلولة بينهم وبين الانتفاع بالهدى . . ( فقليلا ما يؤمنون ) . . أي قليلا ما يقع منهم الإيمان بسبب هذا الطرد الذي حق عليهم جزاء كفرهم السابق ، وضلالهم القديم . أو أن هذه حالهم : أنهم كفروا فقلما يقع منهم الإيمان ، حالة لاصقة بهم يذكرها تقريرا لحقيقتهم . . وكلا المعنيين يتفق مع المناسبة والموضوع .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ} (88)

87

المفردات :

غلف : جمع أغلف : أي مغشاة بأغلفة مانعة من وصول الهدى إليها .

التفسير :

88- وقالوا قلوبنا غلف . أي أمر اليهود على العناد الكفر وعدم الاستماع إلى ما يدعوهم إليه الرسول صلى الله عليه وسلم معللين عدم إيمانهم بأن قلوبهم مغشاة بأغطية لا ينفذ منها إلى قلوبهم ما جاء به صلوات الله عليه حتى تفقه عقولهم .

على حد قول مشركي مكة . وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب . ( فصلت : 5 ) .

يعنون أن قلوبهم ليس فيها استعداد لقبول ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وقد كذبوا ، فإنه دين الفطرة ، فلو تركوا فطرتهم كما خلقت عليه لقبلته وآمنت به ، ولكنهم استكبروا وآثروا الضلالة على الهدى فلعنهم الله بكفرهم وأوهن يقينهم .

بل لعنهم الله بكفرهم . و . بل . هنا للإضراب الإبطالي ، ورد ما يقولونه أي : ليس الأمر كما زعموا بل أبعدهم الله عن رحمته بأن خذلهم وتركهم وشأنهم ، بسبب إصرارهم على الكفر وعنادهم في قبول الحق ، فاستحقوا أن يحرمهم الله من لطفه ورحمته . وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون . ( آل عمران : 117 ) .

فقليلا ما يؤمنون . أي فهم يؤمنون إيمانا قليلا ، وهو إيمانهم ببعض الكتاب وتحريف بعضه الآخر أو ترك العمل به ، والذين آمنوا به كان قولا باللسان تكذبه الأعمال ، إذ لم يكن للإيمان سلطان على قلوبهم ، فيكون هو المحرك لإرادتهم ، وإنما يحركها الهوى والشهوة ، ويصرفها عامل اللذة .

وقد يكون المعنى كما قال ابن جرير الطبري : إنه لا يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم وما جاء به إلا القليل منهم ، فالمخالفة لم تغير كل الشعب ، بل غيرت الأكثر منهم ونجا نفر قليل .

 
التسهيل لعلوم التنزيل، لابن جزي - ابن جزي [إخفاء]  
{وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلۡفُۢۚ بَل لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَقَلِيلٗا مَّا يُؤۡمِنُونَ} (88)

{ غلف } جمع أغلف : أي عليها غلاف ، وهو الغشاء فلا تفقهه .

{ بل لعنهم الله } ردا عليهم ، وبيان أن عدم فقههم بسبب كفرهم .

{ فقليلا } أي إيمانا قليلا .

{ ما يؤمنون } ما زائدة ، ويجوز أن تكون القلة بمعنى العدم أو على أصلها لأن من دخل منهم في الإسلام قليل ، أو لأنهم آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعض .