ويقف السياق عند بعض معالم الحج وغاياته :
( ليشهدوا منافع لهم ، ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير . ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق ) . .
والمنافع التي يشهدها الحجيج كثير . فالحج موسم ومؤتمر . الحج موسم تجارة وموسم عبادة . والحج مؤتمر اجتماع وتعارف ، ومؤتمر تنسيق وتعاون . وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة . . أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقا رائجة ، حيثتجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء . . من أطراف الأرض ؛ ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر ، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم . يتجمع كله في البلد الحرام في موسم واحد . فهو موسم تجارة ومعرض نتاج ؛ وسوق عالمية تقام في كل عام .
وهو موسم عبادة تصفو فيه الأرواح ، وهي تستشعر قربها من الله في بيته الحرام . وهي ترف حول هذا البيت وتستروح الذكريات التي تحوم عليه وترف كالأطياف من قريب ومن بعيد . .
طيف إبراهيم الخليل - عليه السلام - وهو يودع البيت فلذة كبده إسماعيل وأمه ، ويتوجه بقلبه الخافق الواجف إلى ربه : ( ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم . ربنا ليقيموا الصلاة . فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ، وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون ) . .
وطيف هاجر وهي تستروح الماء لنفسها ولطفلها الرضيع في تلك الحرة الملتهبة حول البيت ، وهي تهرول بين الصفا والمروة وقد نهكها العطش ، وهدها الجهد وأضناها الإشفاق على الطفل . . ثم ترجع في الجولة السابعة وقد حطمها اليأس لتجد النبع يتدفق بين يدي الرضيع الوضيء . وإذا هي زمزم . ينبوع الرحمة فيي صحراء اليأس والجدب .
وطيف إبراهيم - عليه السلام - وهو يرى الرؤيا ، فلا يتردد في التضحية بفلذة كبده ، ويمضي في الطاعة المؤمنة إلى ذلك الأفق البعيد : ( قال : يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى ? )فتجيبه الطاعة الراضية في إسماعيل - عليه السلام - : ( قال : يا أبت افعل ما تؤمر ، ستجدني إن شاء الله من الصابرين ) . . وإذا رحمة الله تتجلى في الفداء : ( وناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا إنا كذلك نجزي المحسنين . إن هذا لهو البلاء المبين . وفديناه بذبح عظيم ) . .
وطيف إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - يرفعان القواعد من البيت ، في إنابة وخشوع : ( ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم . ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ، وأرنا مناسكنا وتب علينا ، إنك أنت التواب الرحيم ) . .
وتظل هذه الأطياف وتلك الذكريات ترف وتتتابع ، حتى يلوح طيف عبد المطلب ، وهو ينذر دم ابنه العاشر إن رزقه الله عشرة أبناء . وإذا هو عبد الله . وإذا عبد المطلب حريصا على الوفاء بالنذر . وإذا قومه من حوله يعرضون عليه فكرة الفداء وإذا هو يدير القداح حول الكعبة ويضاعف الفداء ، والقدح يخرج في كل مرة على عبد الله ، حتى يبلغ الفداء مائة ناقة بعد عشر هي الدية المعروفة . فيقبل منه الفداء ، فينحر مائة وينجو عبد الله . ينجو ليودع رحم آمنة أطهر نطفة وأكرم خلق الله على الله - محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] - ثم يموت ! فكأنما فداه الله من الذبح لهذا القصد الوحيد الكريم الكبير !
ثم تتواكب الأطياف والذكريات . من محمد رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] وهو يدرج في طفولته وصباه فوق هذا الثرى ، حول هذا البيت . . وهو يرفع الحجر الأسود بيديه الكريمتين فيضعه موضعه ليطفى ء الفتنة التي كادت تنشب بين القبائل . . وهو يصلي . . وهو يطوف . . وهو يخطب . . وهو يعتكف . . وإن خطواته - عليه الصلاة والسلام - لتنبض حية في الخاطر ، وتتمثل شاخصة في الضمير ، يكاد الحاج هناك يلمحها وهو مستغرق في تلك الذكريات . . وخطوات الحشد من صحابته الكرام وأطيافهم ترف وتدف فوق هذا الثرى ، حول ذلك البيت ، تكاد تسمعها الأذن وتكاد تراها الأبصار !
والحج بعد ذلك كله مؤتمر جامع للمسلمين قاطبة . مؤتمر يجدون فيه أصلهم العريق الضارب في أعماقالزمن منذ أبيهم إبراهيم الخليل : ( ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا ) . . ويجدون محورهم الذي يشدهم جميعا إليه : هذه القبلة التي يتوجهون إليها جميعا ويلتقون عليها جميعا . . ويجدون رايتهم التي يفيئون إليها . راية العقيدة الواحدة التي تتوارى في ظلها فوارق الأجناس والألوان والأوطان . . ويجدون قوتهم التي قد ينسونها حينا . قوة التجمع والتوحد والترابط الذي يضم الملايين . الملايين التي لا يقف لها أحد لو فاءت إلى رايتها الواحدة التي لا تتعدد . . راية العقيدة والتوحيد .
وهو مؤتمر للتعارف والتشاور وتنسيق الخطط وتوحيد القوى ، وتبادل المنافع والسلع والمعارف والتجارب . وتنظيم ذلك العالم الإسلامي الواحد الكامل المتكامل مرة في كل عام . في ظل الله . بالقرب من بيت الله . وفي ظلال الطاعات البعيدة والقريبة ، والذكريات الغائبة والحاضرة . في أنسب مكان ، وأنسب جو ، وأنسب زمان . .
فذلك إذ يقول الله سبحانه : ( ليشهدوا منافع لهم ) . . كل جيل بحسب ظروفه وحاجاته وتجاربه ومقتضياته .
وذلك بعض ما أراده الله بالحج يوم أن فرضه على المسلمين ، وأمر إبراهيم - عليه السلام - أن يؤذن به في الناس .
ويمضي السياق يشير إلى بعض مناسك الحج وشعائره وأهدافها :
( ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ) . .
وهذه كناية عن نحر الذبائح في أيام العيد وأيام التشريق الثلاثة بعده . والقرآن يقدم ذكر اسم الله المصاحب لنحر الذبائح ، لأن الجو جو عبادة ولأن المقصود من النحر هو التقرب إلى الله . ومن ثم فإن أظهر ما يبرز في عملية النحر هو ذكر اسم الله على الذبيحة . وكأنما هو الهدف المقصود من النحر لا النحر ذاته . .
والنحر ذكرى لفداء إسماعيل - عليه السلام - فهو ذكرى لآية من آيات الله وطاعة من طاعات عبديه إبراهيم وإسماعيل - عليهما السلام - فوق ما هو صدقة وقربى لله بإطعام الفقراء . وبهيمة الأنعام هي الإبل والبقر والغنم والمعز .
( فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير ) . .
والأمر بالأكل من الذبيحة يوم النحر هو أمر للإباحة أو الاستحباب . أما الأمر بإطعام البائس الفقير منها فهو أمر للوجوب . ولعل المقصود من أكل صاحبها منها أن يشعر الفقراء أنها طيبة كريمة .
28 - لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ .
منافع لهم : منافع دينية في الآخرة ، ودنيوية بالتجارة .
أيام معلومات : قيل : عشرة ذي الحجة ، أو يوم عرفة . أو يوم عيد النحر ويومان بعده وهي أيام التشريق ،
بهيمة الأنعام : الإبل والبقر والضأن ، التي تنحر في يوم العيد وما بعده من الهدايا والضحايا .
فكلوا منها : من لحومها ، وهذا في المتطوع به ، المستحب دون الواجب .
البائس الفقير : أي : الذي أصابه بؤس أي : شدة ، والفقير المحتاج ، والأمر فيه للوجوب .
جعل الله الحج لشهود منافع متعددة ، تعود على الحجيج في شئون دينهم ودنياهم : فهم يشاهدون البيت العتيق ، وزمزم ، والمقام ، والصفا والمروة ، وجبل عرفات وجبل الرحمة ، ومنى ومزدلفة ، وغيرها من الأماكن والمشاهد ، التي نزل وحي السماء بجوارها .
ويدعون الله تعالى ، ويؤدون مناسك الحج والعمرة ، وهناك ترق القلوب وتسكب العبرات ، وتستجاب الدعوات .
وفي الحج منافع كثيرة أخرى ، منها : تبادل التجارة ، والوقوف على أحوال المسلمين في أقطار الدنيا ، وتبادل الخبرة والمعرفة ، وانتقال العلوم والفنون والآداب بالتزاور والتجاور ، والحج وسيلة من وسائل ترابط المسلمين ؛ وتكاتفهم لتحرير بلادهم ورقيها ، وتخليص بلاد المسلمين من براثن الاستعمار والتجسس .
وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .
أي : ويذكروا اسم الله تعالى في أيام الحج ، عند ذبح الهدى من الإبل والبقر والغنم والماعز . والأيام المعلومات هي أيام عشر ذي الحجة ، وأيام العيد الثلاثة أو الأربعة ، أي : يوم العيد ويومان بعده ، أو يوم العيد وثلاثة أيام بعده .
عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ .
على ما أعطاهم وملكهم من بهيمة الأنعام ؛ فيذكرون الله عند ذبحها ويقولون باسم الله والله أكبر .
وفيه تنبيه على أن الغرض الأصلي ذكر اسمه تعالى عند الذبح ، وأن نخالف المشركين في ذلك ، فإنهم كانوا يذبحونها للنصب والأوثان .
فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ .
فيسن الأكل من الهدي والأضحية ، مشاركة للآكلين ، وإقناعهم بسلامتها ، والأكل هنا للإباحة أو الندب أو الوجوب ، ففيه عدة آراء ، أما إطعام الفقراء والبائسين فهو للوجوب .
البائس الذي ظهر بؤسه في ثيابه وفي وجهه ، والفقير الذي لا يكون كذلك ، ثيابه نقية ، ووجهه وجه غني .
{ منافع لهم } أي : بالتجارة ، وقيل : أعمال الحج وثوابه ، واللفظ أعم من ذلك { ويذكروا اسم الله } : يعني التسمية عند ذبح البهائم ونحرها وفي الهدايا والضحايا ، وقيل : يعني الذكر على الإطلاق ، وإنما قال { اسم الله } ، لأن الذكر باللسان إنما يذكر لفظ الأسماء . { في أيام معلومات } هي عند مالك يوم النحر وثانيه وثالثه خاصة لأن هذه هي أيام الضحايا عنده ، ولم يجز ذبحها بالليل لقوله : { في أيام } وقيل : الأيام المعلومات عشر ذي الحجة ويوم النحر والثلاثة بعده ، وقيل : عشر ذي الحجة خاصة ، وأما الأيام المعدودات فهي الثلاثة بعد يوم النحر ، فيوم النحر من المعلومات لا من المعدودات واليومان بعده من المعلومات والمعدودات ورابع النحر من المعدودات لا من المعلومات { فكلوا منها } ندب أو إباحة ويستحب أن يأكل الأقل من الضحايا ويتصدق بالأكثر { البائس } الذي أصابه البؤس ، وقيل : هو المتكفف ، وقيل : الذي يظهر عليه أثر الجوع .