فأما سائر الرسل - غير عيسى عليه السلام - فقد صدق بهم من صدق ، وقد كفر بهم من كفر ؛ ولقد انتهى أمرهم بهذا الجواب الكامل الشامل ، الذي يدع العلم كله لله ، ويدع الأمر كله بين يديه . سبحانه . . فما يزيد السياق شيئا في هذا المشهد عنهم . . إنما يلتفت بالخطاب إلى عيسى بن مريم وحده ، لأن عيسى بن مريم هو الذي فتن قومه فيه ، وهو الذي غام الجو حوله بالشبهات ، وهو الذي خاض ناس في الأوهام والأساطير حول ذاته ، وحول صفاته ، وحول نشأته ومنتهاه .
يلتفت الخطاب إلى عيسى بن مريم - على الملأ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه - مريم - التهاويل . . يلتفت إليه يذكره نعمة الله عليه وعلى والدته ؛ ويستعرض المعجزات التي آتاها الله إياه ليصدق الناس برسالته ، فكذبه من كذبه منهم أشد التكذيب وأقبحه ؛ وفتن به وبالآيات التي جاءت معه من فتن ؛ وألهوه مع الله من أجل هذه الآيات ، وهي كلها من صنع الله الذي خلقه وأرسله وأيده بالمعجزات :
( إذ قال الله : يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك . إذ أيدتك بروح القدس ، تكلم الناس في المهد وكهلا . وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل . وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني ، فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني . وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني . وإذ تخرج الموتى بإذني . وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم : إن هذا إلا سحر مبين . وإذ أوحيت إلى الحواريين أن آمنوا بي وبرسولي ، قالوا : آمنا واشهد بأننا مسلمون ) . .
إنها المواجهة بما كان من نعم الله على عيسى بن مريم وأمه . . من تأييده بروح القدس في مهده ، وهو يكلم الناس في غير موعد الكلام ؛ يبرى ء أمه من الشبهة التي أثارتها ولادته على غير مثال ؛ ثم وهو يكلمهم في الكهولة يدعوهم إلى الله . . وروح القدس جبريل - عليه السلام - يؤيده هنا وهناك . . ومن تعليمه الكتاب والحكمة ؛ وقد جاء إلى هذه الأرض لا يعلم شيئا ، فعلمه الكتابة وعلمه كيف يحسن تصريف الأمور ، كما علمه التوراة التي جاء فوجدها في بني إسرائيل ، والإنجيل الذي آتاه إياه مصدقا لما بين يديه من التوراة . ثم من إيتائه خارق المعجزات التي لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله . فإذا هو يصور من الطين كهيئة الطير بإذن الله ؛ فينفخ فيها فتكون طيرا بإذن الله - لا ندري كيف لأننا لا ندري إلى اليوم كيف خلق الله الحياة ، وكيف يبث الحياة في الأحياء - وإذا هو يبرى ء المولود أعمى - بإذن الله - حيث لا يعرف الطب كيف يرد إليه البصر - ولكن الله الذي يهب البصر أصلا قادر على أن يفتح عينيه للنور - ويبرى ء الأبرص بإذن الله ، لا بدواء - والدواء وسيلة لتحقيق إذن الله في الشفاء ، وصاحب الإذن قادر على تغيير الوسيلة ، وعلى تحقيق الغاية بلا وسيلة - وإذا هو يحيي الموتى بإذن الله - وواهب الحياة أول مرة قادر على رجعها حين يشاء - ثم يذكره بنعمة الله عليه في حمايته من بني إسرائيل إذ جاءهم بهذه البينات كلها فكذبوه وزعموا أن معجزاته هذه الخارقة سحر مبين ! ذلك أنهم لم يستطيعوا إنكار وقوعها - وقد شهدتها الألوف - ولم يريدوا التسليم بدلالتها عنادا وكبرا . . حمايته منهم فلم يقتلوه - كما أرادوا ولم يصلبوه . بل توفاه الله ورفعه إليه . .
بروح القدس : هو ملك الوحي ، جبريل عليه السلام .
الكتاب : الكتب السماوية ، أو الكتابة .
والحكمة : العلم الصحيح الذي يبعث الإنسان على إصابة الحق ؛ في الرأي والقول والعمل .
والتوراة : الكتاب الذي أنزله الله على موسى ، أساسا لشريعته . وينطبق عليه ما انطبق على التوراة في التسمية .
والأبرص : المريض ببياض الجلد . والبرص : مرض جلدي يغير لون البشرة إلى البياض .
سحر مبين : السحر ؛ تمويه وتخييل . به يرى الإنسان الشيء على غير حقيقته .
110- إذ قال الله يا عيسى ابن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيدتك إذ أيدتك بروح القدس . . . الآية .
يستمر هذا الدرس في بيان حقيقة الألوهية ، ويستعرض ذلك في مشهد من مشاهد القيامة ويذكر عيسى هنا حيث أن الناس قد أسرفوا في القول حوله .
يلتفت الخطاب إلى عيسى ابن مريم على الملإ ممن ألهوه وعبدوه وصاغوا حوله وحول أمه مريم التهاويل يلتفت إليه يذكره نعمة الله عليه ، وعلى والدته ، ويستعرض المعجزات التي آتاه الله إياها ، ليصدق الناس برسالته ( 38 ) .
وقال ابن كثير قوله : اذكر نعمتي عليك . أي في خلقي إياك من أم بلا ذكر ، وجعلي إياك آية ودلالة قاطعة على كمال قدرتي . وعلى والدتك . حيث جعلتك لها برهانا على براءتها مما نسبه الظالمون والجاهلون إليها من الفاحشة . إذ أيدتك بروح القدس . وهو جبريل ، وجعلتك نبيا داعيا إلى الله في صغرك ، وكبرك ، فأنطقتك في المهد صغيرا فشهدت ببراءة أمك من كل عيب واعترفت لي بالعبودية .
تكلم الناس في المهد و كهلا . أي تدعو إلى الله الناس في صغرك وكبرك ، وضمن تكلم معنى تدعو ، لأن كلامه الناس في كهولته ليس بأمر عجيب ( 39 ) .
وروح القدس جبريل عليه السلام يؤيده في المهد بالنطق السليم ويؤيده في الكهولة بالتثبيت .
وقيل المراد بروح القدس روح عيسى حيث أيده سبحانه بطبيعة روحانية مطهرة في وقت سادت فيه المادية وسيطرت .
وإذ علمتك الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل .
يبين الحق سبحانه عددا من النعم على عيسى فقد جاء إلى الأرض لا يعلم شيئا فعلمه الكتابة ، أي أن عيسى لم يكن أميا ، بل كان قارئا وكاتبا ، وقيل المراد به ما سبقه من كتب النبيين كزبور داود وصحف إبراهيم ، أي جنس الكتاب فيشمل الكتب السابقة لأنها جميعا متفقة في أصول الشريعة .
وعلمتك . الحكمة . أي سداد الرأي ، وإصابة الحق ، وفهم أسرار العلوم .
والتوراة . التي أنزلتها على موسى .
والإنجيل . الذي أنزلته عليك لتكتمل بهما رسالتك .
وخصصهما بالذكر ، لأنهما أهم الكتب التي أنزلها الله على أنبياء بني إسرائيل ، ومنهما تؤخذ شريعة عيسى . وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون طيرا بإذني .
وهذه معجزة خارقة للعادة لا يقدر عليها بشر إلا بإذن الله فكان عيسى عليه السلام يصور من الطين مثل صورة الطير بأمر الله وتيسيره ، ثم ينفخ في هذه الصورة فتكون طيرا حقيقيا بتيسير الله . ليكون ذلك آية تدل على صدقه .
وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني .
وتذكر يا عيسى نعمتي عليك ، حين تبرئ الأكمه – وهو من ولد أعمى – فتمنحه الإبصار بإذن الله وتيسيره .
وتبرئ ( الأبرص ) وهو المريض بهذا المرض العضال . بإذني . وإذ تخرج الموتى بإذني .
واذكر وقت أن جعلت من معجزاتك أن تخرج الموتى من القبور أحياء ينطقون ويتحركون . . وكل ذلك بإذني ومشيئتي وإرادتي وقد ذكر المفسرون أن إبراء عيسى للأكمه والأبرص وإحياء الموتى كان عن طريق الدعاء ، وكان دعاؤه : يا حي يا قيوم ، وذكروا من بين من أحياهم سام بن نوح ( 40 ) .
وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين .
من الله على عيسى بالعديد من النعم ، وهنا ذكره بنعمته وقت أن صرف عنه أذى اليهود حين جاءهم بالمعجزات الواضحات سواء ما ذكر منها هنا ، أم في موضع آخر ، كإخبارهم بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم ، فقال الكافرون منهم ، ما هذا الذي جئت به إلا سحر بين واضح .
{ إذ قال الله } يحتمل أن يكون إذ بدل من يوم يجمع ، ويكون هذا القول يوم القيامة أو يكون العامل في إذ مضمرا ويحتمل على هذا أن يكون القول في الدنيا أو يوم القيامة وإذا جعلناه يوم القيامة فقوله قال : بمعنى يقول ، وقد تقدم تفسير ألفاظ هذه الآية في آل عمران .
{ فتنفخ فيها } الضمير المؤنث عائد على الكاف ، لأنها صفة للهيئة ، وكذلك الضمير في تكون ، وكذلك الضمير المذكور في قوله في آل عمران فينفخ فيه عائد على الكاف أيضا ، لأنها بمعنى مثل وإن شئت قلت هو في الموضعين عائد على الموصوف المحذوف الذي وصف بقوله :{ كهيئة } فتقديره في التأنيث صورة ، وفي التذكير شخصا أو خلقا وشبه ذلك ، وقيل : المؤنث يعود على الهيئة والمذكر يعود على الطير ، والطين ، وهو بعيد في المعنى .
{ بإذني } كرره مع كل معجزة ردا على من نسب الربوبية إلى عيسى .
{ وإذ كففت بني إسرائيل عنك } يعني : اليهود حين هموا بقتله ، فرفعه الله إليه .