ثم يصور ساعات الحرج القاسية في حياة الرسل ، قبيل اللحظة الحاسمة التي يتحقق فيها وعد الله ، وتمضي فيها سنته التي لا تتخلف ولا تحيد :
( حتى إذا استيأس الرسل ، وظنوا أنهم قد كذبوا ، جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) .
إنها صورة رهيبة ، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل ، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود . وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل ، وتكر الأعوام والباطل في قوته ، وكثرة أهله ، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة .
إنها ساعات حرجة ، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر . والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض . فتهجس في خواطرهم الهواجس . . تراهم كذبوا ؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا ؟
وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر . وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى : ( أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه : متى نصر الله ؟ . . . ) ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس ، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة ، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات ، وما يحس به من ألم لا يطاق .
في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب ، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل ، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة . . في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا :
( جاءهم نصرنا ، فنجي من نشاء ، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين ) . .
تلك سنة الله في الدعوات . لا بد من الشدائد ، ولا بد من الكروب ، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة . ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . يجيء النصر من عند الله ، فينجو الذين يستحقون النجاة ، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين ، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون . ويحل بأس الله بالمجرمين ، مدمرا ماحقا لا يقفون له ، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير .
ذلك كي لا يكون النصر رخيصا فتكون الدعوات هزلا . فلو كان النصر رخيصا لقام في كل يوم دعي بدعوة لا تكلفه شيئا . أو تكلفه القليل . ودعوات الحق لا يجوز أن تكون عبثا ولا لعبا . فإنما هي قواعد للحياة البشرية ومناهج ، ينبغي صيانتها وحراستها من الأدعياء . والأدعياء لا يحتملون تكاليف الدعوة ، لذلك يشفقون أن يدعوها ، فإذا ادعوها عجزوا عن حملها وطرحوها ، وتبين الحق من الباطل على محك الشدائد التي لا يصمد لها إلا الواثقون الصادقون ؛ الذين لا يتخلون عن دعوة الله ، ولو ظنوا أن النصر لا يجيئهم في هذه الحياة !
إن الدعوة إلى الله ليست تجارة قصيرة الأجل ؛ إما أن تربح ربحا معينا محددا في هذه الأرض ، وإما أن يتخلى عنها أصحابها إلى تجارة أخرى أقرب ربحا وأيسر حصيلة ! والذي ينهض بالدعوة إلى الله في المجتمعات الجاهلية - والمجتمعات الجاهلية هي التي تدين لغير الله بالطاعةوالاتباع في أي زمان أو مكان - يجب أن يوطن نفسه على أنه لا يقوم برحلة مريحة ، ولا يقوم بتجارة مادية قريبة الأجل ! إنما ينبغي له أن يستيقن أنه يواجه طواغيت يملكون القوة والمال ويملكون استخفاف الجماهير حتى ترى الأسود أبيض والأبيض أسود ! ويملكون تأليب هذه الجماهير ذاتها على أصحاب الدعوة إلى الله ، باستثارة شهواتها وتهديدها بأن أصحاب الدعوة إلى الله يريدون حرمانها من هذه الشهوات ! . . ويجب أن يستيقنوا أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف ، وأن الانضمام إليها في وجه المقاومة الجاهلية كثير التكاليف أيضا . وأنه من ثم لا تنضم إليها - في أول الأمر - الجماهير المستضعفة ، إنما تنضم إليها الصفوة المختارة في الجيل كله ، التي تؤثر حقيقة هذا الدين على الراحة والسلامة ، وعلى كل متاع هذه الحياة الدنيا . وأن عدد هذه الصفوة يكون دائما قليلا جدا .
ولكن الله يفتح بينهم وبين قومهم بالحق ، بعد جهاد يطول أو يقصر . وعندئذ فقط تدخل الجماهير في دين الله أفواجا .
{ حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين110 } .
استيأس الرسل : أغرقوا في اليأس والقنوط .
وظنوا أنهم قد كذبوا : أي : رجح عندهم أن نفوسهم حدثتهم بالنصر ، وكانت كاذبة في حديثها .
110 { حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } .
في هذه الآية بشارة بالنصر مهما طال جهاد المرسلين ، ومهما تعاقبت ظلمات من طول الجهاد وتأخر النصر ، حتى وصلت النفوس إلى لحظات من الشك في النصر ، وهذه كناية عن المرحلة الحرجة التي تطيف بالنفوس ، عندما يطول ليل الظلام ، وتتأخر بوارق النصر ؛ فيتسرب اليأس إلى النفوس ، وتطيف بها لحظات من اليأس ، أو ضعف الأمل في اقتراب النصر ، عبر عنه بقبوله .
{ وظنوا أنهم قد كذبوا } . أي : كذبتهم نفوسهم ، حيث استيقنت بالنصر وتأملت طويلا حدوثه أو تأخر النصر بسبب من جهة أنفسهم ، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا ، حين وعدوا بالنصر ، وتأخر النصر حتى ظنوا أن تقصيرهم وقع منهم تسبب في تأخير النصر .
جاء في التفسير القرآني للقرآن :
" وهكذا يظل الرسل في متلاطم الشدائد والمحن ، حتى لقد يدخل اليأس عليهم ، وتغيم الحياة في أعينهم ، ويغم عليهم طريق النجاة ، ويخيل إليهم أن النصر أبعد ما يكون منهم ؛ عندئذ تهب ريح النصر ، وتطلع عليهم تباشير الصباح ، فتطوى جحافل الظلام وتطارد فلوله ، وإذا دولة الباطل قد ذهبت ، وإذا راية الحق قد علت ، وفي هذا تسلية للنبي الكريم ، وشحذ لعزيمته ، قال تعالى : { كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز } . ( المجادلة : 21 ) .
وليس في استيئاس الرسل ، وفي إطافة الظنون بهم ليس في هذا ما ينقص من قدر الرسل ، فهم على يقين راسخ بما وعدهم الله به .
ولكن هناك مواقف حادة من الضيق ، وأحوال بالغة من الشدة تأخذ على الإنسان تقديره وتدبيره ، عندئذ وللحظة عابرة عبور الطيف ، يخون الإنسان يقينه ، ويفلت منه زمام أمره ، ثم يعود إلى موقفه ، أشد تثبتا ، وأقوى يقينا وأرسخ قدما .
فتلك الحال التي تمثل الرسل في هذا الموقف ، هي القمة التي تنتهي عندها طاقة الاحتمال البشري ، في مصادمة الأحداث ، ومدافعة الأهوال والشدائد ، وهي قمة لا يبلغها إلا أولوا العزم من رسل الله51 .
وجاء في زاد الميسر لابن الجوزي :
قوله تعالى : { حتى إذا استيأس الرسل } ، المعنى متعلق بالآية الأولى فتقديره : { وما أرسلناك من قبلك إلا رجالا } . أي : فدعوا قومهم ، فكذبوهم ، وصبروا وطال دعاؤهم ، وتكذيب قومهم .
{ حتى إذا استيأس الرسل } ، وفيه قولان :
أحدهما : استيأسوا من تصديق قولهم ، قاله ابن عباس .
والثاني : من أن نعذب قومهم ، قاله مجاهد52 .
{ وظنوا أنهم قد كذبوا } . توهموا أن نفوسهم كذبت عليهم ، حين توقعت النصر على من كفر بهم ، وعقابهم في الدنيا حتى إذا حدث كل ذلك { جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يراد بأسنا عن القوم المجرمين } . أي : جاء نصر الله فجأة .
{ فنجي من نشاء } . وهم النبي والمؤمنون ، وحل العقاب والعذاب بالمكذبين الكافرين .
{ ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين } . ولا يمنع أحد عذاب الله عن القوم الذين أجرموا ، فكفروا بالله وكذبوا رسله ؛ فاعتبروا يا أهل مكة بسنن الله فيمن كان قبلكم ، واحذروا أن يحل بكم ما حل بهم ، فإن الله ينصر رسله ولو بعد حين .
وردت قراءة أخرى بتشديد الذال عن عائشة ، والمعنى : وأيقنت الرسل : أن الأمم كذبوهم تكذيبا ، لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك ؛ فحينئذ دعوا عليهم ، فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال .
ويجوز أن يكون المعنى : حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم ؛ فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم ، روى البخاري : عن عائشة رضي الله عنها ، أنها قالت لابن أختها عروة بن الزبير ، وهو يسألها عن قوله تعالى : { حتى إذا استيئس الرسل . . . } الآية : معاذ الله ! لم تكن الرسل تظن ذلك بربها ، وهم أتباع الرسل الذين آمنوا بربهم ، وصدقوهم ، فطال عليهم البلاء ، واستأخر عنهم النصر ، حتى إذا استيأس الرسل ممن كذبهم من قومهم ، وظنت الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم ، جاءهم نصر الله عند ذلك .
من تفسير روح المعاني للآلوسى :
" فالاعتقاد المرجوح هو ظن ، وهو وهم ، وهذا قد يكون ذنبا يضعف الإيمان ولا يزيله ، وقد يكون حديث النفس المعفو عنه ، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ؛ ما لم تتكلم أو تعمل )53 . ونظير هذا ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم : ( نحن أولى بالشك من إبراهيم ؛ إذ قال له ربه : { أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي } )54 .
وعلى هذا يقال : الوعد بالنصر في الدنيا لشخص ، قد يكون الشخص مؤمنا بإنجازه ، ولكن قد يضطرب قلبه فيه فلا يطمئن ؛ فيكون فوات الاطمئنان ظنا أنه كذب ؛ فالشك والظن أنه كذب من باب واحد ، وهذه الأمور لا تقدح في الإيمان الواجب ، وإن كان فيها ما هو ذنب ؛ فالأنبياء عليهم السلام معصومون من الإقرار على ذلك ، كما في أفعالهم ، على ما عرف من أصول السنة والحديث55 .
" وفي قص مثل ذلك ؛ عبرة للمؤمنين بهم ؛ فإنهم لا بد أن يبتلوا بما هو أكثر من ذلك فلا ييأسوا إذا ابتلوا ، ويعلمون أنه قد ابتلي من هو خير منهم ، وكانت العاقبة إلى خير ؛ فيتيقن المرتاب ، ويتوب المذنب ، ويقوى إيمان المؤمن ، وبذلك يصح الإتساء بالأنبياء56 ومن هنا قال سبحانه : { لقد كان في قصصهم عبرة } .
قال أبو نصر القشيري : { وظنوا أنهم قد كذبوا } . لا يبعد أن المراد : خطر بقلب الرسل فصرفوه عن أنفسهم ، أو المعنى : قربوا من الظن ، كما يقال : بلغت المنزل إذا قربت منه .
وقال الترمذي الحكيم : وجهه : أن الرسل كانت تخاف بعد أن وعدهم الله بالنصر ؛ أن يتخلف النصر ، لا من تهمة بوعد الله ، بل لتهمة النفوس أن تكون قد أحدثت حدثا ينقض ذلك الشرط ، فكان الأمر إذا طال واشتد البلاء عليهم ؛ دخلهم الظن من هذه الجهة57 .
لقد ورد في معنى هذه الآية طائفة من الآيات والأحاديث والآثار ، تتلاقى مع الآية في أن الله يمتحن الرسل والأنبياء والأولياء .
قال تعالى : { أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب } . ( البقرة : 214 ) .
وقال سبحانه : { الم* أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون* ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين } . ( العنكبوت : 1 3 ) .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( ما يصيب المؤمن من هم ولا حزن ولا وصب ولا تعب حتى الشوكة يشاكها ؛ إلا كفر الله بها من خطاياه )58 . رواه البخاري .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( أشدكم بلاء الأنبياء ، ثم الأولياء ، ثم الأمثل ، فالأمثل ، ولا يزال البلاء يصيب المؤمن حتى يمشي على الأرض وما عليه خطيئة )59 .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إنما الصبر عند الصدمة الأولى )60 .
وقال تعالى : { ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين }( البقرة : 155 ) .
تظل هذه الآية منارا لبيان سنة الله في الدعوات ، لابد من الشدائد ، ولابد من الكروب ؛ حتى لا تبقى بقية من جهد ، ولا بقية من طاقة ، ثم يجئ النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس . . .
يجب أن يستيقن الدعاة أن الدعوة إلى الله كثيرة التكاليف . . وفي قصة يوسف ألوان من الشدائد : في الجب ، وفي بيت العزيز ، وفي السجن ، وألوان من الاستيئاس من نصرة الناس ، ثم كانت العاقبة خيرا للذين اتقوا ، كما هو وعد الله الصادق الذي لا يخيب61 .
جامع البيان عن تأويل آي القرآن للطبري 310 هـ :
يقول تعالى ذكره: وما أرسلنا من قبلك إلا رجالاً نوحي إليهم من أهل القُرى، فدعوا من أرسلنا إليهم، فكذّبوهم، وردّوا ما أتوا به من عند الله، "حتى إذا استيأس الرسل "الذين أرسلناهم إليهم منهم أن يؤمنوا بالله، ويصدّقوهم فيما أتوهم به من عند الله، وظنّ الذين أرسلناهم إليهم من الأمم المكذّبة أن الرسل الذين أرسلناهم، قد كذبوهم فيما كانوا أخبروهم عن الله من وعده إياهم نصرهم عليهم، "جاءهم نصرنا"...
والقراءة على هذا التأويل الذي ذكرنا في قوله: "كُذِبُوا" بضم الكاف وتخفيف الذال، وذلك أيضا قراءة بعض قرّاء أهل المدينة وعامّة قرّاء أهل الكوفة.
وإنما اخترنا هذا التأويل وهذه القراءة، لأن ذلك عقيب قوله: "وَما أرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إلاّ رِجالاً نُوحِي إلَيْهِمْ مِنْ أهْل القُرَى أفَلَم يَسِيرُوا في الأرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ" فكان ذلك دليلاً على أن إياس الرسل كان من إيمان قومهم الذين أهلكوا، وأن المضمر في قوله: "وظَنّوا أنّهُمْ قَدْ كُذِبُوا" إنما هو من ذكر الذين من قبلهم من الأمم الهالكة، وزاد ذلك وضوحا أيضا إتباع الله في سياق الخبر عن الرسل وأممهم قوله: "فَنُجّيَ مَنْ نَشاءُ" إذ الذين أهلكوا هم الذين ظنوا أن الرسل قد كذبتم، فكَذّبُوهم ظنّا منهم أنهم قد كَذَبُوهم.
وقد ذهب قوم ممن قرأ هذه القراءة إلى غير التأويل الذي اخترنا، ووجهوا معناه إلى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظنت الرسل أنهم قد كذبوا فيما وعدوا من النصر... قرأ ابن عباس: "حتى إذَا اسْتَيْأَسَ الرّسُلُ وَظَنّوا أنّهُمْ قَدْ كُذِبُوا" قال: كانوا بشرا ضعفوا ويئسوا...
وهذا تأويلٌ، وقولٌ غيره من أهل التأويل أولى عندي بالصواب، وخلافه من القول أشبه بصفات الأنبياء والرسل، إن جاز أن يرتابوا بوعد الله إياهم ويشكوا في حقيقة خبره مع معاينتهم من حجج الله وأدلته ما لا يعاينه المرسَل إليهم، فيعذروا في ذلك أن المرسل إليهم لأولى في ذلك منهم بالعذر، وذلك قول إن قاله قائل لا يخفى أمره. وقد ذكر هذا التأويل الذي ذكرناه أخيرا عن ابن عباس لعائشة، فأنكرته أشدّ النكرة فيما ذُكر لنا...
عن ابن أبي مليكة، قال: قرأ ابن عباس: حتى إذَا اسْتَيْأَسَ الرّسُلُ وظَنّوا أنّهُمْ قَدْ كُذِبُوا فقال: كانوا بشرا ضعفوا ويئسوا، قال ابن أبي مليكة: فذكرت ذلك لعروة، فقال: قالت عائشة: معاذ الله، ما حدّث الله رسوله شيئا قطّ إلا علم أنه سيكون قبل أن يموت، ولكن لم يزل البلاء بالرسل، حتى ظنّ الأنبياء أن من تبعهم قد كذبوهم. فكانت تقرؤها: «قد كُذّبوا» تثقلها...
فهذا رُوي في ذلك عن عائشة، غير أنها كانت تقرأ: «كُذّبوا» بالتشديد وضمّ الكاف، بمعنى ما ذكرنا عنها، من أن الرسل ظنت بأتباعها الذين قد آمنوا بهم أنهم قد كذبوهم، فارتدّوا عن دينهم، استبطاءً منهم للنصر.
وقد بيّنا أن الذي نختار من القراءة في ذلك والتأويل غيره في هذا الحرف خاصة.
وقال آخرون ممن قرأ قوله: «كُذّبُوا» بضم الكاف وتشديد الذال، معنى ذلك: حتى إذا استيأس الرسل من قومهم أن يؤمنوا بهم ويصدّقوهم، وظنت الرسل: بمعنى واستيقنت أنهم قد كذّبهم أممُهم جاءت الرسلَ نُصْرَتُنا وقالوا: الظنّ في هذا بمعنى العلم...
وأما قوله: "فَنُجّيَ مَنْ نَشاءُ" فإن القرّاء اختلفت في قراءته، فقرأه عامة قرّاء أهل المدينة ومكة والعراق: «فَنُنَجّي مَنْ نَشاءُ» بنونين، بمعنى: فننجي نحن من نشاء من رسلنا والمؤمنين بنا، دون الكافرين الذين كذّبوا رسلنا إذا جاء الرسلَ نصرُنا... عن ابن عباس: «فَنُنَجّي مَنْ نَشاءُ» فننجّي الرسل ومن نشاء، "وَلا يُرَدّ بأْسُنا عَنِ القَوم المُجْرِمِينَ" وذلك أن الله تبارك وتعالى بعث الرسل، فدعَوا قومهم. وأخبروهم أنه من أطاع نجا ومن عصاه عُذّب وغَوَى.
وقوله "وَلا يُرَدّ بأْسُنا عَن القَوْمِ المُجْرِمِينَ" يقول: ولا تردّ عقوبتنا وبطشنا بمن بطشنا به من أهل الكفر بنا عن القوم الذين أجرموا، فكفروا بالله وخالفوا رسله وما أتوهم به من عنده.
تأويلات أهل السنة للماتريدي 333 هـ :
يحتمل استيآسهم من إيمانهم لكثرة ما رأوا من اعتنادهم الآيات وتفريطهم بردها، أيسوا من إيمانهم، أو كان إياسهم بالخبر عن الله أنهم لا يؤمنون كقوله: (وأوحي إلى نوح أنه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن) الآية [هود: 36] وأمثاله...
قال بعضهم: وظن الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم لكثرة ما أصابهم من الشدائد، وطال عليهم البلاء، واستأخر النصر، فوقع عند الرسل أن أتباعهم قد كذبوهم لكثرة ما أصابهم، وإن كان من الأعداء، فقد استيقن الرسل أنهم قد كذبوهم...
وقال بعضهم: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسل) من إيمان قومهم (وظنوا أنهم قد كذبوا) وظن قومهم أن الرسل قد كذبوا في ما وعدوا من العذاب أنه نازل لما أبطأ عليهم العذاب.
وقال بعضهم: (وظنوا أنهم) أي ظن قومهم أن رسلهم قد كذبوهم خبر السماء (جاءهم نصرنا)...
فإن كانت الآية في أتباع الرسل على ما ذكر بعضهم فهو كقوله: (حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب) [البقرة: 214] وإن كانت في غيرهم من المكذبين فقد جاء الرسلَ نصرُ الله...
{حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا} اليأس انقطاع الطمع؛ وقوله: {كُذِبُوا} قرئ بالتخفيف وبالتثقيل، فإذا قرئ بالتخفيف كان معناه ما رُوي عن ابن عباس وابن مسعود وسعيد بن جبير ومجاهد والضحاك قالوا:"ظنّ الأمم أن الرسل كَذَبُوهم فيما أخبروهم به من نصر الله تعالى لهم وإهلاك أعدائهم"...
ومن قرأ: "كُذِّبوا "بالتشديد كان معناه: أيقنوا أن الأمم قد كذّبوهم...
التبيان في تفسير القرآن للطوسي 460 هـ :
أخبر الله تعالى أن الرسل لما يئسوا من فلاح القوم وعلموا أن القوم لقوهم بالتكذيب ونسبوهم إلى الكذب؛ لأن التكذيب نسبة القائل إلى الكذب، وضده التصديق، "جاءهم نصرنا "أي أتاهم نصر الله بإهلاك من كذبهم...
اعلم أنه قرأ عاصم وحمزة والكسائي {كذبوا} بالتخفيف، وكسر الذال والباقون بالتشديد. ومعنى التخفيف من وجهين:
أحدهما: أن الظن واقع بالقوم، أي حتى إذا استيأس الرسل من إيمان القوم فظن القوم أن الرسل كذبوا فيما وعدوا من النصر والظفر. فإن قيل: لم يجر فيما سبق ذكر المرسل إليهم فكيف يحسن عود هذا الضمير إليهم؟ قلنا: ذِكر الرسل يدل على المرسل إليهم، وإن شئت قلت إن ذكرهم جرى في قوله: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم} فيكون الضمير عائدا إلى الذين من قبلهم من مكذبي الرسل والظن ههنا بمعنى التوهم والحسبان. والوجه الثاني: أن يكون المعنى أن الرسل ظنوا أنهم قد كذبوا فيما وعدوا وهذا التأويل منقول عن ابن أبي مليكة عن ابن عباس رضي الله عنهما قالوا: وإنما كان الأمر كذلك لأجل ضعف البشرية إلا أنه بعيد، لأن المؤمن لا يجوز أن يظن بالله الكذب، بل يخرج بذلك عن الإيمان، فكيف يجوز مثله على الرسل؟ وأما قراءة التشديد ففيها وجهان:
الأول: أن الظن بمعنى اليقين، أي وأيقنوا أن الأمم كذبوهم تكذيبا لا يصدر منهم الإيمان بعد ذلك، فحينئذ دعوا عليهم فهنالك أنزل الله سبحانه عليهم عذاب الاستئصال. وورود الظن بمعنى العلم كثير في القرآن قال تعالى: {الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم} أي يتيقنون ذلك.
والثاني: أن يكون الظن بمعنى الحسبان، والتقدير: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم فظن الرسل أن الذين آمنوا بهم كذبوهم. وهذا التأويل منقول عن عائشة رضي الله عنها وهو أحسن الوجوه المذكورة في الآية...
{جاءهم نصرنا} أي لما بلغ الحال إلى الحد المذكور...
تفسير القرآن للمراغي 1371 هـ :
وفي هذا تذكير لكفار قريش بأن سنته تعالى في عباده واحدة لا ظلم فيها ولا محاباة وأنهم إن لم ينيبوا إلى ربهم حلّ بهم من العذاب ما حلّ بأمثالهم من أقوام الرسل كما قال في سورة القمر: {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} [القمر: 43]... ولا يخفى ما في الآية من التهديد والوعيد لكفار قريش ومن على شاكلتهم من المعاصرين للنبي صلى الله عليه وسلم...
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي 1376 هـ :
يخبر تعالى: أنه يرسل الرسل الكرام، فيكذبهم القوم المجرمون اللئام، وأن الله تعالى يمهلهم ليرجعوا إلى الحق، ولا يزال الله يمهلهم حتى إنه تصل الحال إلى غاية الشدة منهم على الرسل. حتى إن الرسل -على كمال يقينهم، وشدة تصديقهم بوعد الله ووعيده- ربما أنه يخطر بقلوبهم نوع من الإياس، ونوع من ضعف العلم والتصديق، فإذا بلغ الأمر هذه الحال {جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ} وهم الرسل وأتباعهم.
{وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} أي: ولا يرد عذابنا، عمن اجترم، وتجرأ على الله {فما لهم من قوة ولا ناصر}...
في ظلال القرآن لسيد قطب 1387 هـ :
إنها صورة رهيبة، ترسم مبلغ الشدة والكرب والضيق في حياة الرسل، وهم يواجهون الكفر والعمى والإصرار والجحود. وتمر الأيام وهم يدعون فلا يستجيب لهم إلا قليل، وتكر الأعوام والباطل في قوته، وكثرة أهله، والمؤمنون في عدتهم القليلة وقوتهم الضئيلة. إنها ساعات حرجة، والباطل ينتفش ويطغى ويبطش ويغدر. والرسل ينتظرون الوعد فلا يتحقق لهم في هذه الأرض. فتهجس في خواطرهم الهواجس.. تراهم كذبوا؟ ترى نفوسهم كذبتهم في رجاء النصر في هذه الحياة الدنيا؟ وما يقف الرسول هذا الموقف إلا وقد بلغ الكرب والحرج والضيق فوق ما يطيقه بشر. وما قرأت هذه الآية والآية الأخرى: (أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه: متى نصر الله؟...) ما قرأت هذه الآية أو تلك إلا وشعرت بقشعريرة من تصور الهول الذي يبلغ بالرسول هذا المبلغ، ومن تصور الهول الكامن في هذه الهواجس، والكرب المزلزل الذي يرج نفس الرسول هذه الرجة، وحالته النفسية في مثل هذه اللحظات، وما يحس به من ألم لا يطاق. في هذه اللحظة التي يستحكم فيها الكرب، ويأخذ فيها الضيق بمخانق الرسل، ولا تبقى ذرة من الطاقة المدخرة. في هذه اللحظة يجيء النصر كاملا حاسما فاصلا: (جاءهم نصرنا، فنجي من نشاء، ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين). تلك سنة الله في الدعوات. لا بد من الشدائد، ولا بد من الكروب، حتى لا تبقى بقية من جهد ولا بقية من طاقة. ثم يجيء النصر بعد اليأس من كل أسبابه الظاهرة التي يتعلق بها الناس. يجيء النصر من عند الله، فينجو الذين يستحقون النجاة، ينجون من الهلاك الذي يأخذ المكذبين، وينجون من البطش والعسف الذي يسلطه عليهم المتجبرون. ويحل بأس الله بالمجرمين، مدمرا ماحقا لا يقفون له، ولا يصده عنهم ولي ولا نصير...
تفسير من و حي القرآن لحسين فضل الله 1431 هـ :
{حَتَّى إِذَا اسْتيأسَ الرُّسُلُ} واستنفذوا كل التجارب، واستعملوا كل الأساليب، وواجهوا الناس من كل جانب، وعلى أكثر من صعيد، ولم يستجب لهم أحد، بل قابلهم الناس من حولهم، بالجحود والنكران، ولاحظوا كل ما يحيط بهم من أجواء مظلمة، وأوضاع صعبة، {وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ} في ما شاهدوه من الدلائل والظواهر حتى وصل الأمر بهم إلى مستوى اليقين، ووقفوا بين يدي الله، يشكون إليه أمرهم، وينتظرون أمره، ويأملون نصره، {جَآءهُمْ نَصْرُنَا} فنعذب من نشاء ممن حقّت عليه كلمة العذاب، ونثيب من استحق الغفران {فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ} من عبادنا ورسلنا الصالحين، {وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ} بل ينالهم العذاب من كل جانب ومكان...
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل - لجنة تأليف بإشراف الشيرازي 2009 هـ :
تشير هذه الآية إلى أدقّ وأصعب لحظة في حياة الأنبياء فنقول: إنّ الأنبياء يواجهون دائماً مقاومة عنيفة من قبل أقوامهم وطواغيت زمانهم حتّى يصل الحال بالأنبياء إلى اليأس إلى حدّ يظنّون أنّ أتباعهم المؤمنين القليلين قد كذبوا عليهم وتركوهم وحدهم في مسيرتهم في الدعوة إلى الحقّ، وفي هذه الأثناء حيث انقطع أملهم في كلّ شيء أتاهم نصرنا. وفي نهايتها تشير إلى عاقبة المجرمين (ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين). فهذه سنّة الله في الذين أصرّوا على أعمالهم وأغلقوا باب الهداية على أنفسهم، فهم وبعد إتمام الحجّة عليهم ينالهم العذاب الإلهي فلا تستطيع أي قوّة أن تردّه. في تفسير هذه الجملة من الآية: (ظنّوا أنّهم قد كذبوا) ومن المقصود بها، هناك عدّة آراء للمفسرين:
إنّ كثيراً من علماء التّفسير يرون ما قلناه سابقاً، وخلاصته: إنّ عمل الأنبياء يصل إلى درجة يعتقدون فيها أنّ كلّ الناس سوف يكذبوهم، حتّى تلك المجموعة التي تظهر إيمانها ولكنّها غير راسخة في عقيدتها.
ويحتمل في تفسير الآية أنّ فاعل «ظنّوا» هم المؤمنون، وإنّ المشاكل والاضطرابات تصل إلى حدٍّ بأن يسوء ظنّهم بما وعدهم الأنبياء من النصر ويخيل إليهم أنّه خلاف الواقع؟ وليس بعيداً سوء الظنّ هذا من الأفراد الذين آمنوا حديثاً.
وبعض آخر أعطى تفسيراً ثالثاً للآية، وخلاصته: إنّ الأنبياء بدون شكّ كانوا بشراً، فحين يُزلزلوا زلزالا شديداً وتبدوا جميع الأبواب أمامهم موصدة ظاهراً، ولا يُرى في الأفق فرج، والحوادث المتتالية تعصف بهم، وصرخات المؤمنين الذين نفذ صبرهم تصل إلى أسماعهم، نعم في هذه الحالة وبمقتضى الطبع البشري قد يتبادر إلى أذهانهم أنّ الوعد بالنصر بعيد عن الصحّة! أو أنّ النصر الموعود له شروطه التي لم تتحقّق بعد، ولكن سرعان ما يتغلّبون على هذه الأفكار ويبعدونها عن أذهانهم ويشع في قلوبهم بصيص الأمل، ومن ثمّ تتّضح لهم بشائر النصر. وشاهدهم على هذا التّفسير الآية (214) سورة البقرة: (حتّى يقول الرّسول والذين آمنوا معه متى نصر الله). ولكن مجموعة أُخرى من المفسّرين أمثال العلاّمة «الطبرسي» في مجمع البيان و «الرازي» في تفسيره الكبير، بعد ما ذكروا هذا الاحتمال قالوا ببطلانه لأنّه حتّى هذا المقدار من التوهّم ليس من مقام الأنبياء، وعلى أيّة حال فالأصحّ هو التّفسير الأوّل...