ولكن ضميرا واحدا فيهم ، يرتعش لهول ما هم مقدمون عليه . فيقترح حلا يريحهم من يوسف ، ويخلي لهم وجه أبيهم ، ولكنه لا يقتل يوسف ، ولا يلقيه في أرض مهجورة يغلب فيها الهلاك . إنما يلقيه في الجب على طريق القوافل ، حيث يرجح أن تعثر عليه إحدى القوافل فتنقذه وتذهب به بعيدا :
( قال قائل منهم : لا تقتلوا يوسف ، وألقوه في غيابة الجب ، يلتقطه بعض السيارة . إن كنتم فاعلين ) . .
روح التشكيك والتثبيط . كأنه يشككهم في أنهم مصرون على إبقاع الأذى بيوسف . وهو أسلوب من أساليب التثبيط عن الفعل ، واضح فيه عدم الارتياح للتنفيذ . ولكن هذا كان أقل ما يشفي حقدهم ؛ ولم يكونوا على استعداد للتراجع فما اعتزموه . . نفهم هذا من المشهد التالي في السياق . .
غيابت الجب : قعره ، سمي به ؛ لغيبوبته عن أعين الناظرين .
السيارة : المسافرين الذين يسيرون في الأرض .
8 { قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } .
قال قائل منهم عز عليه قتل أخيه بلا ذنب جناه ، قيل : هو يهوذا ، وقيل هو روبيل لا تقدموا على قتله ؛ فإن القتل جريمة عظيمة ، وهو أخوكم ، ولكن ألقوه في أسفل البئر ؛ يلتقطه بعض المسافرين الذين يسيرون في الأرض للتجارة ، حين يدلون بدلائهم في البئر ؛ ليستقوا منها ؛ فيتعلق بها ؛ فيبعدوه عن بلادنا إلى حيث يجد رزقه ويبقى حيا .
{ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } . أي : عازمين على ما تقولون ، وفاعلين ما هو الصواب ، فهذا هو الرأي .
1 إن تفضيل بعض الأولاد على بعض ؛ يورث الحقد والحسد ويورث الآفات ، ولعل يعقوب عليه السلام لم يفضل يوسف إلا في المحبة ، والمحبة ليست في وسع البشر .
2 ورد في هدى السنة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم حتى في التمرة والكلمة الطيبة ) .
3 لقد فعل إخوة يوسف أمرا عظيما ؛ حين حملوا فتى صغيرا ضعيفا ، وأبعدوه عن والده ، وأقدموا على أمر عظيم من قطيعة الرحم ، وعقوق الوالد ، وقلة الرأفة بالصغير الذي لا ذنب له ، وبالكبير الفاني ذي الحق والحرمة والفضل . . . يغفر الله لهم وهو أرحم الراحمين . 3
4 الرأي الأصح : أن إخوة يوسف لم يكونوا أنبياء ، لا أولا ، ولا آخرا ؛ لأن الأنبياء معصومون عن الكبائر ، وقيل : لم يكونوا في ذلك الوقت أنبياء ، ثم تابوا ، ثم نبأهم الله . 4
{ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنتُمْ فَاعِلِينَ ( 10 ) }
قال قائل من إخوة يوسف : لا تقتلوا يوسف وألقوه في جوف البئر يلتقطه بعض المارَّة من المسافرين فتستريحوا منه ، ولا حاجة إلى قتله ، إن كنتم عازمين على فعل ما تقولون .
وقوله - سبحانه - { قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } بيان للرأى الذي اقترحه أحدهم ، واستقر عليه أمرهم .
قال القرطبى ما ملخصه : قوله { وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الجب } قرأ أهل مكة وأهل البصرة وأهل الكوفة " في غيابة الجب " بالإِفراد - وقرأ أهل المدينة " في غيابات الجب " - بالجمع- .
وكل شئ غيب عنك شيئا فهو غيابة ، ومنه قيل للقبر غيابة - قال الشاعر :
فإن أنا يوما غيبتنى غيابتى . . . فسيروا بسيرى في العشيرة والاهل
والجب : الركية - أى الحفرة - التي لم تطو - أى لم بتن بالحجارة - فإذا طويت فهى بئر . وسميت جبا لأنها قطعت في الأرض قطعا . وجمع الجب جببه وجباب وأجباب .
وجمع بين الغيابة والجبن ، لأنه أراد ألقوه في موضع مظلم الجب حتى لا يلحقه نظر الناظرين . . .
والسيارة : جمع سيار ، والمراد بهم جماعة المسافرين الذين يبالغون في السير ليصلوا إلى مقصودهم .
والمعنى : قال قائل من إخوة يوسف أفرزعه ما هم مقدمون علهي بشأن أخيهم الصغير : لا تقتلوا يوسف ، لأن قتله جرم عظيم ، وبدلا من ذلك ، ألقوه في قعر الجب حيث يغيب خبره ، إلى أن يلتقطه من الجب بعض المسافرين ، فيذهب به إلى ناحية بعيدة عنكم ، وبذلك تستريحون منه ويخل لكم وجه أبيكم .
ولم يذكر القرآن اسم هذا القائل أو وصفه ، لأنه لا يتعلق بذكر ذلك غرض ، وقد رجح بعض المفسرين أن المراد بهذا القائل " يهوذا "
والفائدة في وصفه بأنه منهم ، الإِخبار بأنهم لم يجمعوا على قتله أو طرحه في أرض بعيدة حتى يدركه الموت .
وأتى باسم يوسف دون ضميره ، لاستدرار عطفهم عليه ، وشفقتهم به ، واستعظام أمر قتله .
وجواب الشرط في قوله { إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } محذوف لدلالة " وألقوه " عليه .
والمعنى : إن كنتم فاعلين ما هو خير وصواب ، فألقوه في غيابة الجب ، ولا تقتلوه ولا تطرحوه أرضا .
وفى هذه الجملة من هذا القائل ، محاولة منه لتثبيطهم عما اقترحوه من القتل أو التغريب بأسلوب بليغ ، حيث فوض الأمر إليهم ، تعظيما لهم ، وحذرا من سوء ظنهم به ، فكان أمثلهم رأيا ، وأقربهم إلى التقوى .
قالوا : وفى هذا الرأى عبرة في الاقتصاد عند الانتقام ، والاكتفاء بما حصل به الغرض دون إفراط ، لأن غرضهم إنما هو إبعاد يوسف عن أبيهم . وهذا الإِبعاد يتم عن طريق إلقائه في غيابة الجب .
قوله : { قَالَ قَآئِلٌ مَّنْهُمْ لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ } قائل ذلك غير معلوم ، فهو في الآية منكر ، فالله أعلم بمن هو . وأيما كلام في حقيقة اسمه إن هو إلا ضرب من الظن . والمقصود : أن أحدهم وهو أقصدهم في رأيه قال : لا تقتلوا يوسف } فقد نهاهم عن قتله لما رآه أن القتل عظيم بل دعاهم إلى إلقائه { في غيابة الجب } والجب معناه البئر . و { غيابة الجب } يعني قعر البئر{[2208]} ؛ فقد دعاهم إلى إلقاء أخيهم يوسف في قعر البئر لكي يغيب خبره ويضيع نهائيا .
قوله : { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَة } السيارة تعني القافلة{[2209]} . والمراد : أن يأخذه بعض مارة الطريق من المسافرين { إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ } أي إن كنتم جادين فتفعلون ما أقول لكم . وقد ذكر أنه أخذه ناس من الأعراب المسافرين .
وذلك كله يدل على أن إخوة يوسف ليسوا أنبياء وهذه حقيقة ما ينبغي لأحد من الناس أن يماري فيها . وما المرء فيها إلا الإسراف في الثرثرة أو التقول الفارغ الممجوج غير القائم على شيء من الحجة أو المعقول . ذلك أن الأنبياء يستحيل في حقهم أن يدبروا لقتل مسلم . وهم فوق ذلك معصومون عن ارتكاب الكبيرة ، فكيف إذا كان ذلك جملة كبائر من بينها عقوق الوالد النبي ، وقتل الأخ المؤمن المعصوم ظلما وعدوانا . لا جرم أن هذه فاقرة من الفوقر التي تزلزل الفرائص وتضطرب لهولها الأرض ، والتي لا يقع فيها المؤمنون من سواء الناس وعامتهم ، فيكيف إن كانوا النبيين ؟ !
إن أصدق ما ينبغي أن يقال في هذا الصدد أن إخوة يوسف كانوا مسلمين فارتكبوا معصية ثم تابوا{[2210]} .