على أن أولئك الذين يقترحون على الرسول [ ص ] تلك المقترحات المتعنتة ، من بيوت الزخرف ، وجنات النخيل والأعناب ، والينابيع المتفجرة . . بخلاء أشحاء حتى لو أن رحمة الله قد وكلت إليهم خزائنها لأمسكوا وبخلوا خوفا من نفادها ، ورحمة الله لا تنفد ولا تغيض :
( قل : لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا ) .
وهي صورة بالغة للشح ، فإن رحمة الله وسعت كل شيء ، ولا يخشى نفادها ولا نقصها . ولكن نفوسهم لشحيحة تمنع هذه الرحمة وتبخل بها لو أنهم كانوا هم خزنتها !
خشية الإنفاق : أي : خوف الفقر .
قتورا : أي : مقترا بخيلا ، يقال : قتر عليه ، يقتر ، قترا ، وقتر أي : ضيق عليه .
100- { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربّي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا } .
المراد من الإنفاق هنا : الفقر ، يقال : أنفق فلان إذا افتقر ، وقال أبو عبيدة : أنق ، وأملق ، وأعدم ، وأصرم ، بمعنى : أي : قل لهم أيها الرسول : إنكم لو تملكون التصرف في خزائن الله ؛ لأمسكتم خشية الفقر : أي : خشية أن تزول وتذهب مع أنها لا تفرغ ولا تنفد أبدا .
{ وكان الإنسان قتورا } . أي بخيلا شحيحا ، والقتر ، والإقتار ، والتقتير : هو التقصير في الإنفاق .
وهذا الخبر لا ينافي ما قد يوجد في الناس ممن هو كريم جواد ؛ لأن اللام في الإنسان للجنس أي : هذا الجنس من شأنه الشح ، إذا كان باقيا على طبعه ؛ لأنه خلق محتاجا إلى ضرورات المسكن والملبس والمطعوم والمنكوح ، ولا بد له في تحصيل هذه الأشياء من المال ، فبه تندفع حاجاته وتتم الأمور المتوقفة على التعاون ، فلا جرم يحب المال ويمسكه لأيام الضرورة والفاقة ، ومن الناس من يحب المال محبة ذاتية لا عرضية ، فإذا الأصل في الإنسان هو البخل . والجود منه إنما هو أمر تكلفي أو عرضي ؛ طلبا للثناء أو الثواب . وقيل : المراد بهذا ، الإنسان المعهود السابق ، ممن قالوا : لن نؤمن لك ؛ حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا . . . فبيّن الله تعالى : أنهم لو ملكوا خزائن الأرض ؛ لبخلوا بها{[497]} .
إن الله تعالى يصف الإنسان من حيث هو إلا من وفقه الله وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال تعالى : { إن الإنسان خلق هلوعا . إذا مسّه الشرّ جزوعا . وإذا مسّه الخير منوعا . إلا المصلّين } ( المعراج : 22 ، 19 ) .
وشبيه بهذه الآيات قوله سبحانه :
{ أم لهم نصيب من الملك فإذا لا يؤتون الناس نقيرا } . ( النساء : 53 ) .
أي : لو أن لهم نصيبا في ملك الله ؛ لما أعطوا أحدا شيئا ولا مقدار نقير ، وقد جاء في الصحيحين : ( يد الله ملأى لا يغيضها نفقة ، سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض فإنه لم يغض ما في يمينه ){[498]} .
وجاء في تفسير الخطيب ما يأتي :
فإن قيل : قد يوجد في جنس الإنسان من هو جواد كريم ؛ أجيب من وجوه :
الأول : أن الأصل في الإنسان البخل ؛ لأنه خلق محتاجا والمحتاج لا بد وأن يحبس ما به يدفع الحاجة ، وأن يمسكه لنفسه إلا أنه قد يجوز به لأسباب من الخارج ، فثبت أن الأصل في الإنسان البخل .
الثاني : أن الإنسان إنما يبذل ؛ لطلب الثناء والحمد ، وليخرج من عهدة الواجب ، فهو في الحقيقة ما أنفق إلا ليأخذ العوض فهو في الحقيقة بخيل .
الثالث : أن المراد بهذا الإنسان المعهود السابق ، وهم الذين قالوا : { لن نؤمن لك حتى تفجر من الأرض ينبوعا }{[499]} .
{ قُلْ لَوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإِنفَاقِ وَكَانَ الإِنْسَانُ قَتُوراً ( 100 ) }
قل -يا محمد- لهؤلاء االجاحدين للحق : لو كنتم تملكون خزائن رحمة ربي التي لا تنفد ولا تبيد إذًا لبخلتم بها ، فلم تعطوا منها غيركم خوفًا مِن نفادها فتصبحوا فقراء . ومن شأن الإنسان أنه بخيل بما في يده إلا مَن عصم الله بالإيمان .
ثم ختم - سبحانه - الآيات الكريمة بأمر النبى صلى الله عليه وسلم بأن يجابه هؤلاء الظالمين بما جبلوا عليه من بخل وشح ، بعد أن طلبوا منه ما طلبوا من مقترحات متعنتة ، فقال - تعالى - : { قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لأمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الإنفاق وَكَانَ الإنسان قَتُوراً }
والمراد بخزائن رحمة ربى : أرزاقه التى وزعها على عباده ، ونعمه التى أنعم بها عليهم .
و { قتورًا } من التقتير بمعنى البخل . يقال : قتر فلان يقتر - بضم التاء وكسرها - إذا بالغ فى الإِمساك والشح .
أى : قل - أيها الرسول الكريم - لهؤلاء الظالمين الذين أعرضوا عن دعوتك ، وطالبوك بما ليس فى وسعك من تفجير الأرض بالأنهار ، ومن غير ذلك من مقترحاتهم الفاسدة ، قل لهم على سبيل التقريع والتبكيت : لو أنكم تملكون - أيها الناس - التصرف فى خزائن الأرزاق التى وزعها الله على خلقه ، إذًا لبخلتم وأمسكتم فى توزيعها عليهم ، مخافة أن يصيبكم الفقر لو أنكم توسعتم فى العطاء ، مع أن خزائن الله لا تنفد أبدًا ، ولكن لأن البخل من طبيعتكم فعلتم ذلك .
قال بعضهم : قوله : { لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ } فيه وجهان : أحدهما : أن المسألة من باب الاشتغال . فأنتم مرفوع بفعل مقدر يفسره هذا الظاهر ، لأن لو لا يليها إلا الفعل ظاهرًا أو مضمرا . فهى كإن فى قوله - تعالى - : { وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك فَأَجِرْهُ } والأصل : لو تملكون ، فحذف الفعل لدلالة ما بعده عليه - والثانى : أنه مرفوع بكان ، وقد كثر حذفها بعد لو ، والتقدير : لو كنتم تملكون . . . .
والمقصود بالإِمساك هنا : إمساكهم عن العطاء فى الدنيا ، وهذا لا ينافى قوله - تعالى - : { وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِي الأرض جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لاَفْتَدَوْاْ بِهِ . . . } لأن ذلك حكاية عن أحوالهم فى الآخرة عندما يرون العذاب ، ويتمنون أن يفتدوا أنفسهم منه بأى شئ .
وقوله { إذًا } ظرف لتملكون . وقوله { لأمسكتم } جواب لو ، وقوله { خشية الإِنفاق } علة للإِمساك والبخل .
وقوله : { وَكَانَ الإنسان قَتُوراً } أى : مبالغًا فى البخل والإِمساك .
قال الإِمام ابن كثير : والله - تعالى - يصف الإِنسان من حيث هو ، إلا من وفقه الله وهداه ، فإن البخل والجزع والهلع صفة له ، كما قال - تعالى - :
قوله : ( قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ) ( أنتم ) ، مرفوع بفعل مقدر يفسره ( تملكون ) والتقدير : لو تملكون . و ( خشية ) ، منصوب على أنه مفعول له{[2756]} والمراد بخزائن رحمة ربي ، الأموال والأرزاق وسائر نعم الله ؛ أي قل لهؤلاء المشركين الجاحدين لو أنكم أيها الناس تملكون خزائن النعم والأرزاق ( إذا لأمسكتم خشية الإنفاق ) أي لبخلتم بهذه الأموال فلم تعطوا منها أحدا شيئا خشية الفقر والفاقة ، أو لبخلتم خشية أن يفني الإنفاق أموالكم ؛ وذلك لفرط ما يركب طبع البشر من ذميمة الشح والإمساك ، والضن بالبذل والسخاء . لذلك قال : ( وكان الإنسان قتورا ) أي بخيلا . يقال قتر يقتر قترا وأقتر إقتارا وقتر ، بالتشديد ، تقتيرا . والمراد أن الإنسان بني على التقتير وهو الشح والإمساك خشية على المال أن يفنى{[2757]} .