ويختم هذا الدرس بإعلان الربوبية المطلقة لله ، والتوجيه إلى عبادته والصبر على تكاليفها . ونفي الشبيه والنظير :
( وما نتنزل إلا بأمر ربك ، له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ، وما كان ربك نسيا . رب السماوات والأرض وما بينهما ، فاعبده واصطبر لعبادته . هل تعلم له سميا ? ) . .
وتتضافر الروايات على أن قوله ( وما نتنزل إلا بأمر ربك . . )مما أمر جبريل عليه السلام أن يقوله للرسول [ ص ] ردا على استبطائه للوحي فترة لم يأته فيها جبريل . فاستوحشت نفسه ، واشتاقت للاتصال الحبيب . فكلف جبريل أن يقول له : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك )فهو الذي يملك كل شيء من أمرنا :
له من بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وهو لا ينسى شيئا ، إنما ينزل الوحي عندما تقتضي حكمته أن ينزل ( وما كان ربك نسيا )فناسب بعد ذلك أن يذكر الاصطبار على عبادة الله مع إعلان الربوبية له دون سواه :
{ وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ( 64 ) رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصبر لعبادته هل تعلم له سميّا ( 65 ) }
ما بين أيدينا : ما قدامنا من الزمان المستقبل .
ما بين ذلك : هو الزمان الحاضر .
نسيا : تاركا لك ، فهو لا ينسى شيئا من أعمال العباد .
64- { وما تنزل إلا بأمر ربّك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيّا } .
أي : قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم : إنما أنا عبد مأمور إذا أمرت نزلت ، وإذا حبست احتبست فالله سبحانه هو الذي يملك كل شيء وهو المدبر لنا في جميع الأزمنة ، مستقبلها وماضيها وحاضرها .
وقصارى ذلك : أن أمرنا موكول إلى الله تعالى ، يتصرف فينا بحسب مشيئته وإرادته ، لا اعتراض لأحد عليه ، فلا ننتقل من مكان إلى مكان ، ولا ننزل في زمان دون زمان ؛ إلا بإذنه عز وجل .
سبحانه لا ينسى شيئا من أعمال العباد ، وإنما ينزل الوحي عندما تقتضي حكمته أن ينزل .
{ وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً ( 64 ) }
وقل - يا جبريل - لمحمد : وما نتنزل - نحن الملائكة - من السماء إلى الأرض إلا بأمر ربك لنا ، له ما بين أيدينا مما يستقبل من أمر الآخرة ، وما خلفنا مما مضى من الدنيا ، وما بين الدنيا والآخرة ، فله الأمر كله في الزمان والمكان ، وما كان ربك ناسيًا لشيء من الأشياء .
ثم ساق - سبحانه - ما يدل على كمال قدرته ، وشمول علمه ، فقال - تعالى - : { وَمَا نَتَنَزَّلُ . . . } .
التنزل : النزول على مهل . فإنه مطاوع نزل - بالتشديد - ، يقال : نزلته فتنزل ، إذا حدث النزول على مهل وتدرج . وقد يطلق التنزيل بمعنى النزول مطلقاً ، إلا أن المناسب هنا هو المعنى الأول .
والآية الكريمة حكاية لما قاله جبريل للنبى - صلى الله عليه وسلم - ، فقد ذكر كثير من المفسرين أن الوحى احتبس عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لفترة من الوقت بعد أن سأله المشركون أسئلة تتعلق بأصحاب الكهف . وبذى القرنين وبالروح ، حتى قال المشركون : إن رب محمد - صلى الله عليه وسلم - قد قلاه - أى : أبغضه وكرهه - فلما نزل جبريل على النبى - صلى الله عليه وسلم - بعد فترة من غياب - قيل خمسة عشر يوماً وقيل أكثر قال له : يا جبريل احتبست عنى حتى ساء ظنى واشتقت إليك فقال له جبريل : إنى كنت أشوق ولكنى عبد مأمور ، إذا بعثت جئت ، وإذا حبست احتبست ، وأنزل الله - تعالى - هذه الآية وسورة الضحى " .
وقال الآلوسى : " ولا يأبى ما تقدم فى سبب النزول ما أخرجه أحمد ، والبخارى والترمذى ، والنسائى ، وجماعة ، فى سببه عن ابن عباس قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجبريل : ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ فنزلت : { وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ . . } لجواز أن يكون - صلى الله عليه وسلم - قال ذلك فى محاورته السابقة - أيضاً - ، واقتصر فى كل رواية على شىء مما وقع فى المحاورة . . . " .
والمعنى : قال جبريل للرسول - صلى الله عليه وسلم - عندما سأله عن سبب احتباسه عنه لفترة من الوقت : يا محمد إنى ما أتنزل عليك وقتاً بعد وقت ، إلا بأمر ربك وإرادته ، فأنا عبده الذى لا يعصى له أمراً . . .
{ لَهُ } - سبحانه - { مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك } أى : له وحده جميع الجهات والأماكن ، وجميع الأزمان الحاضرة والماضية والمستقبلية ، وما بين ذلك ، فلا نقدر أن ننتقل من جهة إلى جهة ، أو من وقت إلى وقت إلا بأمر ربك ومشيئته .
فالجملة الكريمة مسوقة لبيان ملكية الله - تعالى - لكل شىء ، وقدرته على كل شىء وعلمه بكل شىء .
وقوله - تعالى - : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } مؤكد لما قبله من إثبات قدرة الله - تعالى - وعلمه .
أى : وما كان ربك - أيها الرسول الكريم - ناسيا أو تاركاً لك أو مهملاً لشأنك ، ولكنه - سبحانه - محيط بأحوالك وبأحوال جميع المخلوقات { لاَ يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السماوات وَلاَ فِي الأرض وَلاَ أَصْغَرُ مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْبَرُ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ }
قال ابن كثير : " قال ابن أبى حاتم : حدثنا يزيد بن محمد . . . عن أبى الدرداء يرفعه قال : " ما أحل الله فى كتابه فهو حلال ، وما حرمه هو حرام ، وما سكت عنه فهو عافية ، فاقبلوا من الله عافيته ، فإن الله لم يكن لينسى شيئاً " ثم تلا هذه الآية : { وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً } .
قوله تعالى : { وما نتنزل إلا بأمر ربك له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك وما كان ربك نسيا ( 64 ) رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سميا ( 65 ) } .
في سبب نزول الآية روى الإمام أحمد عن ابن عباس قال : قال رسول الله ( ص ) لجبريل : " ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا ؟ " فنزلت الآية : ( وما نتنزل إلا بأمر ربك ) و ( نتنزل ) ، بالتشديد ، وهو يقتضي العمل في مهلة . وقيل : لا تقتضيها . قال الزمخشري في ذلك : التنزل على معنيين : النزول على مهل ، والنزول على الإطلاق ؛ أي بمعنى أنزل ، فلا يقتضي المهل أو التدريج ، والراجح الأول وهو النزول على مهل . وهذا خبر من لله عن جبريل عليه السلام ، أو حكاية قوله وهو أننا ننزل في الأحايين وقتا غِبّ{[2911]} وقت ، ولا ننزل إلا بأمر الله في الأوقات التي يقدرها تبعا لحكمته ومشيئته . ووقتا غب وقت ؛ أي ينزل في وقت ويغيب عنه في آخر . قوله : ( له ما بين أيدينا وما خلفنا وما بين ذلك ) وهذا حكاية عن قول جبريل أيضا ، وهو أن الله محيط بالزمان كله ، فله ما أمامنا من الزمان المستقبل ، وما وراءنا من الزمان الماضي ، وله ما بين الزمانين جميعا . فلا ننزل في زمان من الأزمنة إلا بأمر الله وتقديره وحكمته .
قوله : ( وما كان ربك نسيا ) النسي ، في اللغة ، الكثير النسيان بكسر النون . أو هو النسيان بفتح النون{[2912]} ، والمراد به هنا : أن الله سبحانه وتعالى لا يجوز عليه النسيان والغفلة ؛ فلا يدع أنبياءه ، أو يتخلى عنهم .