وأحب يوسف السجين البريء ، الذي أمر الملك بسجنه دون تحر ودون بحث ، إلا ما نقله إليه بعض حاشيته من وشاية لعلهم صوروا له فيها حادث امرأة العزيز وحادث النسوة تصويرا مقلوبا ، كما يقع عادة في مثل هذه الأوساط . . أحب يوسف أن يبلغ أمره إلى الملك ليفحص عن الأمر :
( وقال للذي ظن أنه ناج منهما : اذكرني عند ربك ) . .
اذكر حالي ووضعي وحقيقتي عند سيدك وحاكمك الذي تدين بشرعه وتخضع لحكمه ، فهو بهذا ربك . فالرب هو السيد والحاكم والقاهر والمشرع . . وفي هذا توكيد لمعنى الربوبية في المصطلح الإسلامي . ومما يلاحظ أن ملوك الرعاة لم يكونوا يدعون الربوبية قولا كالفراعنة ، ولم يكونوا ينتسبون إلى الإله أو الآلهة كالفراعنة . ولم يكن لهم من مظاهر الربوبية إلا الحاكمية وهي نص في معنى الربوبية . .
وهنا يسقط السياق أن التأويل قد تحقق ، وأن الأمر قد قضي على ما أوله يوسف . ويترك هنا فجوة ، نعرف منها أن هذا كله قد كان . ولكن الذي ظن يوسف أنه ناج فنجا فعلا لم ينفذ الوصية ، ذلك أنه نسي الدرس الذي لقنه له يوسف ، ونسي ذكر ربه في زحمة حياة القصر وملهياتها وقد عاد إليها ، فنسي يوسف وأمره كله . .
( فأنساه الشيطان ذكر ربه ) . .
( فلبث في السجن بضع سنين ) . .
والضمير الأخير في لبث عائد على يوسف . وقد شاء ربه أن يعلمه كيف يقطع الأسباب كلها ويستمسك بسببه وحده ، فلم يجعل قضاء حاجته على يد عبد ولا سبب يرتبط بعبد . وكان هذا من اصطفائه وإكرامه .
إن عباد الله المخلصين يتبغي أن يخلصوا له سبحانه ، وأن يدعوا له وحده قيادهم ، ويدعوا له سبحانه تنقيل خطاهم . وحين يعجزون بضعفهم البشري في أول الأمر عن اختيار هذا السلوك ، يتفضل الله سبحانه فيقهرهم عليه حتى يعرفوه ويتذوقوه ويلتزموه بعد ذلك طاعة ورضى وحبا وشوقا . . فيتم عليهم فضله بهذا كله . .
بضع سنين : البضع : العدد من الثلاث إلى التسع ، واشتهر أن يوسف مكث في السجن سبع سنين .
42 { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذْكُرْنِي عِندَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ } .
أقام يوسف في السجن مظلوما ، فاقدا للحرية ؛ فأراد أن يذكر ساقي الملك ، بأن يذكر قصته للملك ، ويخبره : أن في السجن رجلا مظلوما يفسر الرؤيا ، ويسير بين المسجونين بمكارم الأخلاق ، لكن ساقي الملك شغله المنصب ، وحياة القصور وأمورها ، فنسى وصية يوسف له ، ونسي يوسف في السجن ؛ فمكث فيه سبع سنوات .
قال القرطبي : قال وهب بن منبه : أقام أيوب في البلاء سبع سنين ، وأقام يوسف في السجن سبع سنين .
ذهب بعض المفسرين إلى أن يوسف مكث في السجن بضع سنين عقوبة له ؛ لأنه التفت إلى العباد ، وطلب من الساقي أن يذكر قصته للملك ، وكان ينبغي أن يذكر يوسف قصته لله ويشتكي إليه ، واعتمدوا على أحاديث واهنة لا يصح الأخذ بها .
وعند التأمل نجد أن يوسف الصديق ، كان دائم الذكر لله تعالى ؛ فهو الذي رفض الفاحشة ، وذكر زليخا بالله تعالى وبحرمة الزوج ، وهو الذي رفض إغراء النسوة وقال : { رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه } . وهو الذي استمر في السجن يدعو الناس إلى توحيد الله تعالى .
ويوسف حين يذكر الساقي بأن يعرض أمره على الملك ، هو آخذ في الأسباب ، وقد أمر الله تعالى بذلك حين قال سبحانه : { فامشوا في مناكبها وكلوا من رزقه } . ( الملك : 15 ) .
وزعم بعض المفسرين : أن الذي نسي ذكر ربه هو : يوسف في قوله تعالى : { فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ } . أي : أن الشيطان أنسى يوسف ذكر الله ، والاعتماد عليه في الخروج من السجن ؛ فمكث فيه بضع سنين . وعند التأمل نجد أن السياق لا يساعد على هذا الرأي ؛ بدليل قوله تعالى : { وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا واذكر بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُم بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ } . أي : وقال الذي نجا منهما ، وتذكر يوسف بعد مدة طويلة . . . الخ .
وقد جاء في تفسير القرطبي ، وفي صفوة التفاسير :
أن جبريل جاء إلى يوسف فأخبره : أن الله تعالى هو الذي نجاه من الجب ، ونجاه من زليخا ، ونجاه من كيد النسوة ، فكيف لجأ إلى مخلوق ليخرج من السجن ؟ ! وعقوبته أن يمكث في السجن بضع سنين .
و مثل هذه المرويات الواهية ينبغي أن نعيد النظر فيها ، في ضوء حقائق القرآن الكريم ، والسنة المطهرة ؛ في الحث على الأخذ بالأسباب ؛ مع اليقين الجازم بأن مسبب الأسباب ، هو الله تعالى .
لقد جاهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، وهاجر من مكة إلى المدينة ، وبذل جهدا كبيرا في بناء الدولة الإسلامية ، ومراسلة الملوك ، ودعوتهم إلى الإسلام ، ونهى عن التفرغ للعبادة ، وترك الجهاد ، وبين : أن التوكل على الله لا يمنع الأخذ بالأسباب .
قال أعرابي للرسول صلى الله عليه وسلم : ناقتي بالباب هل أعلقها ؟ أم أتركها وأتوكل على الله ؟ ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أعلقها وتوكل على الله " . 19
{ وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ ( 42 ) }
وقال يوسف للذي علم أنه ناجٍ من صاحبيه : اذكرني عند سيِّدك الملك وأخبره بأني مظلوم محبوس بلا ذنب ، فأنسى الشيطان ذلك الرجل أن يذكر للملك حال يوسف ، فمكث يوسف بعد ذلك في السجن عدة سنوات .
ثم ختم يوسف - عليه السلام - حديثه مع صاحبيه في السجن ، بأن أوصى الذي سينجوا منهما بوصية حكاها القرآن في قوله : { وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِّنْهُمَا اذكرني عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السجن بِضْعَ سِنِينَ } .
أى : " وقال " يوسف - عليه السلام - للفتى الذي اعتقد أنه سينجو منهما وهو ساقى الملك ، أيها الساقى بعد أن تخرج من السجن وتعود إلى عملك عند سيدك الملك ، اذكر حقيقة حالى عنده ، وأنى سجين مظلوم .
ولكن الساقى بعد أن عاد إلى عمله عند الملك ، لم ينفذ الوصية ، لأن الشيطان أنساه ما قاله له يوسف ، فكانت النتيجة أن لبث يوسف - عليه السلام - في السجن مظلوما بعض سنين .
والبضع - بالكسر - من ثلاث إلى تسع ، وهو مأخذو من البضع - بالفتح - بمعنى القطع والشق . يقال : بضعت الشئ أى : قطعته .
وقد اختلفوا في المدة الى قضاها يوسف في السجن على أقوال من أشهرها أنه لبث فيه سبع سنين .
وعلى هذا التفسير يكون الضمير في " فأنساه " يعود إلى ساقى الملك ، ويكون المراد بربه أى : سيده ملك مصر .
وهناك من يرى أن الضمير في قوله " فأنساه " يعود إلى يوسف - عليه السلام - وأن المراد بالرب عننا : الخالق - عز وجل - ، وعليه يكون المعنى .
وقال يوسف - عليه السلام - للفتى الذي اعتقد نجاته وهو ساقى الملك : اذكر مظلمتى عند سيدك الملك عندما تعود إليه . واذكر له إحسانى لتفسير الرؤى . .
وقوله { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ } أى : فأنسى الشيطان يوسف أن يذكر حاجته لله وحد ، ولا يذركها للساقى ليبلغها إلى الملك .
فكانت النتيجة أن لبث يوسف في السجن بضع سنين بسبب هذا الاعتماد على المخلوق ؟
والذى يبدو لنا أن التفسير الأول أقرب إلى الصواب ، لأنه هو الظاهر من معنى الآية الكريمة ، ولأن قوله - تعالى - بعد ذلك { وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَاْ أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ .
. . } يدل دلالة واضحة على أن الضمير في قوله " فأنساه " يعود إلى ساقى الملك ، وأن المراد بربه أى سيده .
وقد علق الإِمام الرازى على هذه الآية تعليقا يشعر بترجيحه للرأى الثانى فقال ما ملخصه : " واعلم أن الاستعانة بالناس في دفع الظلم جائزة في الشريعة ، إلا أن حسنات الأبرار سيئات المقربين ، فهذا وإن كان جائزا لعامة الخلق ، إلا أن الأولى بالصديقين أن يقطعوا نظرهم عن الأسباب بالكلية ، وألا يشتغلوا إلا بمسبب الأسباب . .
ثم قال والذى جربته من أول عمري إلى آخره أ الإِنسان كلما عول في أمر من الأمور على غير الله ، صار ذلك سببا إلى البلاء وإلى المحنة . . وإذا عول العبد على الله ولم يرجع إلى أحد من الخلق حصل ذلك المطلوب على أحسن الوجوه ، فهذه التجربة قد استمرت لى من أول عمرى إلى هذا الوقت الذي بعث فيه السابعة والخمسين من عمرى .
ثم قال : واعلم أن الحق هو قول من قال إن الضمير في قوله : { فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ } راجع إلى يوسف . . والمعنى : أن الشيطان أنسى يوسف أن يذكر به وخالقه . .
ونحن مع احترامنا لرأى الفخر الرازى ، إلا أننا ما زلنا نرى أن عودة الضمير في قوله " فأنساه " إلى الساقى الذي ظن يوسف أنه هو الناجى من العقوبة ، أولى لما سبق أن ذكرناه .
قال ابن كثير : وقوله { اذكرني عِندَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ . . . }
أى : " قال يوسف اذكر قصتى عند ربك وهو الملك ، فنسى ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك ، وكان نسيانه من جملة مكايد الشيطان . . هذا هو الصواب أن الضمير في قوله : " فأنساه " . . عائد على الناجى كما قال مجاهد ومحمد بن إسحاق وغير واحد . .
وإلى هنا تكون الآيات الكريمة قد قصت علينا بأسلوبها المشوق الحكيم جابنا من حياة يوسف - عليه السلام - في السجن فماذا كان بعد ذلك ؟