وإذا كان عذاب جهنم ينتظر المنافقين والكافرين ، وكانت لعنته لهم بالمرصاد ، وكان نسيانه لهم يدمغهم بالضآلة والحرمان . فإن نعيم الجنة ينتظر المؤمنين :
( جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ) . .
للإقامة المطمئنة . ولهم فوقها ما هو أكبر وأعظم :
وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل وتتوارى في هالات ذلك الرضوان الكريم .
إن لحظة اتصال باللّه . لحظة شهود لجلاله . لحظة انطلاق من حبسة هذه الأمشاج ، ومن ثقلة هذه الأرض وهمومها القريبة . لحظة تنبثق فيها في أعماق القلب البشري شعاعه من ذلك النور الذي لا تدركه الأبصار . لحظة إشراق تنير فيها حنايا الروح بقبس من روح اللّه . . إن لحظة واحدة من هذه اللحظات التي تتفق للندرة القليلة من البشر في ومضة صفاء ، ليتضاءل إلى جوارها كل متاع ، وكل رجاء . . فكيف برضوان من اللّه يغمر هذه الأرواح ، وتستشعره بدون انقطاع ?
خالدين فيها : ماكثين فيها مكثا دائما .
جنات عدن : أي : جنات إقامة وخلود ، يقال : عدن بالمكان عدنا وعدونا أقام به .
72 – { وَعَدَ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } .
فصّل الله تعالى في هذه الآية ما وعد به المؤمنين من رحمته في الآية السابقة حين قال : { أولئك سيرحمهم الله } .
وقد أعد الحق سبحانه وتعالى ثلاثة أشياء مفسرة للرحمة :
1 – الجنات التي تجري من تحتها النهار ، فينعم الناظر إليها ؛ حين تجري الأنهار تحت أشجارها وغرفها منضبطة بالقدرة الإلهية في غير أخدود( شق ) وهم فيها خالدون فلا يموتون ولا يخرجون منها .
2 – المساكن الطيبة ، وهي المنازل التي تستطيبها النفوس ، أو يطيب العيش فيها ، في جنات عدن وهي أبهى أماكن الجنة وأسناها ، وعدن . اسم موضع معين في الجنة ، أو بمعنى : دار إقامة ، ينزل فيها الأنبياء والصديقون والشهداء والصالحون ومن يشاء الله .
3 – رضوان من الله أكبر ، وهذا الرضا هو الفوز الأكبر ، والنعيم الروحي الحقيقي ، فالسعادة الروحية أفضل من السعادة الجسمانية ، وقيل : إن الرضوان هو رؤية الله يوم القيامة .
{ ذلك هو الفوز العظيم } . أي : هذا الفوز بالجنة ونعيمها ، ورضوان الله وكرامته لأحبابه في الجنة ، هو الفوز العظيم ، فمتاع الدنيا قليل فان ، أما نعيم الجنة ورضوان الله فهو الفوز العظيم حقا وصدقا .
جاء في الصحيحين عن أبي موسى الأشعري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ، وجنتان من فضة ، آنيتهما وما فيهما ، وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن " .
ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن للمؤمن في الجنة لخيمة من لؤلؤة واحدة مجوفة ، طولها ستون ميلا في السماء ، للمؤمن فيها أهلون ، يطوف عليهم ، لا يرى بعضهم بعضا " 112 .
وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه : " إن في الجنة مائة درجة ، أعدها الله للمجاهدين في سبيله ، بين كل درجتين كما بين السماء والأرض ، فإذا سألتم الله فاسئلوه الفردوس ، فإنه أعلى الجنة ، وأوسط الجنة ، ومنه تفجر أنهار الجنة ، وفوقه عرش الرحمان " 113 .
وروى الإمام مالك والشيخان : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن الله عز وجل يقول لأهل الجنة : يا أهل الجنة ، فيقولون : لبيك ربنا وسعديك ، والخير في يديك ، فيقول : هل رضيتم ؟ فيقولون : ومالنا لا نرضى يا رب ، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك ؟ ! فيقول : ألا أعطيكم أفضل من ذلك ؟ فيقولون : يا رب ، وأي شيء أفضل من ذلك ؟ ! فيقول : أحل عليكم رضواني ، فلا أسخط عليكم بعده أبدا " 114 .
جاء في كتاب : في ظلال القرآن للأستاذ سيد قطب ما يأتي :
وإن الجنة بكل ما فيها من نعيم لتتضاءل وتتوارى في هلالات ذلك الرضوان الكريم .
إن لحظة اتصال بالله ، لحظة شهود لجلاله ، لحظة انطلاق من حبسة هذه الأمشاج ، ومن ثقلة هذه الأرض . . . . لحظة إشراق تنير فيها حنايا الروح بقبس من روح الله ، إن لحظة واحدة من تلك اللحظات التي تتفق للندرة القليلة من البشر في ومضة صفاء ، ليتضاءل إلى جوارها كل متاع ، وكل رجاء ، فكيف برضوان من الله يغمر هذه الأرواح ، وتستشعره بدون انقطاع ؟ !
ثم ذكر ما أعد اللّه لهم من الثواب فقال : { وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ } جامعة لكل نعيم وفرح ، خالية من كل أذى وترح ، تجري من تحت قصورها ودورها وأشجارها الأنهار الغزيرة ، المروية للبساتين الأنيقة ، التي لا يعلم ما فيها من الخيرات والبركات إلا اللّه تعالى .
{ خَالِدِينَ فِيهَا } لا يبغون عنها حِوَلًا { وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ } قد زخرفت وحسنت وأعدت لعباد اللّه المتقين ، قد طاب مرآها ، وطاب منزلها ومقيلها ، وجمعت من آلات المساكن العالية ما لا يتمنى فوقه المتمنون ، حتى إن اللّه تعالى قد أعد لهم غرفا في غاية الصفاء والحسن ، يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها .
فهذه المساكن الأنيقة ، التي حقيق بأن تسكن إليها النفوس ، وتنزع إليها القلوب ، وتشتاق لها الأرواح ، لأنها في جنات عدن ، أي : إقامة لا يظعنون عنها ، ولا يتحولون منها .
{ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ } يحله على أهل الجنة { أَكْبَرُ } مما هم فيه من النعيم ، فإن نعيمهم لم يطب إلا برؤية ربهم ورضوانه عليهم ، ولأنه الغاية التي أمَّها العابدون ، والنهاية التي سعى نحوها المحبون ، فرضا رب الأرض والسماوات ، أكبر من نعيم الجنات .
{ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } حيث حصلوا على كل مطلوب ، وانتفى عنهم كل محذور ، وحسنت وطابت منهم جميع الأمور ، فنسأل اللّه أن يجعلنا معهم بجوده .
قوله تعالى : { وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم } ذلك وعد الله لبعاده المؤمنين والمؤمنات ، والعاملين بكتابه وسنة رسوله ، المجانبين للشرك والضلال –وعدهم { جنات تجري من تحتها الأنهار } وهي المنازل الفخمة والمقامات العالية الكريمة حيث الخير والسعادة والجمال بما يعز على المرء أن يتصور مبلغ روعته ومداه حتى يعاينه ويراه . وهذه هي جنات عدن ؛ أي دار إقامة وخلود .
وقوله : { ورضوان من الله أكبر } وهو غاية ما يزين الجنة من كمال البهجة والفضل والحبور ؛ بل إنه أقصى ما يخطر للأذهان والقلوب من كمال السعادة والاستشراق والرضى . إن رضوان الله على المؤمنين في الجنة يفوق كل ما حوته الجنات من صنوف اللذات والدرجات وألوان النعيم . وهذا ما ينبه إليه الوصف بقوله : { أكبر } .
قوله : { ذالك هو الفرز العظيم } الإشارة عائدة إلى ما تقدم مما وعد الله به عباده المؤمنين من جنات الخلود حيث الإقامة الدائمة والقرار المكين السعيد . ثم رضوان الله الذي يفوق كل ما دونه من ألوان النعيم . لا جرم أن هذا لهو الفوز العظيم . الفوز الذي يهون دونه كل فوز مما يتخيله الناس أو يحسونه .