في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ} (4)

فربه يرأف به ، وينهنهه عن هذا الهم القاتل ، ويهون عليه الأمر ، ويقول له : إن إيمانهم ليس مما كلفت ؛ ولو شئنا أن نكرههم عليه لأكرهناهم ، ولأنزلنا من السماء آية قاهرة لا يملكون معها جدالا ، ولا إنصرافا عن الإيمان . ويصور خضوعهم لهذه الأية صورة حسية : ( فظلت أعناقهم لها خاضعين )ملوية محنية حتى لكأن هذه هيئة لهم لا تفارقهم ، فهم عليها مقيمون !

ولكنه - سبحانه - لم يشأ أن يجعل مع هذه الرسالة الأخيرة آية قاهرة . لقد جعل آيتها القرآن . منهاج حياة كاملة . معجزا في كل ناحية :

معجزا في بنائه التعبيري وتنسيقه الفني ، باستقامته على خصائص واحدة ، في مستوى واحد ، لا يختلف ولا يتفاوت ، ولا تتخلف خصائصه ؛ كما هي الحال في أعمال البشر . إذ يبدو الارتفاع والانخفاض والقوة والضعف في عمل الفرد الواحد ، المتغير الحالات . بينما تستقيم خصائص هذا القرآن التعبيرية على نسق واحد ، ومستوى واحد ، ثابت لا يتخلف ، يدل على مصدره الذي لا تختلف عليه الأحوال .

معجزا في بنائه الفكري ، وتناسق أجزائه وتكاملها ، فلا فلتة فيه ولا مصادفة . كل توجيهاته وتشريعاته تلتقي وتتناسق وتتكامل ؛ وتحيط بالحياة البشرية ، وتستوعبها ، وتلبيها وتدفعها ، دون أن تتعارض جزئية واحدة من ذلك المنهاج الشامل الضخم مع جزئية أخرى ؛ ودون أن تصطدم واحدة منها بالفطرة الإنسانية أو تقصر عن تلبيتها . . وكلها مشدودة إلى محور واحد ، وإلى عروة واحدة ، في اتساق لا يمكن أن تفطن إليه خبرة الإنسان المحدودة . ولا بد أن تكون هناك خبرة مطلقة ، غير مقيدة بقيود الزمان والمكان . هي التي أحاطت به هذه الإحاطة ، ونظمته هذا التنظيم .

معجزا في يسر مداخله إلى القلوب والنفوس ، ولمس مفاتيحها ، وفتح مغاليقها ، واستجاشة مواضع التأثر والاستجابة فيها ؛ وعلاجه لعقدها ومشكلاتها في بساطة ويسر عجيبين ؛ وفي تربيتها وتصريفها وفق منهجه بأيسر اللمسات ، دون تعقيد ولا التواء ولا مغالطة .

لقد شاء الله أن يجعل هذا القرآن هو معجزة هذه الرسالة - ولم يشأ أن ينزل آية قاهرة مادية تلوي الأعناق وتخضعها وتضطرها إلى التسليم - ذلك أن هذه الرسالة الأخيرة رسالة مفتوحة للأمم كلها ، وللأجيال كلها . وليست رسالة مغلقة على أهل زمان أو أهل مكان . فناسب أن تكون معجزتها مفتوحة كذلك للبعيد والقريب . لكل أمة ولكل جيل . والخوارق القاهرة لا تلوي إلا أعناق من يشاهدونها ؛ ثم تبقى بعد ذلك قصة تروى ، لا واقعا يشهد . . فأما القرآن فها هو ذا بعد أكثر من ثلاثة عشر قرنا كتاب مفتوح ومنهج مرسوم ، يستمد منه أهل هذا الزمان ما يقوم حياتهم - لو هدوا إلى اتخاذه إمامهم - ويلبي حاجاتهم كاملة ؛ ويقودهم بعدها إلى عالم أفضل ، وأفق أعلى ، ومصير أمثل . وسيجد فيه من بعدنا كثيرا مما لم نجده نحن ؛ ذلك أنه يعطي كل طالب بقدر حاجته ؛ ويبقى رصيده لا ينفد ، بل يتجدد . ولكن لم يكونوا يفطنون إلى هذه الحكمة الكبرى . فكانوا يعرضون عما يتنزل عليهم من هذا القرآن العظيم حينا بعد حين :

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ} (4)

4-{ إن نشأ ننزل عليهم من السماء آية فظلت أعناقهم لها خاضعين }

لو نشاء لأنزلنا عليهم معجزة أو آية ، تضطرهم إلى الإيمان القهري ، لكنا لا نفعل ذلك ؛ لأننا لا نريد من الناس إلا الإيمان الاختياري ، الذي يحتكم إلى العقل والإرادة والاختيار ، وتلك حكمة الله وإرادته ، فقد خلق الكون ، وأرسل الرسل ، وأنزل الكتب ، ودعا الناس إلى الإيمان ، وشرح للناس مظاهر القدرة الإلهية ، وبيّن للناس أسباب الهداية ، وفضائل الإيمان وآدابه ، وثواب السير على الصراط المستقيم ، وبيّن أسباب السعادة الدنيوية والأخروية ، وترك للإنسان اختيار الطريق الذي يريده ، عن حرية وطواعية ، قال تعالى : { ونفس وما سواها*فألهمها فجورها وتقواها*قد أفلح من زكاها* وقد خاب من دساها } [ الشمس : 7-10 ] .

وقال سبحانه : { ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين } [ يونس : 99 ]

وقال سبحانه : { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة . . . } [ هود : 118 }

لقد علم الله أزلا أن هذه هي الرسالة الخاتمة ، وأن هذا القرآن هو آخر الكتب السماوية ، فاشتمل على ألوان من الإعجاز في أسلوبه وبيانه ، وألفاظه ونظامه ، الإعجاز فيما اشتمل عليه من ألوان العلوم والفنون ، التي لم يكن يعلمها أحد وقت نزول القرآن الكريم في القرن السابع الميلادي ، الإعجاز في إخباره عن أمور مستقبلية ، مثل هزيمة الفرس أمام الروم ، ومثل تطور العلوم تطورا عظيما ، ومع تقدم العلوم فإنها لم تصطدم بأي حقيقة علمية جاء بها القرآن ، بل إن تقدم العلوم أكد صدق القرآن وإعجازه ، فقد تحدث القرآن عن بدء الخليقة ، وعن خلق السماء والأرض والبحار والأنهار ، وعن حركة الأرض والشمس والقمر ، وعن تطور خلق الجنين في بطن أمه ، وعن فقد الجسم للإحساس عند احتراق الجلد ، وعن خلق الله من كل زوجين اثنين ذكر وأنثى ، ليتم التوالد وإعمار الحياة ، بتناسل الإنسان والحيوان والنبات ، وتحدث القرآن عن نهاية الحياة وقيام القيامة ، وتبدل الأرض غير الأرض والسماوات ، وكل هذه الأمور وغيرها أيّدها تقدم العلوم ، وكان تقدم العلوم في حد ذاته توثيقا لصدق القرآن وإعجازه ، قال تعالى : { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق . . } [ فصلت : 53 ]

 
تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{إِن نَّشَأۡ نُنَزِّلۡ عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ ءَايَةٗ فَظَلَّتۡ أَعۡنَٰقُهُمۡ لَهَا خَٰضِعِينَ} (4)

{ إِنْ نَشَأْ نُنزلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً } .

أي : من آيات الاقتراح ، { فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ } أي : أعناق المكذبين { لَهَا خَاضِعِينَ } ولكن لا حاجة إلى ذلك ، ولا مصلحة فيه ، فإنه إذ ذاك الوقت ، يكون الإيمان غير نافع ، وإنما الإيمان النافع ، الإيمان بالغيب ، كما قال تعالى : { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا } الآية .