في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (7)

5

ولقد بقيت العصبة المسلمة تود أن لو كانت غير ذات الشوكة هي التي كتب الله عليهم لقاءها :

( وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ) . .

هذا ما أرادته العصبة المسلمة لأنفسها يومذاك . أما ما أراده الله لهم ، وبهم ، فكان أمراً آخر :

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (7)

المفردات :

إحدى الطائفتين : العير أو النفير .

غير ذات الشوكة : الشوكة : الشدة والقوة ويقال : السلاح ، غير ذات الشوكة : العير التي ليس فيها قتال .

يحق الحق : يظهره ويعلنه .

بكلماته : بأمره لكم بالقتال أو بوعده لكم بإظهار الدين وإعزازه .

التفسير :

7 – { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين } .

هذا كلام مستأنف مسوق لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما هم فيه من الجزع وقلة الحزم .

جاء في تفسير أبي السعود :

{ أنها لكم } .

بدل اشتمال من إحدى الطائفتين مبين لكيفية الوعد أي : يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم مختصمة بكم مسخرة لكم تتسلطون عليها تسلط الملاك وتتصرفون فيها كيف شئتم . ا . ه .

والطائفتان : هما العير أو النفير ، أي : طائفة أبي سفيان ومعها التجارة ولم يكن فيه إلا أربعون فارسا ورأسهم أبو سفيان ، وطائفة النفير والحرب ورئيسها أبو جهل ، وهم ألف مقاتل والمراد بذات الشوكة : النفير ، والشوكة في الأصل : واحدة الشوك وهو النبات الذي له حدثم استعيرت للشدة والحدة ، ومنه قولهم : رجل شائك السلاح أي : شديد قوي .

والمعنى : واذكروه – أيها المؤمنون – وقت أن وعدكم الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بأن إحدى الطائفتين لكم وهم العير أو النفير ، وأنتم مع ذلك تودون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح وهي العير : { ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين } . يريد الله أن يستدرجكم إلى القتال وفيه العزة والكرامة لكم ، وفي هذا القتال يظهر الله الحق ، ويعليه بآياته المنزلة على رسوله تبشر بالنصر ، وبإنزال الملائكة ، وبقضائه الذي لا يتخلف بمعونة المؤمنين وهزيمة المشركين ، وقطع دابرهم .

والدابر : التابع من الخلف ، يقال دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ، إذا كان آخرهم في المجيء ، والمراد ؛ أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم عن آخرهم .

قال أبو السعود :

والمعنى : أنتم تريدون سفاسف الأمور والله يريد معاليها ، وما يرجع إلى علو الكلمة وسمو رتبة الدين وشتان بين المرادين .

وقال الزمخشري في تفسير الكشاف :

{ ويريد الله أن يحق الحق بكلماته . . . . }

يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفاسف الأمور ، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم ، والله عز وجل يريد معالي الأمور ، وما يرجع إلى عمارة الدين ونصرة الحق ، وعلو الكلمة والفوز في الدارين ، وشتان ما بين المرادين ، ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة ، وكسر قوتهم بضعفكم ، وغلب كثرتهم بقلتكم ، وأعزكم وأذلهم . . .

 
التفسير الوسيط للقرآن الكريم لسيد طنطاوي - سيد طنطاوي [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (7)

ثم حكى - سبحانه - جانباً من مظاهر فضله على المؤمنين ، مع جزع بعضهم من قتال عدوه وعدوهم ، وإيثارهم العير على النفير فقال : { وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ } .

والمراد بإحدى الطائفتين : العير أو النفير ، والخطاب للمؤمنين .

والمراد بغير ذات الشوكة : العير ، والمراد بذات الشوكة : النفير .

والشوكة في الأصل واحد الشوك وهو النبات الذي له حد ، ثم استعيرت للشدة والحدة . ومنه قولهم : رجل شائك السلاح أى : شديد قوى .

والمعنى : واذكروا - أيها المؤمنون - وقت أن وعدكم الله - تعالى - على لسان رسوله - بأن إحدى الطائفتين : العير أو النفير هى لكم تظفرون بها ، وتتصرفون فيها تصرف المالك في ملكه ، وأنتم مع ذلك تودون وتتمنون أن تظفروا بالطائفة التي ليس معها سلاح وهى العير .

وعبر - سبحانه - عن وعده لهم بصيغة المضارع { يَعِدُكُمُ } مع أن هذا الوعد كان قبل نزول الآية ، لاستحضار صورة الموعود به في الذهن ، ولمداومة شكره - سبحانه - على ما وهبهم من نصر وفوز .

وإنما وعدهم - سبحانه - إحدى الطائفتين على الإِبهام مع أنه كان يريد إحداهما وهى النفير ، ليستدرجهم إلى الخروج إلى لقاء العدو حتى ينتصروا عليه . وبذلك تزول هيبة المشركين من قلوب المؤمنين .

وقوله { إِحْدَى } مفعول ثاني ليعد . وقوله : { أَنَّهَا لَكُمْ } بدل اشتمال من { إِحْدَى } مبين لكيفية الوعد .

أى : يعدكم أن إحدى الطائفتين كائنة لكم ، ومختصة لكم ، تتسلطون عليها تسلط الملاك ، وتتصرفون فيها كيفيما شئتم .

وقوله : { وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشوكة تَكُونُ لَكُمْ } معطوف على قوله : { يَعِدُكُمُ } أى : وعدكم - سبحانه - إحدى الطائفتين بدون تحديد لإِحداهما ، وأنتم تحبون ان تكون لكم طائفة العير التي لا قتال فيها يذكر ، على طائفة النفير التي تحتاج منكم إلى قتال شديد ، وإلى بذل للمهج والأرواح .

وفى هذه الجملة تعريض بهم ، حيث كرهوا القتال ، وأحبوا المال ، وما هكذا يكون شأن المؤمنين الصادقين .

ثم بين لهم - سبحانه - أنهم وإن كانوا يريدون العير ، إلا أنه - سبحانه - يريد لهم النفير ، ليعلو الحق ، ويزهق الباطل ، فقال : { وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الكافرين } .

أى : ويريد الله بوعده غير ما أردتم . { 1649 ؛ لشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } أي أن يظهر الحق ويعلمه بآياته المنزلة على رسوله ، وبقضائه الذي لا يتخلف ، وأن يستأصل الكافرين ويذلهم ، ويقطع دابرهم ؛ أي آخرهم الذي يدبرهم .

والدابر : التابع من الخلف ، يقال : دبر فلان القوم يدبرهم دبورا ، إذا كان آخرهم في المجئ ، والمراد أنه سبحانه يريد أن يستأصلهم استئصالا .

وقد هلك في غزوة بدر عدد كبير من صناديد قريش الذين كانوا يحاربون الإِسلام ، ويستهزئون بتعاليمه .

قال صاحب الكشاف في معنى الآية الكريمة ، قوله : { وَيُرِيدُ الله أَن يُحِقَّ الحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ } يعنى أنكم تريدون العاجلة وسفساف الأمور ، وأن لا تلقوا ما يرزؤكم في أبدانكم وأموالكم ، والله - عز وجل - يريد معالى الأمور ، وما يرجع إلى عمارة الدين ، ونصرة الحق ، وعلو الكلمة والفوز في الداري ، وشتان ما بين المرادين ولذلك اختار لكم الطائفة ذات الشوكة ، وكسر قوتهم بضعفكم ، وغلب كثرتهم بقلتكم ، وأعزكم وأذلهم ، وحصل لكم مالا تعارض أدناه العير وما فيها .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ} (7)

قوله : { وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم } إذ متعلقة بفعل مقدر ، وتقديره : واذكر يا محمد ؛ إذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنهم لكم . وإحدى الطائفتين في محل نصب مفعول به ثان للفعل يعد . والمفعول الأول الكاف والميم في قوله : { يعدكم } وأنها لكم ، بدل اشتمال من إحدى{[1621]} ؛ أي اذكروا أيها القوم إذ يعدكم الله أن تظفروا بإحدى الفريقين ، وهما فرقة أب سفيان والعير التي معه ، وفرقة المشركين الذين نفروا من مكة لمنع عيرهم { أنها لكم } أي أن تظفروا بما فيها من غنيمة . لكنكم أنتم تودون أن تظفروا بالطائفة الضعيفة التي ليس لها شوكة ؛ أي قوة او سلاح وهي طائفة العير ، دون جماعة قريش الذين جاءوا لقتالكم .

قوله : { ويريد الله أن يحق الحق بكلمته ويقطع دابر الكافرين } يريد الله أن يظهر الإسلام { بكلمته } أي بأمره إياكم أن تقاتلوا الكافرين ، وأنتم تريدون الغنيمة والمال { ويقطع دابر الكافرين } أي يريد الله أن يجب{[1622]} أصل هؤلاء المشركين جبا ، فيقضي عليهم بالكلية . والدابر معناه المتأخر . وقطع الدابر يعني الإتيان على الجميع ، فما يقتل الأخير من القيوم إلا بعد أن يقتل القوم جميعا .


[1621]:البيان لابن الأنباري جـ 1 ص 383.
[1622]:يجب، جبا وجيايا؛ أي يقطع قطعا. ومنه حديث: (إن الإسلام يجب ما قبله) أي قطع ويمحو ما كان قبله من الكفر والذنوب. ويقال: جب الخصية: استأصلها. انظر المعجم الوسيط جـ 1 ص 104.