وقبل ختام السورة يعود السياق إلى أهل الكتاب ، فيقرر أن فريقا منهم يؤمن إيمان المسلمين ، وقد انضم إلى موكب الإسلام معهم . وسار سيرتهم . وله كذلك جزاؤهم :
( وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم ، وما أنزل إليهم . خاشعين لله ، لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا . أولئك لهم أجرهم عند ربهم . إن الله سريع الحساب )
إنه الحساب الختامي مع أهل الكتاب . وقد ذكر من طوائفهم ومواقفهم فيما سبق من السورة الكثير . ففي معرض الإيمان ، وفي مشهد الدعاء والاستجابة ، يذكر كذلك أن من أهل الكتاب من سلكوا الطريق ، وانتهوا إلى النهاية . فآمنوا بالكتاب كله ، ولم يفرقوا بين الله ورسله ، ولم يفرقوا بين أحد من رسله . آمنوا بما أنزل إليهم من قبل ، وآمنوا بما أنزل للمسلمين - وهذه سمة هذه العقيدة التي تنظر إلى موكب الإيمان نظرة القرب والود ؛ وتنظر إلى خط العقيدة موصولا بالله ، وتنظر إلى منهج الله في وحدته وكليته الشاملة ، ويبرز من سمات المؤمنين من أهل الكتاب : سمة الخشوع لله وسمة عدم شرائهم بآياته ثمنا قليلا . . ليفرقهم بهذا من صفوف أهل الكتاب ، وسمتهم الأصيلة هي التبجح وقلة الحياء من الله . ثم التزوير والكتمان لآيات الله ، لقاء أعراض الحياة الرخيصة !
ويعدهم أجر المؤمنين عند الله . الذي لا يمطل المتعاملين معه - حاشاه - !
{ وإن من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب ، يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون }
199- { وإن من اهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما انزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قيلا لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب } .
أي وإن من اليهود والنصارى لفريقا يؤمن بالله إيمانا حقا ، منزها عن الإشراك بكل مظاهره وما انزل إليكم من القرآن ، وما أنزل إليهم من التوراة والإنجيل ، ولا يزالون مع هذا الإيمان خاضعين لله ، خائفين من عقابه طالبين رضاه ، لا يستبدلون بآيات الله ، التي أنزلها في التوراة والإنجيل عوضا قليلا ، هو عرض من أعراض الدنيا الفانية لأن الثمن هذا المأخوذ قليل حتى ولو بلغ القناطير المقنطرة من الذهب والفضة .
3- الإيمان بالتوراة والإنجيل .
5- عدم التفريط في أحكام الله ، وعدم بيعها بأي عرض من أعراض الدنيا .
وقد ذكر القرآن ما يشبه هذه الآيات في كثير من سوره وذلك من إنصاف القرآن ، فهو كتاب حق أنزله الله الحق ، وقد نزل بالحق ، ليحق الحق ويبطل الباطل .
ويتبادر للذهن أن هذه الآية استهدفت الاستدراك على ما جاء في الآيتين 186-187 من التنديد بأهل الكتاب ، الذين يناوئون الدعوة النبوية ، ويؤذون المسلمين ويكتمون ما عندهم من البينات .
وقريب من هذه الآية قوله تعالى : { ليسوا سواء من اهل الكتاب امة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهو يسجدون ، يؤمنون بالليل واليوم الآخر ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات وأولئك من الصالحين . ( آل عمران 113-114 ) .
وفي تفسير الطبري والطبرسي والخازن وابن كثير وغيرهم من المفسرين ، روايات عديدة في مناسبة نزول هذه الآية وفيمن عنته ، منها انها نزلت في النجاشي ملك الحبشة ، ومن آمن من قومه بالرسالة النبوية فإن النبي لما بلغه موت النجاشي دعا إلى الصلاة عليه . فقال المنافقون : إنه يصلي على رجل من غير دينه ، فنزلت هذه الآية ، ومنها انها نزلت في عبد الله بن سلام ، أحد أحبار اليهود وغيره من أفراد اليهود ، الذين آمنوا بالرسالة المحمدية ، ومنها أنها نزلت فيمن آمن بهذه الرسالة من أهل الكتاب عامة .
وذكر المفسرون ان من اسلم من أحبار اليهود لم يبلغ عددهم عشرة وفيهم عبد الله بن سلام وزيد بن سعنة .
وأما النصارى فكانوا كثيرين ، فقد اسلم أربعون من أهل نجران واثنان وثلاثون من الحبشة وثمانية من الروم .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.