في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا} (1)

مقدمة السورة:

سورة النساء مدنية وآياتها ست وسبعون ومائة

هذه السورة مدنية ، وهي أطول سور القرآن - بعد سورة البقرة - وترتيبها في النزول بعد سورة الممتحنة ، التي تقول الروايات : إن بعضها نزل في غزوة الفتح في السنة الثامنة للهجرة ، وبعضها نزل في غزوة الحديبية قبلها في السنة السادسة .

ولكن الأمر في ترتيب السور حسب النزول - كما بينا في مطالع الكلام على سورة البقرة في الجزء الأول - ليس قطعيا . كما أن السورة لم تكن تنزل كلها دفعة واحدة في زمن واحد . فقد كانت الآيات تتنزل من سور متعددة ؛ ثم يأمر النبي [ ص ] بوضع كل منها في موضعه من سورة بذاتها . والسورة الواحدة - على هذا - كانت تظل " مفتوحة " فترة من الزمان تطول أو تقصر . وقد تمتد عدة سنوات . وفي سورة البقرة كانت هناك آيات من أوائل ما نزل في المدينة ، وآيات من أواخر ما نزل من القرآن .

وكذلك الشأن في هذه السورة . فمنها ما نزل بعد سورة الممتحنة في السنة السادسة وفي السنة الثامنة كذلك . ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة . والمنتظر - على كل حال - أن يكون نزول آيات هذه السورة قد امتد من بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية ، إلى ما بعد السنة الثامنة ، حين نزلت مقدمة سورة الممتحنة .

ونذكر على سبيل المثال الآية الواردة في هذه السورة عن حكم الزانيات : ( واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم ؛ فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت ، حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا ) . . فمن المقطوع به أن هذه الآية نزلت قبل آية سورة النور التي بينت حد الزنا : ( الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ، ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله ، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ، وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين ) . . وهذه الآية الأخيرة نزلت بعد حديث الإفك في السنة الخامسة [ أو في السنة الرابعة على رواية ] فقد قال رسول الله [ ص ] حين نزلت : " خذوا عني . خذوا عني . قد جعل الله لهن سبيلا . . . " إلخ . وكان السبيل هو هذا الحكم الذي تضمنته آية النور .

وفي السورة نماذج كثيرة كهذا النموذج ، تدل على تواريخ نزولها على وجه التقريب . على النحو الذي بيناه في مطالع الكلام عن سورة البقرة . .

هذه السورة تمثل جانبا من الجهد الذي أنفقه الإسلام في بناء الجماعة المسلمة ، وإنشاء المجتمع الإسلامي ؛ وفي حماية تلك الجماعة ، وصيانة هذه المجتمع . وتعرض نموذجا من فعل القرآن في المجتمع الجديد ، الذي انبثق أصلا من خلال نصوصه ، والذي نشأ ابتداء من خلال المنهج الرباني . وتصور بهذا وذلك طبيعة هذا المنهج في تعامله مع الكائن الإنساني ؛ كما تصور طبيعة هذا الكائن وتفاعله مع المنهج الرباني . . تفاعله معه وهو يقود خطاه في المرتقى الصاعد ، من السفح الهابط ، إلى القمة السامقة . . خطوة خطوة ، ومرحلة مرحلة . . بين تيارات المطامع والشهوات والمخاوف والرغائب ؛ وبين أشواك الطريق التي لا تخلو منها خطوة واحدة ؛ وبين الأعداء المتربصين على طول الطريق الشائك !

وكما رأينا من قبل - في سورة البقرة وسورة آل عمران - مواجهة القرآن لكل الملابسات المحيطة بنشأة الجماعة المسلمة في المدينة ؛ وبيان طبيعة المنهج الرباني الذي تنشأ الجماعة على أساسه ؛ وتقرير الحقائق الأساسية التي يقوم عليها التصور الإسلامي ، والقيم والموازين التي تنبثق من هذا التصور ؛ وإبراز التكاليف التي يقتضيها النهوض بهذه الأمانة في الأرض ؛ وتصوير طبيعة أعداء هذا المنهج وأعداء هذه الجماعة التي تقوم عليه في الأرض ، وتحذيرها من وسائل أولئك الأعداء ودسائسهم ؛ وبيان ما في عقائدهم من زيف وانحراف ، وما في وسائلهم من خسة والتواء . . . إلخ . . . فكذلك نرى القرآن - في هذه السورة - يواجه جملة هذه الملابسات والحقائق . .

إلا أن لكل سورة من سور القرآن شخصيتها الخاصة ، وملامحها المميزة ، ومحورها الذي تشد إليه موضوعاتها جميعا . . ومن مقتضيات الشخصية الخاصة أن تتجمع الموضوعات في كل سورة وتتناسق حول محورها في نظام خاص بها ، تبرز فيه ملامحها ، وتتميز به شخصيتها . كالكائن الحي المميز السمات والملامح ، وهو - مع هذا - واحد من جنسه على العموم !

ونحن نرى في هذه السورة - ونكاد نحس - أنها كائن حي ، يستهدف غرضا معينا ، ويجهد له ، ويتوخى تحقيقه بشتى الوسائل . . والفقرات والآيات والكلمات في السورة ، هي الوسائل التي تبلغ بها ما تريد ! ومن ثم نستشعر تجاهها - كما نستشعر تجاه كل سورة من سور هذا القرآن - إحساس التعاطف والتجاوب مع الكائن الحي ، المعروف السمات ، المميز الملامح ، صاحب القصد والوجهة ، وصاحب الحياة والحركة ، وصاحب الحس والشعور !

إن السورة تعمل بجد وجهد في محو ملامح المجتمع الجاهلي - الذي منه التقطت المجموعة المسلمة - ونبذ رواسبه ؛ وفي تكييف ملامح المجتمع المسلم ، وتطهيره من رواسب الجاهلية فيه ، وجلاء شخصيته الخاصة . كما تعمل بجد وجهد في استجاشته للدفاع عن كينونته المميزة ، وذلك ببيان طبيعة المنهج الذي منه انبثقت هذه الكينونة المميزة ، والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله - من المشركين وأهل الكتاب وبخاصة اليهود - وأعدائه المتميعين فيه - من ضعاف الإيمان والمنافقين - وكشف وسائلهم وحيلهم ومكايدهم ، وبيان فساد تصوراتهم ومناهجهم وطرائقهم . مع وضع الأنظمة والتشريعات التي تنظم هذا كله وتحدده ، وتصبه في القالب التنفيذي المضبوط .

وفي الوقت ذاته نلمح رواسب الجاهلية ، وهي تتصارع مع المنهج الجديد ، والقيم الجديدة ، والاعتبارات الجديدة . ونرى ملامح الجاهلية وهي تحاول طمس الملامح الجديدة الوضيئة الجميلة . ونشهد المعركة التي يخوضها المنهج الرباني بهذا القرآن في هذا الميدان . وهي معركة لا تقل شدة ولا عمقا ولا سعة ، عن المعركةالتي يخوضها في الميدان الآخر ، مع الأعداء الراصدين له والأعداء المتميعين فيه !

وحين ندقق النظر في الرواسب التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء ، والتي تعالج هذه السورة جوانب منها - كما تعالج سور كثيرة جوانب أخرى - قد ينالنا الدهش لعمق هذه الرواسب ، حتى لتظل تغالب طوال هذه الفترة التي رجحنا أن آيات السورة كانت تتنزل فيها . . ومن العجب أن تظل لهذه الرواسب صلابتها حتى ذلك الوقت المتأخر . . ثم ينالنا الدهش كذلك للنقلة البعيدة السامقة الرفيعة التي انتهى إليها هذا المنهج العجيب الفريد ، بالجماعة المسلمة . وقد التقطها من ذلك السفح الهابط ، الذي تمثله تلك الرواسب ، فارتقى بها في ذلك المرتقى الصاعد إلى تلك القمة السامقة . . القمة التي لم ترتق إليها البشرية قط ، إلا على حداء ذلك المنهج العجيب الفريد . المنهج الذي يملك وحده أن يلتقط الكينونة البشرية من ذلك السفح ، فيرتقي بها إلى تلك القمة ، رويدا رويدا ، في يسر ورفق ، وفي ثبات وصبر ، وفي خطو متناسق موزون !

والذي يدقق النظر في هذه الظاهرة الفريدة في تاريخ البشرية ، يتجلى له جانب من حكمة الله في اختيار " الأميين " في الجزيرة العربية ، في ذلك الحين ، لهذه الرسالة العظيمة . . حيث يمثلون سفح الجاهلية الكاملة ، بكل مقوماتها . الاعتقادية والتصورية ، والعقلية والفكرية ، والأخلاقية والاجتماعية ، والاقتصادية والسياسية ، ليعرف فيهم أثر هذا المنهج ، وليتبين فيهم كيف تتم المعجزة الخارقة ، التي لا يملك أن يأتي بها منهج آخر ، في كل ما عرفت الأرض من مناهج ، وليرتسم فيهم خط هذا المنهج ، بكل مراحله - من السفح إلى القمة - وبكل ظواهره ، وبكل تجاربه ؛ ولترى البشرية - في عمرها كله - أين تجد المنهج الذي يأخذ بيدها إلى القمة السامقة ، أيا كان موقفها في المرتقى الصاعد . سواء كانت في درجة من درجاته ، أم كانت في سفحة الذي التقط منه " الأميين " !

إن هذا المنهج ثابت في أصوله ومقوماته ، لأنه يتعامل مع " الإنسان " . وللإنسان كينونة ثابتة ، فهو لا يتبدل منها كينونة أخرى . وكل التحورات والتطورات التي تلابس حياته لا تغير من طبيعته ، ولا تبدل من كينونته ، ولا تحوله خلقا آخر . إنما هي تغيرات وتطورات سطحية ، كالأمواج في الخضم ، لا تغير من طبيعته المائية ، بل لا تؤثر في تياراته التحتية الدائمة ، المحكومة بعوامل طبيعية ثابتة !

ومن ثم تواجه النصوص القرآنية الثابتة ، تلك الكينونة البشرية الثابتة . ولأنها من صنع المصدر الذي صنع الإنسان ، فإنها تواجه حياته بظروفها المتغيرة ، وأطوارها المتجددة ، بنفس المرونة التي يواجه بها " الإنسان " ظروف الحياة المتغيرة ، وأطوارها المتجددة ، وهو محافظ على مقوماته الأساسية . . مقومات الإنسان . .

وفي " الإنسان " هذا الاستعداد ، وهذه المرونة ، وإلا ما استطاع أن يواجه ظروف الحياة وأطوارها ، وهي ليست ثابتة من حوله . وفي المنهج الرباني الموضوع لهذا الإنسان ، ذات الخصائص ، بحكم أنه صادر من المصدر الذي صدر منه الإنسان ، ومودع خصائصه ذاتها ، ومعد للعمل معه إلى آخر الزمان .

وهكذا يستطيع ذلك المنهج ، وتستطيع هذه النصوص ، أن تلتقط الفرد الإنساني ، وأن تلتقط المجموعة الإنسانية ، من أي مستوى ، ومن أية درجة من درجات المرتقى الصاعد ، فينتهي به وبها إلى القمة السامقة . . إنه لا يرده ولا يردها أبدا إلى الوراء ، ولا يهبط به أو بها أبدا إلى درجة أسفل في المرتقى . كما أنه لا يضيق به ولا بها ، ولا يعجز عن رفعه ورفعها ، أيا كان مكانه أو مكانها من السفح السحيق !

المجتمع البدائي المتخلف كالمجتمع العربي في الجاهلية القديمة ، والمجتمع الصناعي المتحضر ، كالمجتمع الأوربي والأمريكي في الجاهلية الحديثة . . كلاهما يجد في المنهج الرباني والنصوص القرآنية مكانة ، ويجد منيأخذ بيده من هذا المكان ، فيرقى به في المرتقى الصاعد ، إلى القمة السامقة ، التي حققها الإسلام ، في فترة حية من فترات التاريخ الإنساني . .

إن الجاهلية ليست فترة ماضية من فترات التاريخ . إنما الجاهلية كل منهج تتمثل فيه عبودية البشر للبشر . وهذه الخاصية تتمثل اليوم في كل مناهج الأرض بلا استثناء . ففي كل المناهج التي تعتنقها البشرية اليوم ، يأخذ البشر عن بشر مثلهم : التصورات والمبادىء ، والموازين والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأوضاع والتقاليد . وهذه هي الجاهلية بكل مقوماتها . الجاهلية التي تتمثل فيها عبودية البشر للبشر ، حيث يتعبد بعضهم بعضا من دون الله .

والإسلام هو منهج الحياة الوحيد ، الذي يتحرر فيه البشر من عبودية البشر . لأنهم يتلقون التصورات والمبادىء ، والموازين والقيم ، والشرائع والقوانين ، والأوضاع والتقاليد ، من يد الله - سبحانه - فإذا أحنوا رءوسهم فإنما يحنونها لله وحده ، وإذا أطاعوا الشرائع فإنما يطيعون الله وحده ، وإذا خضعوا للنظام فإنما يخضعون لله وحده . ومن ثم يتحررون حقا من عبودية العبيد للعبيد ، حين يصبحون كلهم عبيدا لله بلا شريك .

وهذا هو مفرق الطريق بين الجاهلية - في كل صورة من صورها - وبين الإسلام . وهذه السورة تتولى رسم مفرق الطريق بالدقة وبالوضوح الذي لا تبقى معه ريبة لمستريب .

ومفهوم أن كل أمر أو نهي أو توجيه ورد في القرآن الكريم ، كان يواجه حالة واقعة في المجتمع الجاهلي ، وكان يتوخى إما إنشاء حالة غير قائمة ، وإما إبطال حالة قائمة . . وذلك دون إخلال بالقاعدة الأصولية العامة : " العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب " . . ومع ملاحظة أن النصوص القرآنية جاءت لتعمل في كل جيل وفي كل بيئة كما أسلفنا . وفي هذا تكمن المعجزة . فهذه النصوص التي جاءت لتواجه أحوالا بعينها ، هي ذاتها التي تواجه الجماعة الإنسانية ، في أي طور من أطوارها . والمنهج الذي التقط المجموعة المسلمة من سفح الجاهلية ، هو ذاته الذي يلتقط أية مجموعة - أيا كان موقفها على الدرج الصاعد - ثم يبلغ بها إلى القمة السامقة ، التي بلغ إليها بالمجموعة الأولى ، يوم التقطها من ذلك السفح السحيق !

ومن ثم فنحن حين نقرأ القرآن نستطيع أن نتبين منه ملامح المجتمع الجاهلي ، من خلال أوامره ونواهيه وتوجيهاته ؛ كما نستطيع أن نتبين الملامح الجديدة التي يريد أن ينشئها ، وأن يثبتها في المجتمع الجديد . .

فماذا نحن واجدون - في هذه السورة - من ملامح المجتمع الجاهلي التي ظلت راسبة في الجماعة المسلمة ، منذ أن التقطها المنهج الرباني من سفح الجاهلية ؟ وماذا نحن واجدون من الملامح الجديدة التي يراد إنشاؤها في المجتمع الإسلامي الجديد وتثبيتها !

إننا نجد مجتمع تؤكل فيه حقوق الأيتام - وبخاصة اليتيمات - في حجور الأهل والأولياء والأوصياء ، ويستبدل الخبيث منها بالطيب ، ويعمل فيها بالإسراف والطمع ، خيفة أن يكبر اليتامى فيستردوها ! وتحبس فيه الصغيرات من ذوات المال ، ليتخذهن الأولياء زوجات ، طمعا في مالهم لا رغبة فيهن ! أو يعطين لأطفال الأولياء للغرض ذاته !

ونجد مجتمعا يجار فيه على الصغار والضعاف والنساء ؛ فلا يسلم لهم فيه بنصيبهم الحقيقي من الميراث . إنما يستأثر فيه بمعظم التركة الرجال الأقوياء ، القادرون على حمل السلاح ؛ ولا ينال الضعاف فيه إلا الفتات . وهذا الفتات الذي تناله اليتيمات الصغيرات والنسوة الكبيرات ، هو الذي يحتجزن من أجله ، ويحبسن علىالأطفال من الذكور ؛ أو على الشيوخ من الأولياء . كي لا يخرج المال بعيدا ولا يذهب في الغرباء !

ونجد مجتمعا يضع المرأة موضعا غير كريم ، ويعاملها بالعسف والجور . في كل أدوار حياتها . يحرمها الميراث - كما قلنا - أو يحبسها لما ينالها منه ؛ ويورثها للرجل كما يورثه المتاع ! فإذا مات زوجها جاء وليه ، فألقى عليها ثوبه ، فيعرف أنها محجوزة له . إن شاء نكحها بغير مهر ، وإن شاء زوجها وأخذ مهرها ! ويعضلها زوجها إذا طلقها ، فيدعها لا هي زوجة ، ولا هي مطلقة ، حتى تفتدي نفسها منه وتفك أسرها !

ونجد مجتمعا تضطرب فيه قواعد الأسرة بسبب هبوط مركز المرأة فيه ، علاوة على اضطراب قواعد التبني والولاء ، واصطدامها مع قواعد القرابة والنسب ، فوق ما فيه من فوضى في العلاقات الجنسية والعائلية . حيث تروج اتصالات السفاح والمخادنة .

ونجد مجتمعا تؤكل فيه الأموال بالباطل في المعاملات الربوية . وتغتصب فيه الحقوق . وتجحد فيه الأمانات . وتكثر فيه الغارات على الأموال والأرواح . ويقل فيه العدل فلا يناله إلا الأقوياء . كما لا تنفق فيه الأموال إلا رئاء الناس ، اجتلابا للمفاخر ، ولا ينال الضعاف المحاويج فيه من هذا الإنفاق ما ينال الأقوياء الأغنياء !

وليست هذه سوى بعض ملامح الجاهلية - وهي التي تصدت لها هذه السورة - ووراءها ما صورته السور الأخرى ، وما تحفل به أخبار هذه الجاهلية في العرب ، وفيمن حولهم من الأمم . .

إنه لم يكن - قطعا - مجتمعا بلا فضائل . فقد كانت له فضائله ، التي تهيأ بها لاستقبال هذه الرسالة الكبرى . ولكن هذه الفضائل إنما استنقذها الإسلام استنقاذا ، ووجهها الوجهة البناءة . وكانت - لولا الإسلام - مضيعة تحت ركام هذه الرذائل ، مفرقة غير متجمعة ، وضائعة غير موجهة . وما كانت هذه الأمة لتقدم للبشرية شيئا ذا قيمة ، لولا هذا المنهج ، الذي جعل يمحو ملامح الجاهية الشائهة ، وينشىء أو يثبت ملامح الإسلام الوضيئة ، ويستنقذ فضائل هذه الأمة المضيعة المطمورة المفرقة المبددة ، شأنها في هذا شأن سائر أمم الجاهلية التي عاصرتها ، والتي اندثرت كلها ، لأنها لم تدركها رسالة ولم تنشئها عقيدة !

من تلك الجاهلية ، التي هذه بعض ملامحها ، التقط الإسلام المجموعة التي قسم الله لها الخير ، وقدر أن يسلمها قيادة البشر ، فكون منها الجماعة المسلمة ، وأنشأ بها المجتمع المسلم . ذلك المجتمع الذي بلغ إلى القمة التي لم تبلغها البشرية قط ، والتي ما تزال أملا للبشرية ، يمكن أن تحاوله ، حين يصح منها العزم على انتهاج الطريق .

وفي هذه السورة نجد بعض الملامح التي يتوخى المنهج الإسلامي إنشاءها وتثبيتها في المجتمع المسلم ، بعد تطهيره من رواسب الجاهلية ، وإنشاء الأوضاع والتشريعات التنفيذية ، التي تكفل حماية هذه الملامح وتثبيتها في الواقع الاجتماعي .

نجد في مستهلها تقريرا لحقيقة الربوبية ووحدانيتها ، ولحقيقة الإنسانية ووحدة أصلها الذي أنشأها منه ربها ، ولحقيقة قيامها على قاعدة الأسرة ، واتصالها بوشيجة الرحم ، مع استجاشة هذه الروابط كلها في الضمير البشري ، واتخاذها ركيزة لتنظيم المجتمع الإسلامي على أساسها ، وحماية الضعفاء فيه عن طريق التكافل بين الأسرة الواحدة ، ذات الخالق الواحد ، وحماية هذا المجتمع من الفاحشة والظلم والفتنة ؛ وتنظيم الأسرةالمسلمة والمجتمع المسلم ، والمجتمع الإنساني كله ، على أساس وحدة الربوبية ووحدة البشرية : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيبا ) . . وهذه الحقيقة الكبيرة التي تتضمنها آية الافتتاح تمثل قاعدة أصيلة في التصور الإسلامي ، تقوم عليها الحياة الجماعية . نرجو أن نعرض لها بالتفصيل في مكانها من سياق السورة .

ونجد التشريعات العملية لتحقيق البناء التكافلي للجماعة مستندة إلى تلك الركيزة :

( في حماية اليتامى نجد التوجيه الموحي ، والتحذير المخيف ، والتشريع المحدد الأصول : ( وآتوا اليتامى أموالهم ، ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب ؛ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا )[ آية 2 ] . . ( وابتلوا اليتامى ، حتى إذا بلغو انكاح ؛ فإن آنستم منهم رشدا فادفعوا إليهم أموالهم ؛ ولا تأكلوها إسرافا ، وبدارا أن يكبروا . ومن كان غنيا فليستعفف ، ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف . فإذا دفعتم إليهم أموالهم فاشهدوا عليهم . وكفى بالله حسيبا )[ آية 6 ] . . ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم . فليتقوا الله ، وليقولوا قولا سديدا . إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا ، وسيصلون سعيرا )[ 9 - 10 ] . .

وفي حماية الإناث خاصة - يتيمات صغيرات ونساء مستضعفات - وحفظ حقهن جميعا في الميراث ، وفي الكسب ، وفي حقهن في أنفسهن ، واستنقاذهن من عسف الجاهلية ، وتقاليدها الظالمة المهينة . . نجد أمثال هذه التوجيهات والتشريعات المنوعة الكثيرة : وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ، مثنى وثلاث ورباع ، فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة ، أو ما ملكت أيمانكم ، ذلك أدنى ألا تعولوا . وآتوا النساء صدقاتهن نحلة ، فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا . . [ 4 - 3 ] . . ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ، وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون . مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا )[ آية : 7 ] . . ( يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها ، ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن - إلا أن يأتين بفاحشة مبينة - وعاشروهن بالمعروف ؛ فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ، ويجعل الله فيه خيرا كثيرا . وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج ، وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا . أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا ؟ وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض ، وأخذن منكم ميثاقا غليظا ؟ ) . . [ 19 - 21 ] . . ( ويستفتونك في النساء . قل : الله يفتيكم فيهن ، وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء اللاتي لا تؤتونهن ما كتب لهن ، وترغبون أن تنكحوهن . والمستضعفين من الولدان ، وإن تقوموا لليتامى بالقسط . وما تفعلوا من خير فإن الله كان به عليما ) . . [ آية 127 ] . .

وفي تنظيم الأسرة ، وإقامتها على أساس ثابت من موحيات الفطرة ، وتوفير الحماية لها من تأثير الملابسات العارضة في جو الحياة الزوجية والحياة الاجتماعية . . ترد مثل هذه التوجيهات والتنظيمات - بالإضافة إلى ما ورد منها في ثنايا الحديث عن اليتيمات والمطلقات - : ( ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف . إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . حرمت عليكم أمهاتكم ، وبناتكم ، وأخواتكم ، وعماتكم ، وخالاتكم ، وبنات الأخ ، وبنات الأخت ، وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم ، وأخواتكم من الرضاعة ، وأمهات نسائكم ، وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن - فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم - وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم ، وأن تجمعوا بين الأختين إلا ما قد سلف - إن الله كان غفورا رحيما . والمحصنات من النساء - إلا ما ملكت أيمانكم - كتاب الله عليكم . وأحل لكم - ما وراء ذلكم - أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين . فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة ، ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة . إن الله كان عليما حكيما )[ 22 - 24 ] . . ( الرجال قوامون على النساء ، بما فضل الله بعضهم على بعض ، وبما أنفقوا من أموالهم . فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله ؛ واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن ، واهجروهن في المضاجع ، واضربوهن . فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا ، إن الله كان عليا كبير

( ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات . والله أعلم بإيمانكم ، بعضكم من بعض . فانكحوهن بإذن أهلهن ، وآتوهن أجورهن بالمعروف ، محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان . فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب . ذلك لمن خشي العنت منكم . وأن تصبروا خير لكم ، والله غفور رحيم . يريد الله ليبين لكم ، ويهديكم سنن الذين من قبلكم ، ويتوب عليكم والله عليم حكيم ) . . [ 25 - 26 ] . .

وفي تنظيم العلاقات بين أفراد المجتمع المسلم كله ؛ وإقامتها على التكافل والتراحم والتناصح ، والأمانة ، والعدل ، والسماحة والمودة ، والإحسان . . ترد توجيهات وتشريعات شتى - إلى جانب ما ذكرنا من قبل - نذكر منها هنا على سبيل المثال بضعة نماذج ولا نستقصيها ؛ فستأتي كلها في مكانها من سياق السورة : ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ، وارزقوهم فيها واكسوهم وقولوا لهم قولا معروفا )[ آية 5 ] . .

( وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا ) . [ آية 8 ]( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل - إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم - ولا تقتلوا أنفسكم ، إن الله كان بكم رحيما . ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه نارا ، وكان ذلك على الله يسيرا ) . . [ 29 - 30 ] . . ( ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض . للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن . واسألوا الله من فضله . إن الله كان بكل شيء عليما ) . . [ آية 32 ] . . ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا . وبالوالدين إحسانا ، وبذي القربى ، واليتامى والمساكين ، والجار ذي القربى ، والجار الجنب ، والصاحب بالجنب ، وابن السبيل ، وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا . الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل ، ويكتمون ما آتاهم الله من فضله ، واعتدنا للكافرين عذابا مهينا ، والذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ، ولا يؤمنون بالله واليوم الآخر ، ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا ) . . [ 36 - 38 ] . . ( إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها ، وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل . إن الله نعما يعظكم به . إن الله كان سميعا بصيرا ) . . [ آية 58 ] . . ( من يشفع شفاعة حسنة يكن له نصيب منها ؛ ومن يشفع شفاعة سيئة يكن له كفل منها ؛ وكان الله على كل شيء مقيتا . وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها إن الله كان على كل شيء حسيبا ) . . [ 85 - 86 ] . . ( وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ . . )( ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها ، وغضب الله عليه ولعنه ، وأعد له عذابا عظيما ) . . [ 92 ] . . ( يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط ، شهداء لله ، ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين . إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما . ولا تتبعوا الهوى أن تعدلوا . وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرا ) . . [ آية 135 ] . . ( لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظلم . وكان الله سميعا بصيرا . إن تبدوا خيرا أو تخفوه أو تعفوا عن سوء ، فإن الله كان عفوا قديرا ) . . [ 148 - 149 ] . .

إلى جانب ذلك الهدف الكبير في تنظيم المجتمع المسلم على أساس التكافل والتراحم والتناصح والتسامح ، والأمانة والعدل والمودة والطهارة ؛ ومحو الرواسب المتخلفة فيه من الجاهلية ؛ وإنشاء وتثبيت الملامح الجديدة الوضيئة . . نجد هدفا آخر لا يقل عنه عمقا ولا أثرا في حياة المجتمع المسلم - إن لم يكن هو الأساس الذي يقوم عليه الهدف الأول - ذلك هو تحديد معنى الدين ، وحد الإيمان ، وشرط الإسلام ، وربط كل الأنظمة والتشريعات التي تحكم حياة الفرد وحياة المجتمع بذلك المعنى المحدد للدين ، وهذا التعريف المضبوط للإيمان والإسلام .

إن الدين هو النظام الذي قرره الله للحياة البشرية بجملتها ، والمنهج الذي يسير عليه نشاط الحياة برمتها . والله وحده هو صاحب الحق في وضع هذا المنهج بلا شريك . والدين هو الأتباع والطاعة للقيادة الربانية التي لها وحدها حق الطاعة والاتباع ، ومنها وحدها يكون التلقي ، ولها وحدها يكون الاستسلام . . فالمجتمع المسلم مجتمع له قيادة خاصة - كما له عقيدة خاصة وتصور خاص - قيادة ربانية متمثلة في رسول الله [ ص ] وفيما يبلغه عن ربه مما هو باق بعده من شريعة الله ومنهجه . وتبعية هذا المجتمع لهذه القيادة هي التي تمنحه صفة الإسلام وتجعل منه " مجتمعا مسلما " . وبغير هذه التبعية المطلقة لا يكون " مسلما " بحال . وشرط هذه التبعية هو التحاكم إلى الله والرسول ، ورد الأمر كله إلى الله ، والرضى بحكم رسوله وتنفيذه مع القبول والتسليم .

وتبلغ نصوص السورة في بيان هذه الحقيقة ، وتقرير هذا الأصل ، مبلغا حاسما جازما ، لا سبيل للجدال فيه ، أو الاحتيال عليه ، أو تمويهه وتلبيسه ، لأنها من القوة والوضوح والحسم بحيث لا تقبل الجدال !

وتقرير هذا المبدأ الأساسي يتمثل في نصوص كثيرة كثرة واضحة في السورة . وسيجيء استعراضها التفصيلي في مكانها من السياق . فنكتفي هنا بذكر بعضها إجمالا :

يتمثل على وجه الإجمال في آية الافتتاح في السورة : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة . . ) . . كما يتمثل في مثل هذه الآيات : ( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا . . . )[ آية 36 ] . . ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ؛ ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . . [ آية 48 ] . .

ويتمثل على وجه التخصيص والتحديد في مثل قوله تعالى : يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ، فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول ، إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر . ذلك خير وأحسن تأويلا . ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت - وقد أمروا أن يكفروا به - ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا . وإذا قيل لهم : تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا . [ 59 -61 ] . . ( وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ) . . [ آية 64 ] . . ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما ) . . [ آية 65 ] . . ( من يطع الرسول فقد أطاع الله ، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا ) . . [ آية 80 ] . . ( ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين ، نوله ما تولى ، ونصله جهنم وساءت مصيرا ) . . [ آية 115 ] . .

وهكذا يتحدد معنى الدين ، وحد الإيمان ، وشرط الإسلام ، ونظام المجتمع المسلم ، ومنهجه في الحياة . وهكذا لا يعود الإيمان مجرد مشاعر وتصورات ؛ ولا يعود الإسلام مجرد كلمات وشعارات ، ولا مجرد شعائر تعبدية وصلوات . . إنما هو إلى جانب هذا وذلك ، وقبل هذا وذلك . نظام يحكم ، ومنهج يتحكم ، وقيادة تطاع ، ووضع يستند إلى نظام معين ، ومنهج معين ، وقيادة معينة . وبغير هذا كله لا يكون إيمان ، ولا يكون إسلام ، ولا يكون مجتمع ينسب نفسه إلى الإسلام .

وتترتب على إقرار هذا المبدأ الأساسي توجيهات كثيرة في السورة . كلها تفريعات على هذا الأصل الكبير :

1 - يترتب عليه أن تكون التنظيمات الاجتماعية كلها في المجتمع - شأنها شأن الشعائر التعبدية - مرتكنة إلى هذا الأصل الكبير ، مستندة إلى معنى الدين ، وحد الإيمان ، وشرط الإسلام ، على هذا النحو الذي قررته تلك النماذج التي أسلفنا . فهي ليست مجرد تنظيمات وتشريعات . إنما هي مقتضى الإيمان بالله والاعتراف بألوهيته ، وإفراده بالألوهية ، والتلقي من القيادة التي يحددها . . ومن ثم نرى كل التشريعات والتنظيمات التي أشرنا إليها تستند إلى هذه الجهة ، وينص في أعقابها نصا على هذه الحقيقة :

آية الافتتاح التي تقرر وحدة البشرية ، وتدعو الناس إلى رعاية وشيجة الرحم ، وتعد مقدمة لسائر التنظيمات التي تلتها في السورة . . تبدأ بدعوة الناس إلى تقوى ربهم الذي خلقهم من نفس واحدة : ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ) . . وتنتهي إلى تقواه ، وتحذيرهم من رقابته : ( إن الله كان عليكم رقيبا ) . .

والآيات التي تحض على رعاية أموال اليتامى ، وتبين طريقة التصرف في أموالهم تنتهي بالتذكير بالله وحسابه : ( وكفى بالله حسيبا ) . .

وتوزيع أنصبة الميراث في الأسرة يجيء وصية من الله : ( يوصيكم الله في أولادكم . . . ) ( فريضة من الله ) . . وتنتهي تشريعات الإرث بهذا التعقيب : ( تلك حدود الله ، ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ، وذلك الفوز العظيم . ومن يعص الله ورسوله ، ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين ) . .

وفي تشريعات الأسرة وتنظيم المهور والطلاق وما إليها ترد مثل هذه التعقيبات : ( وعاشروهن بالمعروف ، فإن كرهتموهن فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا ) . . ( والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم . . كتاب الله عليكم . . ) . . ( يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ، ويتوب عليكم ، والله عليم حكيم ) . . ( فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا . إن الله كان عليا كبيرا ) . .

( واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا ) . . تسبق في الآية الوصية بالإحسان إلى الوالدين وذي القربى واليتامى والمساكين . . إلخ

وهكذا ترتبط سائر التنظيمات والتشريعات بالله ، وتستمد من شريعته ، وترجع الأمور كلها إلى هذه القيادة التي لها وحدها حق الطاعة والاتباع .

2- ويترتب على إقرار ذلك الأصل الكبير أن يكون ولاء المؤمنين لقيادتهم ولجماعتهم المؤمنة . فلا يتولوا أحدا لا يؤمن إيمانهم ، ولا يتبع منهجهم ، ولا يخضع لنظامهم ، ولا يتلقى من قيادتهم . كائنة ما كانت العلاقة التي تربطهم بهذا الأحد . علاقة قرابة . أو جنس . أو أرض أو مصلحة . وإلا فهو الشرك أو النفاق ، وهو الخروج من الصف المسلم على كل حال : ( ومن يشاقق الرسول - من بعد ما تبين له الهدى - ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ، ونصله جهنم ، وساءت مصيرا . إن الله لا يغفر أن يشرك به ، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ، ومن يشرك بالله فقد ضل ضلالا بعيدا ) . . [ 115 - 116 ] . . ( بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أيبتغون عندهم العزة ؟ فإن العزة لله جميعا ) . . [ آية 139 ] . . ( يا أيها الذين أمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ؟ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ولن تجد لهم نصيرا . إلا الذين تابوا وأصلحوا ، واعتصموا بالله ، وأخلصوا دينهم لله . فأولئك مع المؤمنين ، وسوف يؤتي الله المؤمنين أجرا عظيما ) . . [ 144 - 146 ] . .

3- ويترتب عليه وجوب هجرة المسلمين من دار الحرب - وهي كل دار لا تقوم فيها شريعة الإسلام ولا تدين للقيادة السملمة - ليلحقوا بالجماعة المسلمة متى قامت في الأرض وأصبح لها قيادة وسلطان - وليستظلوا برايه القيادة المسلمة ولا يخضعوا لراية الكفر - وهي كل راية غير راية الإسلام - وإلا فهو النفاق أو الكفر ؛ وهو الخروج من الصف المسلم على كل حال : ( فما لكم في المنافقين فئتين ؟ والله أركسهم بما كسبوا ، أتريدون أن تهدوا من أضل الله ؟ ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء ؛ فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) . . [ 88 - 89 ] . . ( إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا : فيم كنتم ؟ قالوا : كنا مستضعفين في الأرض . قالوا : ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها ؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا . إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا . فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم ، وكان الله عفوا غفورا . ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ، ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ، ثم يدركه الموت ، فقد وقع أجره على الله . وكان الله غفورا رحيما ) . . [ 97 - 100 ] . .

4- ويترتب عليه أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ الضعاف من إخوانهم المسلمين ، الذين لا يستطيعون الهجرة من دار الحرب وراية الكفر ، وضمهم إلى الجماعة المسلمة في دار الإسلام ، كي لا يفتنوا عن دينهم ، ولا يستظلوا براية غير راية الإسلام ، ولا يخضعوا لنظام غير نظامه . ثم لكي يتمتعوا بالنظام الإسلامي الرفيع ، وبالحياة في المجتمع الإسلامي النظيف . وهو حق كل مسلم ، والحرمان منه حرمان من أكبر نعم الله في الأرض ، ومن أفضل طيبات الحياة : ( وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ، واجعل لنا من لدنك وليا ، واجعل لنا من لدنك نصيرا ) . . [ آية 75 ] . .

ويستتبع هذا الأمر حملة ضخمة للحض على الجهاد بالنفس والمال ، والتنديد بالمعوقين والمبطئين والقاعدين . وهي حملة تستغرق قطاعا كبيرا من السورة ، يرتفع عندها نبض السورة الهادئة الأنفاس ! ويشتد إيقاعها ، وتحمى لذعاتها في التوجيه والتنديد !

ولا نملك هنا استعراض هذا القطاع بترتيبه في السياق - ولهذا الترتيب أهمية خاصة وإيحاء معين - فندع هذا إلى مكانه من السياق . ونكتفي بمقتطفات من هذا القطاع : ( يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم ، فانفروا ثبات أو انفروا جميعا . وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال : قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا . ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن - كأن لم تكن بينكم وبينه مودة - يا ليتني كنت معهم ، فأفوز فوزا عظيما . فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ؛ ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب ، فسوف نؤتيه أجرا عظيما . وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان ، الذين يقولون : ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها ، واجعل لنا من لدنك وليا ، واجعل لنا من لدنك نصيرا ، الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله ، والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت ، فقاتلوا أولياء الشيطان ، إن كيد الشيطان كان ضعيفا ) . . [ 71 - 76 ] . . ( فقاتل في سبيل الله لا تكلف إلا نفسك ، وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ، والله أشد بأسا وأشد تنكيلا ) . . [ آية 84 ] . . ( لا يستوي القاعدون من المؤمنين - غير أولي الضرر - والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم ، فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة ، وكلا وعد الله الحسنى . وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما . درجات منه ومغفرة ورحمة . وكان الله غفورا رحيما ) . . [ 95 -96 ] . .

( ولا تهنوا في ابتغاء القوم . إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون ، وترجون من الله ما لا يرجون ، وكان الله عليما حكيما . . )[ آية : 105 ] . .

وفي ثنايا هذه الحملة للحض على الجهاد توضع بعض قواعد المعاملات الدولية بين " دار الإسلام " والمعسكرات المتعددة التي تدور معها المعاملات ، والخلافات :

في التعقيب على انقسام المسلمين فئتين ورأيين في أمر المنافقين ، الذين يدخلون المدينة للتجارة والمنافع والاتصال مع أهلها ، حتى إذا خرجوا منها عادوا موالين لمعسكرات الأعداء ، يقول : ( فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله ؛ فإن تولوا فخذوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم ، ولا تتخذوا منهم وليا ولا نصيرا ) . ( إلا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق ، أو جاؤوكم حصرت صدورهم أن يقاتلوكم أو يقاتلوا قومهم . ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم ، وألقوا إليكم السلم ، فما جعل الله لكم عليهم سبيلا . ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم ، كلما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها . فإن لم يعتزلوكم ، ويلقوا إليكم السلم ، ويكفوا أيديهم ، فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم ؛ وأولئكم جعلنا لكم عليهم سلطانا مبينا . . [ 89 - 91 ] . . ( يا أيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا ، ولا تقولوا لمن القى إليكم السلام : لست مؤمنا ، تبتغون عرض الحياة الدنيا ، فعند الله مغانم كثيرة . كذلك كنتم من قبل ، فمن الله عليكم ، فتبينوا ، إن الله كان بما تعملون خبيرا ) . . [ آية 94 ] . .

وكذلك تجيء في ثنايا الحديث عن الجهاد بعض الأحكام الخاصة بالصلاة في حالة الخوف وحالة الأمن ؛ مع توصيات الله للمؤمنين وتحذيرهم من أعدائهم المتربصين : ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة - إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا - إن الكافرين كانوا لكم عدوا مبينا . وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ، فلتقم طائفة منهم معك ، وليأخذوا أسلحتهم ، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم ، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك ، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم . ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة ! ولا جناح عليكم - إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى - أن تضعوا أسلحتكم ؛ وخذوا حذركم ، إن الله أعد للكافرين عذابا مهينا . فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله قياما وقعودا وعلى جنوبكم ، فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة . إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) . . [ 101 - 103 ] . .

وتدل هذه الآيات على مكان الصلاة من الحياة الإسلامية ؛ حتى لتذكر في مقام الخوف ، وتبين كيفياتها في هذا المقام ؛ كما تدل على تكامل هذا المنهج ، في مواجهة الحياة الإنسانية في كل حالاتها ؛ ومتابعة الفرد المسلم والجماعة المسلمة في كل لحظة وفي كل حال . .

ويستتبع الأمر بالجهاد كذلك حملة ضخمة على المنافقين وعلى موالاتهم لليهود في المدينة بينما هم يكيدون لدين الله ، وللجماعة المسلمة ، وللقيادة المسلمة كيدا شديدا . وعلى ألاعيبهم في الصف المسلم ، وتمييعهم للقيم والنظم . وفي الآيات التي اقتطفناها من قطاع الجهاد طرف من الحملة على المنافقين ، نضم إليه هذا القطاع المصور لحالهم وصفاتهم ، الكاشف لطبيعتهم ووسائلهم : ( ويقولون طاعة . فإذا برزوا من عندك بيت طائفة منهم غير الذي تقول ، والله يكتب ما يبيتون . فأعرض عنهم ، وتوكل على الله ، وكفى بالله وكيلا . أفلا يتدبرون القرآن ، ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا . وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به . ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم ، لعلمه الذين يستنبطونه منهم ، ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ) . . [ 81 - 83 ] . .

( إن الذين آمنوا ثم كفروا . ثم آمنوا ثم كفروا ، ثم ازدادوا كفرا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم سبيلا . بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما . الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أيبتغون عندهم العزة ؟ فإن العزة لله جميعا . وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها ، فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره . إنكم إذا مثلهم . إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا . الذين يتربصون بكم ، فإن كان لكم فتح من الله قالوا : ألم نكن معكم ؟ وإن كان للكافرين نصيب قالوا : ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين ؟ فالله ، يحكم بينكم يوم القيامة ، ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا . إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم ، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ، ولا يذكرون الله إلا قليلا . مذبذبين بين ذلك ، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ، ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين . أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا ؟ إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ، ولن تجد لهم نصيرا ) . . [ 137 -145 ] . .

وفي قطاع الجهاد - وفي غيره من القطاعات الأخرى في السورة - نلتقي بالحرب المشبوبة على الجماعة المسلمة ، وعلى العقيدة الإسلامية ، والقيادة الإسلامية كذلك ، من أهل الكتاب - وبخاصة اليهود - وحلفائهم من المنافقين في المدينة ، والمشركين في مكة ، وما حولهما . . وهي الحرب التي التقينا بها في سورة البقرة ، وفي سورة آل عمران ، من قبل . . ونلتقي كذلك بالمنهج الرباني . وهو يأخذ بيد الجماعة المسلمة السائرة بين الأشواك الخبيثة ، والأحابيل الماكرة ، يقودها ، ويوجهها ، ويحذرها ، ويكشف لها طبيعة أعدائها ، وطبيعة المعركة التي تخوضها ، وطبيعة الأرض التي تدور فيها المعركة ، وزواياها وجوانبها الخبيثة .

ومن علامات الإعجاز في هذا القرآن ، أن هذه النصوص التي نزلت لتواجه معركة معينة ، ما تزال هي بذاتها تصور طبيعة المعركة الدائمة المتجددة بين الجماعة المسلمة في كل مكان ، وعلى توالي الأجيال ، وبين أعدائها التقليديين ؛ الذين ما يزالون هم هم ، وما تزال حوافزهم هي هي في أصلها ، وإن اختلفت أشكالها وظواهرها وأسبابها القريبة ، وما تزال أهدافهم هي هي في طبيعتها وإن اختلفت أدواتها ووسائلها ، وما تزال زلزلة العقيدة ، وزعزعة الصف ، والتشكيك في القيادة الربانية ، هي الأهداف التي تصوب إليها طلقاتهم الماكرة ، للوصول من ورائها إلى الاستيلاء على مقاليد الجماعة المسلمة ، والتصرف في مقاديرها ، واستغلال أرضها وجهدها وغلاتها وقواها وطاقاتها ، كما كانت يهود تستغل الأوس والخزرج في المدينة ، قبل أن يعزهم الله ويجمعهم بالإسلام ، وبالقيادة المسلمة ، وبالمنهج الرباني .

وقد حفلت هذه السورة كما حفلت سورتا البقرة وآل عمران بالحديث عن تلك المؤامرات التي لا تنقطع من اليهود ضد الجماعة المسلمة ، بالاتفاق مع المنافقين ومع المشركين . وستجيء هذه النصوص مشروحة عند استعراضها في مكانها في السياق . فنكتفي هنا بإثبات طرف من هذه الحملة العنيفة :

( ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ، ويريدون أن تضلوا السبيل ، والله أعلم بأعدائكم ، وكفى بالله وليا وكفى بالله نصيرا . من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ، ويقولون : سمعنا وعصينا ، واسمع غير مسمع ، وراعنا - ليا بألسنتهم وطعنالرسالات ؛ ولا غريبة من الغرائب ، التي لا عهد للأرض بها ؛ أو لا عهد بها لبني إسرائيل أنفسهم . إنما هي حلقة من سلسلة الحجة التي يأخذها الله على العباد قبل الحساب . فقد أوحى إليه كما أوحى إلى الرسل من قبله . وقد آتاه الله النبوة والحكم ، كما آتى أنبياء بني إسرائيل ! فلا غرابة في رسالته ، ولا غرابة في قيادته ، ولا غرابة في حاكميته . وكلها مألوف في عالم الرسالات . وكل تعلات بني إسرائيل في هذا الأمر كاذبة ، وكل شبهاتهم كذلك باطلة . ولهم سوابق مثلها مع نبيهم الأكبر موسى عليه السلام ، ومع أنبيائهم من بعده ، وبخاصة مع عيسى عليه السلام ، ومن ثم لا يجوز أن يلقي باله إليها أحد من المسلمين .

وتتولى آيات كثيرة في السورة بيان هذه الحقيقة . نقتطف بعضها في هذا المجمل ؛ حتى تجيء كلها مشروحة في مكانها من السياق :

( إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده . وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط ، وعيسى وأيوب ويونس وهارون وسليمان وآتينا داود زبورا . ورسلا قد قصصناهم عليك من قبل ، ورسلا لم نقصصهم عليك ، وكلم الله موسى تكليما . رسلا مبشرين ومنذرين ، لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل ، وكان الله عزيزا حكيما . لكن الله يشهد بما أنزل إليك ، أنزله بعلمه . والملائكة يشهدون . وكفى بالله شهيدا ) . . [ 163 - 166 ] . .

( يسألك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء ، فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا : أرنا الله جهرة ) . . . ( فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله ، وقتلهم الأنبياء بغير حق ) . . . ( وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما . وقولهم : إنا

1

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء . واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . إن الله كان عليكم رقيبا ) . .

إنه الخطاب " للناس " . . بصفتهم هذه ، لردهم جميعا إلى ربهم الذي خلقهم . . والذي خلقهم ( من نفس واحدة ) . . ( وخلق منها زوجها . وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) . .

إن هذه الحقائق الفطرية البسيطة لهي حقائق كبيرة جدا ، وعميقة جدا ، وثقيلة جدا . . ولو القى " الناس " أسماعهم وقلوبهم إليها لكانت كفيلة بإحداث تغييرات ضخمة في حياتهم وبنقلهم من الجاهلية - أو من الجاهليات المختلفة - إلى الإيمان والرشد والهدى ، وإلى الحضارة الحقيقية اللائقة " بالناس " و " بالنفس " واللائقة بالخلق الذي ربه وخالقه هو الله . .

إن هذه الحقائق تجلو للقلب والعين مجالا فسيحا لتأملات شتى :

1- إنها أبتداء تذكر " الناس " بمصدرهم الذي صدروا عنه ؛ وتردهم إلى خالقهم الذي أنشأهم في هذه الأرض . . هذه الحقيقة التي ينساها " الناس " فينسون كل شيء ! ولا يستقيم لهم بعدها أمر !

إن الناس جاءوا إلى هذا العالم بعد أن لم يكونوا فيه . . فمن الذي جاء بهم ؟ أنهم لم يجيئوا إليه بإرادتهم . فقد كانوا - قبل أن يجيئوا - عدما لا إرادة له . . لا إرادة له تقرر المجيء أو عدم المجيء . فإرادة أخرى - إذن - غير إرادتهم ، هي التي جاءت بهم إلى هنا . . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي قررت أن تخلقهم . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي رسمت لهم الطريق ، وهي التي اختارت لهم خط الحياة . . إرادة أخرى - غير إرادتهم - هي التي منحتهم وجودهم ومنحتهم خصائص وجودهم ، ومنحتهم استعداداتهم ومواهبهم ، ومنحتهم القدرة على التعامل مع هذا الكون الذي جيء بهم إليه من حيث لا يشعرون ! وعلى غير استعداد ، إلا الاستعداد الذي منحتهم إياه تلك الإرادة التي تفعل ما تريد .

ولو تذكر الناس هذه الحقيقة البديهية التي يغفلون عنها لثابوا إلى الرشد من أول الطريق . .

إن هذه الإرادة التي جاءت بهم إلى هذا العالم ، وخطت لهم طريق الحياة فيه ، ومنحتهم القدرة على التعامل معه ، لهي وحدها التي تملك لهم كل شيء ، وهي وحدها التي تعرف عنهم كل شيء ، وهي وحدها التي تدبر أمرهم خير تدبير . وإنها لهي وحدها صاحبة الحق في أن ترسم لهم منبع حياتهم ، وأن تشرع لهم أنظمتهم وقوانينهم ، وأن تضع لهم قيمهم وموازينهم . وهي وحدها التي يرجعون إليها وإلى منهجها وشريعتها وإلى قيمها وموازينها عند الاختلاف في شأن من هذه الشؤون ، فيرجعون إلى النهج الواحد الذي إراده الله رب العالمين .

2- كما أنها توحي بأن هذه البشرية التي صدرت من إرادة واحدة ، تتصل في رحم واحدة ، وتلتقي في وشيجة واحدة ، وتنبثق من أصل واحد ، وتنتسب إلى نسب واحد :

( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ، وخلق منها زوجها ، وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) . .

ولو تذكر الناس هذه الحقيقة ، لتضاءلت في حسهم كل الفروق الطارئة ، التي نشأت في حياتهم متأخرة ، ففرقت بين أبناء " النفس " الواحدة ، ومزقت وشائح الرحم الواحدة . وكلها ملابسات طارئة ما كان يجوز أن تطغى على مودة الرحم وحقها في الرعاية ، وصلة النفس وحقها في المودة ، وصلة الربوبية وحقها في التقوى .

واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا باستبعاد الصراع العنصري ، الذي ذاقت منه البشرية ما ذاقت ، وما تزال تتجرع منه حتى اللحظة الحاضرة ؛ في الجاهلية الحديثة ، التي تفرق بين الألوان ، وتفرق بين العناصر ، وتقيم كيانها على أساس هذه التفرقة ، وتذكر النسبة إلى الجنس والقوم ، وتنسى النسبة إلى الإنسانية الواحدة والربوبية الواحدة .

واستقرار هذه الحقيقة كان كفيلا كذلك باستبعاد الاستبعاد الطبقي السائد في وثنية الهند والصراع الطبقي ، الذي تسيل فيه الدماء أنهارا ، في الدول الشيوعية ، والذي ما تزال الجاهلية الحديثة تعتبره قاعدة فلسفتها المذهبية ، ونقطة انطلاقها إلى تحطيم الطبقات كلها ، لتسويد طبقة واحدة ، ناسية النفس الواحدة التي انبثق منها الجميع ، والربوبية الواحدة التي يرجع إليها الجميع !

3- والحقيقة الأخرى التي تتضمنها الإشارة إلى أنه من النفس الواحدة ( خلق منها زوجها ) . . كانت كفيلة - لو أدركتها البشرية - أن توفر عليها تلك الأخطاء الأليمة ، التي تردت فيها ، وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة ، وتراها منبع الرجس والنجاسة ، وأصل الشر والبلاء . . وهي من النفس الأولى فطرة وطبعا ، خلقها الله لتكون لها زوجا ، وليبث منهما رجالا كثيرا ونساء ، فلا فارق في الأصل والفطرة ، إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة . .

ولقد خبطت البشرية في هذا التيه طويلا . جردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها . فترة من الزمان . تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له . فلما أن أرادت معالجة هذا الخطأ الشنيع اشتطت في الضفة الأخرى ، وأطلقت للمرأة العنان ، ونسيت أنها إنسان خلقت لإنسان ، ونفس خلقت لنفس ، وشطر مكمل لشطر ، وأنهما ليسا فردين متماثلين ، إنما هما زوجان متكاملان .

والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد . .

4- كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة . فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة . فخلق ابتداء نفسا واحدة ، وخلق منها زوجها . فكانت أسرة من زوجين . ( وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ) . . ولو شاء الله لخلق - في أول النشأة - رجالا كثيرا ونساء ، وزوجهم ، فكانوا أسرا شتى من أول الطريق . لا رحم بينها من مبدأ الأمر . ولا رابطة تربطها إلا صدورها عن إرادة الخالق الواحد . وهي الوشيجة الأولى . ولكنه - سبحانه - شاء لأمر يعلمه ولحكمة يقصدها ، أن يضاعف الوشائج . فيبدأبها من وشيجة الربوبية - وهي أصل وأول الوشائج - ثم يثني بوشيجة الرحم ، فتقوم الأسرة الأولى من ذكر وأنثى - هما من نفس واحدة وطبيعة واحدة وفطرة واحدة - ومن هذه الأسرة الأولى يبث رجالا كثيرا ونساء ، كلهم يرجعون ابتداء إلى وشيجة الربوبية ، ثم يرجعون بعدها إلى وشيجة الأسرة . التي يقوم عليها نظام المجتمع الإنساني . بعد قيامه على أساس العقيدة .

ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإسلامي ، وهذه العناية بتوثيق عراها ، وتثبيت بنيانها ، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء - وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة ، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض ، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى .

وفي هذه السورة وفي غيرها من السور حشد من مظاهر تلك العناية بالأسرة في النظام الإسلامي . . وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي ، والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة ، وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية - كل جاهلية - ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة ورفع هذه النظرة الهابطة .

5- وأخيرا فإن نظرة إلى التنوع في خصائص الأفراد واستعداداتهم - بعد بثهم من نفس واحدة وأسرة واحدة - على هذا المدى الواسع ، الذي لا يتماثل فيه فردان قط تمام التماثل ، على توالي العصور ، وفيما لا يحصى عدده من الأفراد في جميع الأجيال . . التنوع في الأشكال والسمات والملامح . والتنوع في الطباع والأمزجة والأخلاق والمشاعر . والتنوع في الاستعدادات والاهتمامات والوظائف . . إن نظرة إلى هذا التنوع المنبثق من ذلك التجمع لتشي بالقدرة المبدعة على غير مثال ، المدبرة عن علم وحكمة ، وتطلق القلب والعين يجولان في ذلك المتحف الحي العجيب ، يتمليان ذلك الحشد من النماذج التي لا تنفد ، والتي دائما تتجدد ، والتي لا يقدر عليها إلا الله ، ولا يجرؤ أحد على نسبتها لغير الله . فالإرادة التي لا حد لما تريد ، والتي تفعل ما تريد ، هي وحدها التي تملك هذا التنويع الذي لا ينتهي ، من ذلك الأصل الواحد الفريد !

والتأمل في " الناس " على هذا النحو كفيل بأن يمنح القلب زادا من الأنس والمتاع ، فوق زاد الإيمان والتقوى . . وهو كسب فوق كسب ، وارتفاع بعد ارتفاع !

وفي ختام آية الافتتاح التي توحي بكل هذه الحشود من الخواطر ، يرد " الناس " إلى تقوى الله ، الذي يسأل بعضهم بعضا به ، وإلى تقوى الأرحام التي يرجعون إليها جميعا :

( واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام ) . .

واتقوا الله الذي تتعاهدون باسمه ، وتتعاقدون باسمه ، ويسأل بعضكم بعضا الوفاء باسمه ، ويحلف بعضكم لبعض باسمه . . اتقوه فيما بينكم من الوشائج والصلات والمعاملات .

. . . وتقوى الله مفهومة ومعهودة لتكرارها في القرآن . أما تقوى الأرحام ، فهي تعبير عجيب . يلقي ظلاله الشعورية في النفس ، ثم لا يكاد الإنسان يجد ما يشرح به تلك الظلال ! اتقوا الأرحام . أرهفوا مشاعركم للإحساس بوشائجها . والإحساس بحقها . وتوقي هضمها وظلمها ، والتحرج من خدشها ومسها . . توقوا أن تؤذوها ، وأن تجرحوها ، وأن تغضبوها . . أرهفوا حساسيتكم بها ، وتوقيركم لها ، وحنينكم إلى نداها وظلها .

ثم رقابة الله يختم بها الآية الموحية :

( إن الله كان عليكم رقيبا ) . .

وما أهولها رقابة ! والله هو الرقيب ! وهو الرب الخالق الذي يعلم من خلق ، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية ، لا في ظواهر الأفعال ولا في خفايا القلوب .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَـٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَخَلَقَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا وَبَثَّ مِنۡهُمَا رِجَالٗا كَثِيرٗا وَنِسَآءٗۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِي تَسَآءَلُونَ بِهِۦ وَٱلۡأَرۡحَامَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلَيۡكُمۡ رَقِيبٗا} (1)

مقدمة السورة:

الأهداف العامة لسورة النساء

سورة النساء سورة مدنية وتسمى سورة النساء الكبرى تمييزا لها عن سورة النساء الصغرى ، وهي سورة الطلاق .

وقد عنيت سورة النساء ببيان أحكام النساء واليتامى ، والأموال والمواريث والقتال ، وتحدثت عن أهل الكتاب وعن المنافقين وعن فضل الهجرة ووزر المتأخرين عنها ، وحثت على التضامن والتكافل والتراحم ، وبينت حكم المحرمات من النساء . كما حثت على التوبة ودعت إليها كوسيلة للتطهر ، ودليل إلى تكامل الشخصية ، واستعادة الثقة بالنفس والشعور بالأمن والاطمئنان .

وعدد آيات سورة النساء ( 186 ) آية وعدد كلماتها ( 3745 ) كلمة .

الوصية بالنساء واليتامى

بينت سورة النساء ان الزواج شركة تعاونية أساسها المودة والرحمة والوفاء والألفة . وسوت السورة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات ثم بينت أن للرجال درجة على النساء وهي درجة الإشراف والرعاية بحكم القدرة الطبيعية التي يمتاز بها الرجل على المرأة وبحكم الكد والعمل في تحصيل المال الذي ينفقه على الزوجة والأسرة ، وليست هذه الدرجة للرجل درجة الاستعباد أو التسخير وإنما هي زيادة في المسئولية الاجتماعية .

وقد حث القرآن الزوجة على طاعة زوجها فيما يجب فيه الطاعة والاحتفاظ بالأسرار المنزلية والزوجية التي لا ينبغي أن يطلع عليها احد غير الزوجين كما أمر الرجل أن يقوم بحق الأسرة وأن ينفق عليها ، وأن يفي بالتزامه ونحوها وجعل نفقة الرجل على أولاده ورعايته لهم نوعا من الكفاح والجهاد السلمي يثاب المؤمن على فعله ويعاتب على تركه .

اليتامى :

أمرت السورة بعد ذلك برعاية اليتامى والمحافظة على أموالهم وإكرام اليتيم لصغره وعجزه عن القيام بمصالحه . وحذرت السورة من إتلاف أموال اليتامى أو تبديدها وحثت على القيام بحقوقهم واختبارهم في المعاملات قبيل سن البلوغ حتى يكون اليتيم متمرنا على أنواع المعاملات والبيع والشراء عندما يتسلم أمواله .

وقد توعدت السورة أكل مال اليتيم بالنار والسعير ، والعذاب الشديد ، وقد مهدت لهذه الأحكام في آياتها الأولى فطلبت تقوى الله وصلة الرحم ، وأشعرت انهم جميعا خلقوا من نفس واحدة ، أي أن اليتيم وإن كان من غير أسرتكم فهو رحمكم وأخوكم فقوموا له بحق الأخوة وحق الرحم ، واعلموا ان الله الذي خلقكم من نفس واحدة وربط بينكم بهذه الرحم الإنسانية العامة رقيب عليكم يحصي عليكم أعمالكم ، ويحيط بما في نفوسكم ويعلم ما تضمرون من خير أو شر فيحاسبكم عليه . وبعد هذا التمهيد الذي من شأنه أن يملأ القلوب رحمة ، يأمرهم الله بحفظ أموال اليتامى حتى يتسلموها كاملة غير منقوصة ، ويحذرهم من الاحتيال على أكلها عن طريق المبادلة أو المخالطة قال تعالى :

{ ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا } ( النساء 2 ) .

أي لا تخلطوا مال اليتيم بمالكم ليكون ذلك وسيلة تستولون بها على مال اليتيم تحت ستار الإصلاح بالبيع أو الشراء باسم أنه منفعة لليتيم ، أو بالخلط والشركة باسم أنه أفضل لليتيم .

وقد تحرج أتقياء المسلمين من مخالطة اليتيم فأباح الله مخالطة اليتامى ما دام القصد حسنا والنية صادقة في نفع اليتيم ، والله سبحانه مطلع على السرائر ومحاسب عليها .

وكفى بالله حسيبا ( النساء 6 ) .

***

المال والميراث

عنيت سورة النساء وغيرها بشأن المال ، وقد أمرت السورة بالمحافظة على المال واستثماره ، ونهت عن الإسراف والتبذير وأمرت بالتوسط في النفقة والاعتدال فيها ، ذلك لأن المال عصب الحياة ولأن كل ما تتوقف عليه الحياة في أصلها وكمالها وسعادتها وعزها من علم وصحة وقوة واتساع عمران لا سبيل للحصول عليه إلا بالمال . وقد نظر القرآن إلى الأموال هذه النظرة الواقعية فحذر من تركها في أيدي السفهاء الذين لا يحافظون عليها ولا يحسنون التصرف فيها ، كما أمر بتحصيلها من طرق فيها الخير للناس ، فيها النشاط والحركة وفيها عمارة الكون أمر بتحصيلها عن طريق التجارة ، وعن طريق الصناعة والزراعة ، وسمى طلبها ابتغاء من فضل الله ، كما وصفها نفسها بأنها زينة الحياة الدنيا ومتاعها وبلغ من عناية القرآن بالأموال أنه طلب السعي في تحصيلها بمجرد الفراغ من أداء العبادة المفروضة . قال تعالى :

{ فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله . ( الجمعة 10 ) .

تحدثت سورة النساء عن المواريث ونصيب كل وارث فأمرت أن نبدأ أولا بتنفيذ وصية الميت وتسديد ديونه ، ثم وضعت المبادئ الأساسية للميراث ونستخلص منها ما يأتي :

أولا : أن مبنى التوريث في الإسلام أمران : نسبي وهو القرابة وسببي وهو الزوجية .

ثانيا : أنه متى اجتمع في المستحقين ذكور وإناث أخذ الذكر ضعف الأنثى .

ويجدر بنا هنا أن نشير إلى ان بعض خصوم الإسلام قد اتخذوا التفاوت بين نصيبي الذكر والأنثى مطعنا على الإسلام وقالوا : إن هذا من فروع هضم الإسلام حق المرأة وهي إنسان كالرجل وفاتهم أن الذكر تتعدد مطالبه وتكثر تبعاته في الحياة فهو ينفق على نفسه وعلى زوجة وعلى أبنائه . ومن أصول الشريعة أنه يدفع المهر لمن يريد أن يتزوجها أما الأنثى فإنها لا تدفع زوجها بنفقتها في مأكلها ومشربها ومسكنها وخدمها ، وذلك فوق تبعاته العائلية التي لا يلحق الأنثى مثلها .

وبينما نرى بعض التشريعات الوضعية تقتضي بحرمان الأنثى بتاتا أو حصر الميراث في أكبر الأبناء وحده كما أن الحال في بعض البلاد إلى وقت قريب ، نجد تشريعا آخر يقضي بمساواتها بالذكر .

ونقارن ذلك بالإسلام فنجد أن منهجه في التوريث وسط لا إفراط ولا تفريط فهو لم يحرم الأنثى من الميراث بل أعطاها نصيبا مناسبا لظروفها في الحياة وأعطى أخاها نصيبا مناسبا لتبعاته في الحياة ، وهذا هو شأن الإسلام في أحكامه وشرائعه فهو يعتمد على الحكمة والعدل لأنه تشريع الحكيم العليم .

***

تعدد الزوجات

تحدثت سورة النساء عن تعدد الزوجات فأباحته بشرط العدل بينهن فإذا خاف الإنسان من عدم العدل فعليه الاقتصار على زوجة واحدة ، فإن ذلك أدعى إلى صفاء الحياة ويسرها وتحقيق الهدف من الزواج وهو المودة والرحمة .

ويرى الإمام محمد عبده أن تعدد الزوجات أمر مضيق فيه التضييق فكأن الله سبحانه قد نهى عن التعدد .

قال تعالى : { وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا . ( النساء 3 ) .

أي إن خفتم ألا تعدلوا في نكاح اليتيمات اللاتي تحت وصايتكم كأن يكون الدافع لكم على الزواج بهن هو الطمع في مالهن ، لا الحب والرغبة في معاشرتهن ، أو كأن تكون فوارق السن بينكم وبينهن كبيرة او كان تهضموهن حقوقهن في مهر أمثالهن . . . إن خفتم إلا تعدلوا في اليتيمات فاطلبوا الزواج من سواهن من النساء .

وبمناسبة الحديث عن الزواج امتد السياق إلى بيان حدود المباح من الزوجات فإذا هو مثنى وثلاث ورباع ولكن بشرط العدل بينهن ، العدل في المعاملة وفي الحقوق الظاهرة أما العدل في الشعور الباطن فلا قبل به لإنسان ولا تكليف به لإنسان ، ما اتقى في إظهاره في المعاملة وتأثيره على الحقوق المتعادلة فإن وجد في نفسه ضعفا عن ذلك العدل وخاف ألا يقدر على تحقيقه ، فالحلال واحدة فقط ومن سواها محظور .

فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة .

والنص الشرطي يحتم هذا المعنى هنا ويعلله بأن ذلك التحديد بواحدة في هذه الحالة أقرب إلى اجتناب الظلم والجور .

ذلك أدنى ألا تعودوا . أي لا تجوروا وتظلموا .

والظلم حرام فالوسيلة إليه حرام واجتناب الظلم واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب .

فإذا كان العدل يتم بترك التعدد ، فالاقتصار على الزوجة الواحدة واجب .

وفي ختام الآية وصية جديدة بالاقتصار على الزوجة الواحدة لانه ادعى إلى العدل والاستقرار والبعد عن الظلم وكثرة العيال .

***

شبهة تفتضح وحجة تتضح

تكلم الأوروبيون بكثير من الكلام المعسول فمثلا ( كانتي ) يقول : " إن شرف الإنسان أسمى من أن يمتهن أو يجعل أداة متعة " .

وفي الواقع هم الذين جعلوا الأخدان أداة متعة فقط ومنعوهن حقوق الزوجية من النفقة او الميراث أو إلصاق الولد بينما الإسلام يحرم اتخاذ الأخدان والخليلات يقول تعالى :

محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان . ( النساء 25 ) .

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم :

" إن الله لا يحب الذواقين ولا الذواقات فإذا تزوجتم فلا تطلقوا " .

نشأ عن كثرة الأخدان وانتشارهن في أوروبا انتشار الأمراض السرية الفظيعة وقلة النسل لأن النسل إما ان يخنق أو تجهض الحامل او يمنع الحمل وهل غفل الأوروبيون عن المصير السيئ الذي ينتظرهم إذا استمر الحال فالكبير يموت والنشء يقتل ؟ فصدرت قوانين تقول مثلا : أبناء الزواج الحر إذا اعترف بهم أبوهم ألحقناهم به فتأخذ الأولاد كل حقوق الأبناء فهم تفادوا اسم الزوجة فقط والأبناء منها يتمتعون بكل الحقوق .

وقد ذكر لنا أستاذنا المرحوم محمد عبد الله دراز أنه شاهد أثر الحروب في ألمانيا ورأى النساء يطالبن هناك بتعدد الزوجات لتجد المرأة التي مات زوجها في الحرب من يكفلها وينفق عليها وعلى ما ينجب منها وذكر لنا ان جمعية تألفت في ألمانيا تطالب بتطبيق الشريعة الإسلامية في الزواج والطلاق .

ومع ذلك فالإسلام لم يحرض على تعدد الزوجات بل قال :

فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا .

وإذا استلهمنا روح النص ومراميه وجدنا أن التعدد رخصة وهي رخصة ضرورية لحياة الجماعة في حالات كثيرة وهي صمام أمن في هذه الحالات ووقاية ليس في وسع البشرية الاستغناء عنها ولم تجد البشرية حتى اليوم حلا أفضل منها سواء في حالة إخلال التوازن بين عدد الذكور وعدد الإنات عقب الحروب والأوبئة التي تجعل عدد الإناث في الامة أحيانا ثلاثة أمثال عدد الذكور أو حالات مرض الزوجة أو عقمها ورغبة الزوج في الإبقاء عليها أو حاجتها هي إليه أو في الحالات التي توجد في الرجل طاقة حيوية فائضة لا تستجيب لها الزوجة أو لا تجد كفايتها في زوجة واحدة . . . وكلها حالات فطرية وواقعية لا سبيل إلى تجاهلها وكل حل فيها غير تعدد الزوجات يفضي إلى عواقب أوخم خلقيا واجتماعيا . ضرورة تواجه ضرورة ومع هذا فهي مقيدة في الإسلام باستطاعة العدل والبعد عن الظلم والجور وهو أقصى ما يمكن من الاحتياط .

***

التضامن الاجتماعي

حثت سورة النساء على صدق العقيدة والإخلاص لله في العبادة كما حثت على الإحسان إلى الوالدين وصلة الرحم وإكرام اليتامى والمساكين والإحسان إلى الجار ورحمة الفقير ، والمحتاج ومساعدة الخدم والضعفاء ، وحذرت من البخل والكبر والرياء ، ونهت عن الكفر والجحود ومعصية الله والرسول . وذلك في جملة آيات تبدأ بقوله تعالى :

{ واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا . ( النساء 36 ) .

وهذه الآية وما بعدها دعوة عملية إلى " الضمان الاجتماعي " وتحذير من البخل والشح وبيان أن المال مال الله وأن الغنى مستخلف عن الله في إرادته وتثميره وإنفاقه في نواحي الخير والبر وقد فرض الله حقوقا للفقراء من مال الأغنياء فأوجب الزكاة والصدقة وحث على الإنفاق في سبيل الله . وجعل طرق البر متعددة . منها صدقة الفطر في عيد الفطر ، والأضحية في عيد الأضحى ، والهدى في موسم الحج ، وجعل الله موردا لا ينقطع لصلة الفقراء ألا وهو الكفارات التي أوجبها مثل كفارة الظهار وكفارة اليمين وكفارة صوم رمضان . في كثير من الأحيان تكون هذه الكفارات إطعام المساكين أو كسوتهم كما أوجب الوفاء بالنذر ولم يجعل الزكاة تطوعا بل جعلها فريضة لازمة يثاب عليها ويعاقب جاحدها . ونلحظ ان الزكاة تتفاوت في نسبتها فتبدأ من 2 ، 5% وهي زكاة المال وهي تصل إلى 20 % وهي زكاة الركاز والمعادن والبترول . وكلما كان عمل العبد أظهر كانت نسبة الزكاة أقل كما في زكاة المال . وزكاة التجارة ، وكلما كان عمل القدرة الإلهية أظهر كانت نسبة الزكاة أكثر كما في زكاة الزراعة وزكاة الركاز .

***

المحرمات من النساء

انفردت سورة النساء بكثير من أحكام المجتمع ولاسيما أحكام الأسرة والزوجية كما انفردت ببيان مفصل للمحرمات من النساء وبدأت ذلك بقوله تعالى :

{ ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا . ( النساء 22 ) .

ولا شك أن توارد رجل وابنه على امرأة واحدة أمر ممقوت تنفر منه الفطر السليمة وتمجه الأذواق السليمة .

ثم جاءت بقية السورة ببقية المحرمات فحرمت زواج الإنسان بأمه وبابنته وبأخته من الرضاعة ومن النسب وحرمت زواج الرجل من بنات الأخ وبنات الأخت والأم من الرضاعة وحرمت أم الزوجة التي دخل بها زوجها كما حرمت زواج الإنسان من زوجة ابنه وحرمت الجمع بين الأختين .

الحكمة في هذا التحريم :

إن الزواج وسيلة مشروعة لإمتاع النفس وإنجاب الذرية وتكوين الأسرة ، فإذا أبيح تزوج الإنسان من أقرب الناس إليه كالأم والبنت ، اصطدمت حقوق هؤلاء الأقارب بحقوق الزوجية فالأم مثلا لها حق الطاعة والاحترام فلو اتخذها الإنسان زوجة لكان له عليها حق القوامة وحق الطاعة والخضوع . هذا إلى ما هو غنى عن البيان من نفور الإنسان من هذا اللون من المتاع ، فهي بهيمية أي بهيمية أن يتمتع الرجل بأمه ومثل هذا يقال في درجات القرابة الأخرى . فالخالة لها ما للأم والعمة لها ما للأب والأخت وبنتها وبنت الأخ وبنت الأخت وابنة الإنسان التي هي قطعة منه كل هؤلاء تستقبح الأذواق نكاحهن وافتراشهن ولا يمكن أن يتصور في هذا الوضع لو أبيح إلا المفارقات والصعاب وضعف النسل وسوء المنقلب .

ومثل هذا يقال أيضا في نكاح من حرمن من جهة الرضاع فإن المرضع أم في الكرامة ولها حق الأم في وجوب الرعاية وليس من شأن الإنسان أن يلتمس منها ما يلتمسه الرجل بالزوجة .

وقد حرمت السورة الجمع بين الأختين والجمع بين الأم وابنتها حتى لا تقطع الأرحام فإن المرأة تغار من ضرتها ، وتفعل الكثير في سبيل إبعادها عن زوجها . ولو أبيح الجمع بين الأقارب لتشككت المرأة في أختها وفي أمها ولأدركها نوع من الغيرة الشديدة فانقطعت بذلك صلاتها من النسب وتعرضت بذلك الأمر إلى خطر شديد قال تعالى : { حرمت عليكم أمهاتكم وبناتكم وأخواتكم وعماتكم وخالاتكم وبنات الأخ وبنات الأخت وأمهاتكم اللاتي أرضعنكم وأخواتكم من الرضاعة وأمهات نسائكم وربائبكم اللاتي في حجوركم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم وأن تجمعوا بين الأختين لا ما قد سلف إن الله كان غفورا رحيما } ( النساء 23 ) .

***

مصادر التشريع في الإسلام1

أمرت سورة النساء بالعدل في الحكم وأداء الأمانات إلى أهلها وبينت أن الأمانة والعدالة من أسباب الرقي والتقدم والسعادة في الدنيا والآخرة .

وبهذه المناسبة ذكرت السورة مصادر التشريع التي يجب أن يرجع إليها المسلمون في تصرفاتهم وأحكامهم وهي :

( أولا ) : القرآن الكريم والعمل به في طاعة الله .

( ثانيا ) : سنة الرسول قولية كانت أم فعلية والعمل بها هو طاعة الرسول

( ثالثا ) : رأى اهل الحل والعقد في الأمة من العلماء وأرباب النظر في المصالح العامة كالجيش والزراعة والصناعة والتعليم كل في دائرة معرفته واختصاصه والعمل به هو طاعة أولي الأمر .

وهذه المصادر في الرجوع إليها مرتبة على هذا النحو فلا نرجع إلى السنة إلا بعد عدم العثور على الحكم في القرآن فترجع إلى السنة حينئذ : إما لمعرفة الحكم الذي لم يرد في القرآن أو لبيان المراد مما ورد في القرآن ، ولا نلتجئ إلى رأي أولي الأمر إلا بعد عدم العثور على الحكم في السنة ، وعندئذ نرجع إليهم ليجتهدوا رأيهم ، وهذا الاجتهاد هو عنصر " الشورى " الذي عليه أمر المسلمين ومتى حاز الاتفاق وجب العمل ولا يصح الخروج عنه ما دامت وجوه النظر التي أدت إليه قائمة وهو أساس فكرة الإجماع في الشريعة الإسلامية ، وقد انتفع به المسلمون كثيرا واتسع به نطاق الفقه الإسلامي وبخاصة فيما ليس منصوصا عليه في كتاب الله وسنة الرسول وهو يشمل إعطاء حكم لحادثة مثل حادثة سابقة للاشتراك بينهما في المعنى الموجب لذلك الحكم وهذا هو المعروف في لسان الفقهاء والأصوليين باسم " القياس " وقد بحثوه بحثا مستفيضا بينوا فيه أركانه وشرائطه وعلته وما ينقصه وما يجري فيه وما لا يجرى فيه وقد تكلفت به كتب الأصول فليرجع إليها من يشاء .

الاجتهاد من مصادر التشريع وبابه مفتوح أبدا .

ويشمل أيضا النظر في تعريف حكم الحادثة عن طريق القواعد العامة وروح التشريع التي عرفت من جزئيات الكتاب وتصرفات الرسول وأخذت في نظر الشريعة مكانة النصوص القطعية التي يرجع إليها في تعرف الحكم للحوادث الجديدة وهذا النوع هو المعروف بالاجتهاد عن طريق الرأي وتقدير المصالح وقد رفع الإسلام بهذا الوضع جماعة المسلمين عن ان يخضعوا في أحكامهم وتصرفاتهم لغير الله ، ومنحهم حق التفكير والنظر والترجيح واختيار الأصلح في دائرة ما رسمه من الأصول التشريعية فلم يترك العقل وراء الأهواء والرغبات ولم يقيده ، في كل شيء بمنصوص قد لا يتفق مع ما يجد من شئون الحياة كما لم يلزم اهل أي عصر باجتهاد أهل عصر سابق دفعتهم اعتبارات خاصة إلى اختيار ما اختاروا . وهنا نذكر بالأسف هذه الفكرة الخاطئة الظالمة التي ترى وقف الاجتهاد وإغلاق بابه ، ونؤكد ان نعمة الله على المسلمين بفتح باب الاجتهاد لا يمكن ان تكون عرضة للزوال بكلمة قوم هالهم – أو هال من ينتمون إليهم من أرباب الحكم والسلطان – أن يكون في الامة من يرفع لواء الحرية في الرأي والتفكير فالشريعة الإسلامية شريعة عامة خالدة صالحة لكل عصر ولكل إقليم .

وما على اهل العلم إلا أن يجتهدوا في تحصيل الوسائل التي يكونون بها أهلا للاجتهاد في معرفة حكم الله الذي وكل معرفته - رأفة منه ورحمة- إلى عباده المؤمنين .

{ ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم } . ( النساء 83 ) .

واقرأ في هذا الموضوع كله قوله تعالى من السورة :

{ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظمكم به إن الله كان سميعا بصيرا يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } ( النساء 58-59 ) .

***

القتال وأسباب النصر

عنيت سورة النساء بتنظيم شئون المسلمين الداخلية وحفظ كيانهم الخارجي ، وقد حثت السورة على القتال ودعت إليه حيث يقول الله تعالى : { فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجرا عظيما } . ( النساء 74 ) .

وبينت السورة أهداف القتال في الإسلام وهذه الأهداف تنحصر في رد العدوان وإشاعة الأمن والاستقرار ، وحماية الدعوة ، والقضاء على الفتن التي يثيرها أرباب المطامع والأهواء ، ومن ذلك نعلم أن الإسلام حينما شرع القتال نأى به عن جوامح الطمع والاستئثار وإذلال الضعفاء ، واتخذه طريقا إلى السلام العام بتركيز الحياة على موازين العدل والمساواة ، وليصل المسلمون بالقتال إلى الغاية السامية التي أمر بها الله ، ولفت القرآن أنظار المؤمنين إلى أن للنصر أسبابا ووسائل وهي :

1- تقوية الروح المعنوية للأمة فقد نزل القرآن روحا وحياة ومنهجا ورسالة . وتحول العرب بالقرآن إلى أمة عزيزة متمسكة بالحق ثابتة عليه متحملة صنوف الأذى وألوان الاضطهاد . فلما أذن الله لها بالجهاد كانت لها راية النصر في أكثر معاركها ، لأن لها من يقينها وإيمانها ما يكفل لها النصر والغلبة .

2- إعادة القوة المالية وتنظيمها . قال تعالى : { وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة . ( الأنفال 60 ) . ويشمل ذلك فنون الحرب وأساليبها ومعرفة أحدث أدواتها وكيفية استعمالها .

3- الشكر على النعماء ثقة بأن النصر من عند الله فلا ينبغي أن تأخذ المحارب نشوة النصر فيخرج عن اتزانه بل عليه أن يزداد تواضعا وخشوعا لعظمة الله ويزيد في طاعة الله ونصره ، لقوله سبحانه : { إن تنصروا الله ينصركم . } ( محمد : 7 ) .

4- الصبر على البأساء ثقة والتزاما بأن مع اليوم غدا ، وبيان الأيام دول يوم لك ويوم عليك ، وان الشجاعة صبر ساعة وليس الصبر هنا صبر الذليل المستكين بل صبر المطمئن إلى قضاء الله وقدره والمؤمن بحكمته والمستعد ليوم آخر ينتصف فيه من عدوه . قال تعالى : { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون } . ( آل عمران 200 ) .

5- ومن أسباب النصر ثقة المؤمن بأن الأجل محدود وأن الرزق محدود فالشجاعة لا تنقص العمر ، والجبن لا يزيده . ومن أسباب النصر طاعة الله والتزام اوامره واجتناب نواهيه ، قال تعالى : { وما النصر إلا من عند الله } ( آل عمران 126 ) .

6- ومن أسباب النصر أخذ الحذر والحيطة والابتعاد عن اتخاذ بطانة مقربة من المنافقين والملحدين والخونة قال تعالى : { فما لكم في المنافقين فئتين والله أرسهم بما كسبوا أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا . ( 88 ) .

7- تذكر فضل الجهاد ثواب البذل والتضحية وعقوبة التثاقل والفرار من الجهاد ، وتذكر ما أعده الله للمجاهدين المكافحين في سبيل الحق من عز الدنيا وشرف الآخرة قال تعالى : { ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغما كثيرا وسعة ومن يخرج من بيته مهاجرا إلى الله ورسوله ثم يدركه الموت فقد وقع أجره على الله وكان الله غفورا رحيما } ( النساء 100 ) .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم :

بسم اله الرحمن الرحيم

{ يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا }

المفردات :

بث : نشر وفرق ومنه وزرابي مبثوثة . ( الغاشية 16 ) .

الأرحام : جمع رحم وهو في الأصل مكان تكون الجنين في بطن أمه ثم أطلق على القرابة .

رقيبا : الرقيب الحفيظ المطلع على الأعمال .

المعنى الإجمالي :

يا أيها الناس اتقوا الله ربكم الذي خلقكم وأوجدكم من نفس واحدة ، وأنشأ من هذه النفس زوجها ومنهما نشر في الوجود رجالا كثيرا ونساء فأنتم جميعا تنتهون إلى تلك النفس الواحدة ، واتقوا الله الذي تستعينون به في كل ما تحتاجون ، ويسأل باسمه بعضكم بعضا فيما تتبادلون من أمور ، ه واتقوا الأرحام فلا تقطعوها قريبها وبعيدها إن الله دائم الرقابة على أنفسكم لا تخفى عليه خافية من أموركم2 .

في أعقاب الآية :

1- الناس جميعا من أصل واحد ، تجمعهم رحم عامة تربط بين البشر جميعا ، قال تعالى : يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا . . . ( الحجرات 13 ) .

2- ينتهي نسب الناس إلى آدم ، وآدم من تراب فقد خلق الله آدم من تراب ، ثم خلق حواء من ضلع آدم ليسكن إليها وتكون له سكنا وأمنا . قال تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة . ( الروم 21 ) .

وروى البخاري في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " استوصوا بالنساء خيرا فإن المرأة خلقت من ضلع وإن أعوج ما في الضلع أعلاه ، وإن ذهبت تقيمها كسرتها وكسرها طلاقها ، فاستمتع بها وفيها عوج واستوصوا بالنساء خيرا 3

والحديث يكرر الوصية بالنساء ، ويوصي بالصبر والاحتمال والمداراة ، لأن المرأة مجموعة من العواطف فقد شاء الله ان تكون عاطفة المرأة أكثر من عاطفة الرجل ، لتتحمل المرأة آلام الحمل والولادة والرضاع والكفالة ، وأن يكون جانبا العقل في الرجل أكثر ، ليتحمل البحث في سبيل الرزق ورعاية الأسرة وبالعقل والعاطفة تتم رعاية الأسرة وتلبي حاجة الرجل إلى المرأة وحاجة المرأة إلى الرجل .

3- جمهور المحدثين والفقهاء على أن الناس جميعا تناسلت من نفس آدم عليه السلام وليس هناك سوى آدم واحد ، وقد خلقت حواء من آدم وخلق الناس من آدم وحواء .

4- قال الفخر الرازي في تفسير : وخلق منها زوجها . والمراد من هذا الزوج هو حواء ، وفي كون حواء مخلوقة من آدم قولان :

الأول : وهو الذي عليه الأكثرون أنه لما خلق الله تعالى آدم ألقى عليه النوم ثم خلق حواء من ضلع من أضلاعه ، فلما استيقظ رآها ومال إليها وألفها ، لأنها كانت مخلوقة من جزء من أجزائه واحتجوا عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم : " إن المرأة خلقت من ضلع أعوج ، فإن ذهبت تقيمها كسرتها ، وإن تركتها وفيها عوج استمتعت بها " .

والقول الثاني : وهو اختيار أبو مسلم الأصفهاني أن المراد من قوله تعالى : وخلق منها زوجها . أي من جنسها وهو كقوله تعالى : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا . ( النحل 72 ) .

وقوله : إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم . ( آل عمران 164 ) .

وقوله : لقد جاءكم رسول من أنفسكم . . ( التوبة 128 ) .

قال القاضي : والقول الأول أقوى لكي يصح قوله : خلقكم من نفس واحدة . إذ لو كانت حواء مخلوقة ابتداء لكان الناس مخلوقين من نفسين لا من نفس واحدة4 .

5- قال صاحب الكشاف : ومعنى واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام . أراد بالتقوى تقوى خاصة ، وهي أن يتقوه فيما يتصل بحفظ الحقوق بينهم فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله فقيل : اتقوا ربكم الذي وصل بينكم حيث جعلكم صنوان مفرغة من أرومة واحدة فيها يجب على بعضكم لبعض ، فحافظوا عليه ولا تغفلوا عنه وهذا المعنى مطابق لمعاني السورة5 .

6- من سألك بالله شيئا فأعطه ما دمت تجد سبيلا للعطاء ، وأخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن جبان عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من استعاذ بالله فأعيذوه ومن سألكم بالله فأعطوه ، ومن دعاكم فأجيبوه ، ومن أسدى إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه به فادعوا له حتى تعلموا أن قد كافأتموه " 6 .

والحديث في معنى واتقوا الله الذي تساءلون به . أي يسأل بعضكم بعضا فيقول أسألك بالله كذا .

7- حثت الآية على صلة الرحم والإحسان إلى الأقارب وقد تكررت هذه الوصية في القرآن والسنة ، قال تعالى : { واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت إيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا } . ( النساء 36 ) .

ورى البخاري عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " من سره أن يبسط له في رزقه ، وان ينسأ له في أجله فليصل رحمه " 7 .

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " الرحم معلقة بالعرش تقول من وصلني وصله الله ، ومن قطعني قطعه الله " 8 .

وأخرج البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ليس الواصل بالمكافئ ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها " .

وهذه الأحاديث تلتقي مع الآية في تأكيد الوصية بالأرحام قال تعالى : { واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام } أي اتقوا الأرحام أن تقطعوها ، فمن وصل رحمه وصله الله ، ومن قطع رحمه قطعه الله .

قال تعالى : { فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم } . ( محمد 22 .

فصلة الرحم سبب البركة وهدوء النفس واستقامة الذرية وصلاحها ، وأما قاطع الرحم فهو مطرود من رحمة الله .

ارحم عباد الله يرحمك الذي *** عم البرية فضله ونواله

فالراحمون لهم نصيب وافر *** من رحمة الرحمن جل جلاله