في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (28)

18

هذه اللمسة تؤكد الاستنكار الذي سبق في الفقرة الماضية لموقف الذين أوتوا نصيبا من الكتاب ، ثم هم يتولون ويعرضون عن التحاكم إلى كتاب الله ، المتضمن لمنهج الله للبشر ، بينما منهج الله يدبر أمر الكون كله وأمر البشر . . وفي الوقت ذاته تمهد للتحذير الوارد في الفقرة التالية من تولي المؤمنين الكافرين من دون المؤمنين . ما دام أن لا حول للكافرين في هذا الكون ولا طول . والأمر كله بيد الله . وهو ولي المؤمنين دون سواه :

( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء - إلا أن تتقوا منهم تقاة - ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير . قل : إن تخفوا ما في صدوركم أو تبدوه يعلمه الله ، ويعلم ما في السماوات وما في الأرض ، والله على كل شيء قدير . يوم تجد كل نفس ما عملت من خير محضرا ، وما عملت من سوء تود لو أن بينها وبينه أمدا بعيدا . ويحذركم الله نفسه والله رؤوف بالعباد ) . .

لقد استجاش السياق القرآني في الفقرة الماضية الشعور بأن الأمر كله لله ، والقوة كلها لله ، والتدبير كله لله ، والرزق كله بيد الله . . فما ولاء المؤمن إذن لأعداء الله ؟ إنه لا يجتمع في قلب واحد حقيقة الإيمان بالله وموالاة أعدائه الذين يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم فيتولون ويعرضون . . ومن ثم جاء هذا التحذير الشديد ، وهذا التقرير الحاسم بخروج المسلم من إسلامه إذا هو وإلى من لا يرتضي أن يحكم كتاب الله في الحياة ، سواء كانت الموالاة بمودة القلب ، أو بنصره ، أو باستنصاره سواء :

( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين . ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء ) . .

هكذا . . ليس من الله في شيء . لا في صلة ولا نسبة ، ولا دين ولا عقيدة ، ولا رابطة ولا ولاية . . فهو بعيد عن الله ، منقطع الصلة تماما في كل شيء تكون فيه الصلات .

ويرخص فقط بالتقية لمن خاف في بعض البلدان والأوقات . . ولكنها تقية اللسان لا ولاء القلب ولا ولاء العمل . قال ابن عباس - رضي الله عنهما - " ليس التقية بالعمل إنما التقية باللسان " . . فليس من التقية المرخص فيها أن تقوم المودة بين المؤمن وبين الكافر - والكافر هو الذي لا يرضى بتحكيم كتاب الله في الحياة على الإطلاق ، كما يدل السياق هنا ضمنا وفي موضع آخر من السورة تصريحا - كما أنه ليس من التقية المرخص بها أن يعاون المؤمن الكافر بالعمل في صورة من الصور باسم التقية . فما يجوز هذا الخداع على الله !

ولما كان الأمر في هذه الحالة متروكا للضمائر ولتقوى القلوب وخشيتها من علام الغيوب ، فقد تضمن التهديد تحذير المؤمنين من نقمة الله وغضبه في صورة عجيبة من التعبير حقا :

( ويحذركم الله نفسه . وإلى الله المصير ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{لَّا يَتَّخِذِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلۡكَٰفِرِينَ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَۖ وَمَن يَفۡعَلۡ ذَٰلِكَ فَلَيۡسَ مِنَ ٱللَّهِ فِي شَيۡءٍ إِلَّآ أَن تَتَّقُواْ مِنۡهُمۡ تُقَىٰةٗۗ وَيُحَذِّرُكُمُ ٱللَّهُ نَفۡسَهُۥۗ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ} (28)

{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير }

المفردات :

أولياء : أصدقاء وأنصار .

من دون المؤمنين : متجاوزين المؤمنين إلى الكافرين .

فليس من الله في شيء : فليس من دين الله في شيء .

إلا ان تتقوا منهم تقاة : إلا لتقوا أنفسكم وتحفظوا مما يتقي ويحذر منهم .

المصير : المرجع .

سبب النزول :

روى عن ابن عباس قال : كان الحجاج بن عمرو وكهمس بن أبي الحقيق وقيس بن زيد والكل من اليهود يباطنون نفرا من الأنصار ليفتنوهم عن دينهم فقال رفاعة بن المنذر وعبد الله ابن جبير وسعد بن خيثمة لأولئك النفر :

اجتنبوا هؤلاء اليهود واحذروا مباطنتهم لا يفتنوكم عن دينكم فأبي أولئك النفر إلا مباطنتهم وملازمتهم فأنزل الله هذه الآية .

التفسير :

28- { لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنون . . } .

تقرر الآية أن موالاة الكافر خطر على من والاه وإنها لا تكون إلا عند الضرورة لاتقاء ضرر يكون من ناحية على أن لا تبلغ الموالاة بالدرجة المباطنة بخفايا المؤمنون .

و الموالاة تطلق لغة على الحب والصداقة والمباطنة بالأسرار وتطلق على النصرة وكلا المعنيين تصح إرادته ولهذا لا يحل للمؤمنين أن يوالوا الكافرين بأي معنى من معاني الموالاة ومن يفعل ذلك فليس من دين الله تعالى في شيء وقد يذكر ذلك صريحا في قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم } ( المائدة 51 ) .

و قد تكرر النهي عن موالاة المؤمنين للكافرين في عديد من آي القرآن لخطورتها على كيانهم فهم دائما يتربصون بهم الدوائر ويبغونهم الفتنة وفي المسلمين سماعون لهم وهم المنافقون وضعاف النفوس .

قال الله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق . . . ( الممتحنة 1 ) .

و قال عز شأنه : { يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا } ( النساء 144 ) .

فعلى المؤمنون ان يحرزوا حتى يأمنوا شرهم عليهم ان يقصروا موالاتهم على المؤمنين لا يتجاوزونهم إلى الكافرين لغرض من الأغراض إلا أن يتقوا أنفسهم من ضرر من شأنه أن يتقي ويحذر فإذا اضطر المسلمون لموالاتهم دفاعا عن الوطن او المال أو العرض فلهم ذلك في حدود الضرورة .

و أجاز المحققون من العلماء الاستعانة بالكفار بشرط الحاجة والوثوق . . أما بدونها فلا تجوز .

و استدل بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم ( 153 ) واستعان بصفوان بن أمية في هوازن .

على أن بعضهم ذكر أن الاستعانة المنهي عنها هي استعانة الذليل بالعزيز أما غيرها فلا .

جاء في تفسير القاسمي :

و اعلم أن الموالاة التي هي المباطنة والمشاورة وإفضاء الأسرار للكفار لا تجوز فإن قيل : قد جوز كثير من العلماء نكاح الكافرة وفي ذلك من الخلطة والمباطنة بالمرأة ما ليس بخاف فجواب ذلك أن المراد موالاتهم في الدين و فيما فيه تعظيم لهم .

فإن قيل في سبب نزول الآية : ان النبي صلى الله عليه وسلم منع عبادة ابن الصامت من الاستعانة باليهود على قريش ( 154 ) وقد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش وفي هذا دلالة على جواز الاستعانة بهم .

و قد ذكر الراضي أنه يجوز الاستعانة بالفساق على حرب المبطلين قال : وقد حالف رسول الله صلى الله عليه وسلم اليهود على حرب قريش وغيرها إلى أن نقضوه يوم الأحزاب وحد صلى الله عليه الحلف بينه وبين خزاعة قال الراضي بالله وهو الظاهر عن آبائنا عليهم السلام وقد استعان على عليه السلام بقتلة عثمان ولعل الجواب والله أعلم أن الاستعانة جائزة مع الحاجة أو خشية مضرة منهم وعليه يحمل حديث عبادة بن الصامت .

{ لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين } .

{ من دون المؤمنين } حال أي متجاوزين المؤمنين إليهم استقلالا أو اشتراكا وفيه إشارة إلى إنهم الأحقاء بالموالاة وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفرة .

{ و من يفعل ذلك فليس من الله في شيء } أي ومن يوالي الكفرة فليس من ولاية الله في شيء تقع عليه اسم الولاية يعني أنه منسلخ من ولاية الله رأسا وهذا أمر معقول فإن موالاة الوالي وموالاة عدوه متنافيان ( 155 ) .

{ إلا أن تتقوا منهم تقاة } أي تخافوا منهم محذورا فأظهروا معهم الموالاة باللسان دون القلب لدفعه ، روى البخاري في كتاب الأدب باب المداراة مع الناس عن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال " إنا لنكشر ( 156 ) في وجوه أقوام وقلوبنا تلعنهم " . ( 157 ) .

{ و يحذركم الله نفسه } أي ذاته المقدسة فلا تتعرضوا لسخطه بمخالفته أحكامه وموالاته أعدائه وتهديد عظيم مشعر بتناهي المنهي في القبح وإضافة تحذيرهم إلى نفسه وإلى ذاته العلية إيذان ببلوغ المنهي عنه منتهى الخطورة .