في ظلال القرآن لسيد قطب - سيد قطب [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (4)

( يسألونك : ماذا أحل لهم ؟ قل : أحل لكم الطيبات ، وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله . فكلوا مما أمسكن عليكم ، واذكروا اسم الله عليه . واتقوا الله ، إن الله سريع الحساب . اليوم أحل لكم الطيبات ، وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم ، وطعامكم حل لهم ، والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم - إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان - ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله ، وهو في الآخرة من الخاسرين ) . .

إن هذا السؤال من الذين آمنوا عما أحل لهم ؛ يصور حالة نفسية لتلك الجماعة المختارة ، التي سعدت بخطاب الله تعالى لها أول مرة ؛ ويشي بما خالج تلك النفوس من التحرج والتوقي من كل ما كان في الجاهلية ؛ خشية أن يكون الإسلام قد حرمه ؛ وبالحاجة إلى السؤال عن كل شيء للتثبت من أن المنهج الجديد يرتضيه ويقره .

والناظر في تاريخ هذه الفترة يلمس ذلك التغيير العميق الذي أحدثه الإسلام في النفس العربية . . لقد هزها هزا عنيفا نفض عنها كل رواسب الجاهلية . . لقد أشعر المسلمين - الذين التقطهم من سفح الجاهلية ليرتفع بهم إلى القمة السامقة - أنهم يولدون من جديد ؛ وينشأون من جديد . كما جعلهم يحسون إحساسا عميقا بضخامة النقلة ، وعظمة الوثبة ، وجلال المرتقى ، وجزالة النعمة . فأصبح همهم أن يتكيفوا وفق هذا المنهج الرباني الذي لمسوا بركتة عليهم . وأن يحذروا عن مخالفته . . وكان التحرج والتوجس من كل ما ألفوه في الجاهلية هو ثمرة هذا الشعور العميق ، وثمرة تلك الهزة العنيفة .

لذلك راحوا يسألون الرسول [ ص ] بعد ما سمعوا آيات التحريم :

( ماذا أحل لهم ؟ ) .

ليكونوا على يقين من حلة قبل أن يقربوه .

وجاءهم الجواب :

( قل : أحل لكم الطيبات . . . ) . .

وهو جواب يستحق التأمل . . إنه يلقي في حسهم هذه الحقيقة : إنهم لم يحرموا طيبا ، ولم يمنعوا عن طيب ؛ وإن كل الطيبات لهم حلال ، فلم يحرم عليهم إلا الخبائث . . والواقع أن كل ما حرمه الله هو ما تستقذره الفطرة السليمة من الناحية الحسية . كالميتة والدم ولحم الخنزير . أو ينفر منه القلب المؤمن كالذي أهل لغير الله به أو ما ذبح على النصب ، أو كان الاستقسام فيه بالأزلام . وهو نوع من الميسر .

ويضيف إلى الطيبات - وهي عامة - نوعا منها يدل على طيبته تخصيصه بالذكر بعد التعميم ؛ وهو ما تمسكه الجوارح المعلمه المدربة على الصيد كالصقر والبازي ، ومثلها كلاب الصيد ، أو الفهود والأسود . مما علمه أصحابه كيف يكلب الفريسة : أي يكبلها ويصطادها :

( وما علمتم من الجوارح مكلبين ، تعلمونهن مما علمكم الله . فكلوا مما أمسكن عليكم ، واذكروا اسم الله عليه واتقوا الله ، إن الله سريع الحساب ) . .

وشرط الحل فيما تمسكه هذه الجوارح المكبلة المعلمة المدربة ، أن تمسك على صاحبها : أي أن تحتفظ بما تمسكه من الصيد ؛ فلا تأكل منه عند صيده ؛ إلا إذا غاب عنها صاحبها ، فجاعت . فإنها إن أكلت من الفريسة عند إمساكها لها ، لا تكون معلمة ؛ وتكون قد اصطادت لنفسها لا لصاحبها فلا يحل له صيدها . ولو تبقى منها معظم الصيد لم تأكله ؛ ولو جاءت به حيا ولكنها كانت أكلت منه ؛ فلا يذكى ؛ ولو ذبح ما كان حلالا . .

والله يذكر المؤمنين بنعمته عليهم في هذه الجوارح المكلبة ؛ فقد علموها مما علمهم الله . فالله هو الذي سخر لهم هذه الجوارح ؛ وأقدرهم على تعليمها ؛ وعلمهم هم كيف يعلمونها . . وهي لفتة قرآنية تصور أسلوب التربية القرآني ، وتشي بطبيعة المنهج الحكيم الذي لا يدع لحظة تمر ، ولا مناسبة تعرض ، حتى يوقظ في القلب البشري الإحساس بهذه الحقيقة الأولى : حقيقية أن الله هو الذي أعطى كل شيء . هو الذي خلق ، وهو الذي علم ، وهو الذي سخر ؛ وإليه يرجع الفضل كله ، في كل حركة وكل كسب وكل إمكان ، يصل إليه المخلوق . . فلا ينسى المؤمن لحظة ، أن من الله ، وإلى الله ، كل شيء في كيانه هو نفسه ؛ وفيما حوله من الأشياء والأحداث ؛ ولا يغفل المؤمن لحظة عن رؤية يد الله وفضله في كل عزمة نفس منه ، وكل هزة عصب ، وكل حركة جارحة . . ويكون بهذا كله " ربانيًا " على الاعتبار الصحيح .

والله يعلم المؤمنين أن يذكروا اسم الله على الصيد الذي تمسك به الجوارح . ويكون الذكر عند إطلاق الجارح إذ أنه قد يقتل الصيد بنابه أو ظفره ؛ فيكون هذا كالذبح له ؛ واسم الله يذكر عند الذبح ، فهو يذكر كذلك عند إطلاق الجارح سواء .

ثم يردهم في نهاية الآية إلى تقوى الله ؛ ويخوفهم حسابه السريع . . فيربط أمر الحل والحرمة كله بهذا الشعور الذي هو المحور لكل نية وكل عمل في حياة المؤمن ؛ والذي يحول الحياة كلها صلة بالله ، وشعورا بجلاله ، ومراقبة له في السر والعلانية :

( واتقوا الله إن الله سريع الحساب ) . .

 
تفسير القرآن الكريم لعبد الله شحاته - شحاته [إخفاء]  
{يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَآ أُحِلَّ لَهُمۡۖ قُلۡ أُحِلَّ لَكُمُ ٱلطَّيِّبَٰتُ وَمَا عَلَّمۡتُم مِّنَ ٱلۡجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ ٱللَّهُۖ فَكُلُواْ مِمَّآ أَمۡسَكۡنَ عَلَيۡكُمۡ وَٱذۡكُرُواْ ٱسۡمَ ٱللَّهِ عَلَيۡهِۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ} (4)

المفردات :

الطيبات : مات طاب من الأطعمة وحل .

الجوارح : واحدها : جارحة . وهي الصائدة من الكلاب والفهود والطيور .

مكلبين : مبالغين في تدريبها على الصيد . فالمكلب : مؤدب الجوارح ومدربها على الصيد .

4- يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ . . . لما ذكر سبحانه وتعالى في الآية السابقة آية التحريم تحرج المسلمون أن يتناولوا شيئا قبل أن يستيقنوا من حله .

لذلك سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ماذا أحل لهم ؟ .

جاء في تفسير ابن كثير وغيره :

أخرج ابن أبي حاتم ابن جبير ، أن عدي بن حاتم ، وزيد بن المهلهل الطائيين- وكانا أهل صيد- قالا : يا رسول الله إنا قوم نصيد بالكلاب والبزاة .

وإن الكلاب تأخذ البقر والحمر والظباء ، فمنه ما ندرك ذكاته ومنه ما تقتله فلا ندرك ذكاته ، وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا ؟ فنزلت الآية : يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ . . .

أي : يسألك المؤمنون : ماذا أحل لهم من الطعام ؟ فقل لهم يا محمد : أحل لكم ما تستطيعون أكله وتشتهونه مما حل لكم .

قال صاحب الظلال :

وهو جواب يستحق الانتباه ، إذ يلقى في حسهم أنهم لم يحرموا طيبا ولم يمنعوا عن طيب ، وأن كل الطيبات ما تزال لهم حلالا . فلم يحرم إلا الخبيث ، والواقع أن كل ما حرم تستقذره الفطرة السليمة بطبعها من الناحية الحسية كالميتة والدم ولحم الخنزير ، أو ينفر منه الضمير السليم كالذي أهل به لغير الله ، وما ذبح على النصب أو الاستقسام بالأزلام .

وهو يضيف إلى الطيبات ما أمسكته الجوارح كالصقر والبازى- ومثلها كلاب الصيد- المعلمة على الصيد ، التي كلبها أصحابها ، أي : علموها كيف تكلب الفريسة وتكبلها وتصطادها ، وتحتفظ بها لا تأكلها ، واشترط لحل ما تكلبه الجوارح وتمسكه أن تكون قد أمسكته لحساب أصحابها لا لحسابها هي ، وآية ذلك ألا تأكل منه عند صيده ؛ ولا تقربه إلا إذا غاب عنها صاحبها فجاعت فإنها إن تكن أمسكت الفريسة لنفسها ولتطعم منها ؛ حرمت الفريسة على الناس وتركت للذي صادها لنفسه من الجوارح . . فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه . فلا بد من ذكر اسم الله عند إطلاق الجارح أو كلب الصيد ؛ ليكون الصيد حلالا .

من كتب التفسير :

جاء في تفسير ابن كثير ، وصفوة التفاسير للأستاذ محمد علي الصابوني والتفسير الوسيط بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر ما نوجزه فيما يأتي :

وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ . . أي : اذكروا اسم الله على هذه الجوارح التي علمتموها عند إرسالها .

روى البخاري وأصحاب السنن من حديث عدي بن حاتم : أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إذا أرسلت كلابك المعلمة ، وذكرت اسم الله عليه ؛ فكل مما امسكن عليك ، إلا أن يأكل الكلب فلا تأكل ، فإني أخاف أن يكون إنما أمسك على نفسه " {[179]} .

وعلامة المعلم أن يسترسل إذا أرسل ، وينزجر إذا زجر وأن يمسك الصيد فلا يأكل منه ، أن يذكر الله عند إرساله ، فهذه أربع شروط لصحة الأكل من صيد الكلب المعلم . .

قال بعض الفقهاء : بحرمة أكل الصيد الذي أكل منه الجارح ولم يدركه الصائد حيا ؛ لأنه أمسكه على نفسه ، وقال مالك والليث : يؤكل وإن أكل منه الكلب .

وقال أبو حنيفة وأصحابه : إذا أكل الكلب من الصيد فلا يؤكل منه ، ويؤكل صيد البازي وإن أكل منه ؛ لأن تأديب سباع الطير إلى حد ألا تأكل منه متعذر ، بخلاف الكلاب فإنه غير متعذر ، وإذا أدرك الصائد ما أكل منه السبع حيا حياة مستقرة ، فذكاه- أي : ذبحه- حل أكله اتفاقا ؛ لقوله تعالى : وما أكل السبع إلا ما ذكيتم . وإن كانت حياته غير مستقرة وذكاه ، فالحكم كذلك عند الجمهور لعموم الآية .

قال أبو طلحة الأسدي : " سألت ابن عباس عن ذئب عدا على شاة فشق بطنها ، ثم انتثر قصبها- أي أمعاؤها- فأدركت ذكاتها ، فذكيتها ، فقال : كل وما انتثر من قصبها فلا تأكل " .

قال إسحاق بن راهويه : السنة في الشاة ، على ما وصف ابن عباس ، فإنها- وإن خرجت أمعاؤها- فهي حية بعد ، وموضع الذكاة منها سالم ، وإنما ينظر- عند الذبح- أحية هي أم مية ؟ ولا ينظر إلى ما أصابها : هي تعيش معه أم لا ؟ قال ابن إسحاق : ومن خالف هذا ؛ فقد خالف جمهور الصحابة وعامة العلماء .

وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ . هذا أمر بتسمية الله تعالى عند إرسال الكلب والطير على الصيد ، فالحكم في التسمية عنده كالحكم غيها عند الذبح .

وقيل : هو أمر بالتسمية على الصيد عند الأكل منه .

قال الألوسي : وهو بعيد ، وإن استظهره أبو حيان {[180]} .

واستدل العلماء بهذه الآية على جواز تعليم الحيوان وضربه للمصلحة ؛ لان تعليم يحتاج إلى ذلك ، وعلى إباحة اتخاذ الكلب للصيد . ومثله للحراسة ، والانتفاع به فيما يحقق المصالح العامة ، مثل تعقبل اللصوص ، وإنقاذ الغرقى ، وقيادة العميان .


[179]:إذا أرسلت كلبك المعلم: رواه البخاري في الوضوء (175) وفي الذبائح (5486،5485،5476،5475) ومسلم في الصيد (1929) وأبو داود في الصيد (2854) والترمذي في الصيد (1470) والنسائي في الصيد (4263) والدرامي في الصيد (2002) واحمد في مسنده (18900،18882،17781) من حديث عدي بن حاتم قال سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل وإذا أكل فلا تأكل فإنما أمسكه على نفسه. قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر. قال: فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر" ورواه البخاري في الذبائح (5496،5488،5478) وأبو داود في الصيد (2856،2855،2852) والترمذي في الصيد (1464) وفي السير (3983) وفي الأطعمة (1797) (17296،17283،17279) وابن ماجه في الصيد (3207) من حديث أبي ثعلبة الخشني قال، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في صيد الكلب إذا أرسلت كلبك وذكرت اسم الله فكل وإن أكل منه وكل ما ردت عليك يداك.
[180]:مختصر تفسير ابن كثير تحقيق محمد على الصابوني 1/485 والتفسير الوسيط لمجمع البحوث الإسلامية حزب 1 1ص1018 ،وصفوة التفاسير للأستاذ محمد على الصابوني 1/328 وفي تفسير ابن كثير عن صحيح البخاري عن عائشة أنهم قالوا يا رسول الله إن قوما يأتوننا حديث عهدهم بكفر بحلمان لا ندري أذكر اسم الله عليها أم لا ؟ فقال: (سموا أنتم وكلوا).