تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

أي : إذا أراد أن ينتقم من أحد ، فإنه لا يفوته ولا يعجزه ، وذلك في يوم القيامة ، { يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ } تبدل غير السماوات ، وهذا التبديل تبديل صفات ، لا تبديل ذات ، فإن الأرض يوم القيامة تسوى وتمد كمد الأديم ويلقى ما على ظهرها من جبل ومَعْلم ، فتصير قاعا صفصفا ، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا ، وتكون السماء كالمهل ، من شدة أهوال ذلك اليوم ثم يطويها الله -تعالى- بيمينه .

{ وَبَرَزُوا } أي : الخلائق من قبورهم إلى يوم بعثهم ، ونشورهم في محل لا يخفى منهم على الله شيء ، { لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ } أي : المتفرد بعظمته وأسمائه وصفاته وأفعاله العظيمة ، وقهره لكل العوالم فكلها تحت تصرفه وتدبيره ، فلا يتحرك منها متحرك ، ولا يسكن ساكن إلا بإذنه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ} (48)

قوله : ( يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات ) ( يوم ) ، منصوب على الظرف بالمصدر قبله وهو قوله : ( ذو انتقام ) أو منصوب على البدل من قوله : ( يوم يأتيهم العذاب ) {[2423]} وقيل : منصوب بفعل مقدر . أي واذكر يوم تبدل الأرض .

والمراد بالتبديل الذي يأتي على الأرض والسماوات يحتمل وجهين :

الوجه الأول : أن يكون ذلك في الذات ؛ أي تبدل الأرض التي عليها الناس في هذه الدنيا ، فتصير أرضا بيضاء نقية كالفضة ، وكذلك السماوات الحالية المعروفة تبدل سموات أخرى مختلفة اختلافا ذاتيا .

الوجه الثاني : المراد بالتبديل ما كان في الصفة وليس في الذات . قال ابن عباس في هذا المعنى : هي تلك الأرض إلا أنها تغيرت في صفاتها فتسير عن الأرض جبالها وتفجر بحارها وتسوّى ، فلا يُرى فيه عوج ولا أمت{[2424]} .

قوله : ( والسماوات ) أي تبدل السموات غير السموات . وهذا كقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يقتل مؤمن كافر ولا ذو عهد في عهده " والمعنى : ولا ذو عهد في عهده بكافر . أما تبديل السماوات ، فهو بانفطارها وانتثار كواكبها وانكدار نجومها وتكوير شمسها وخسوف قمرها وتسجير بحارها . فلا جرم أن ذلك انقلاب كوني هائل مزلزل ، انقلاب يأتي على الكون كله وما حواه من خلائق وأشياء سواء في ذلك الأحياء على اختلاف أنواعها وأجناسها ، أو الكواكب والنجوم ومختلف الأجرام السابحة في أجواز الفضاء الرحيب ، أو ما حوته الأرض من بحار وأنهار ومعادن وبشر . كل أولئك سيأتي عليهم التبديل الكوني المذهل الذي تتغير فيه الصورة والصفات للأشياء جميعا ليصير الوجود إلى عوالم أخرى مختلفة وقد تبدل فيها الحال غير الحال ؛ بل تبدل فيها كل شيء تبديلا .

تلك هي القيامة بفظائعها وقواصمها ودواهيها الجسام . وحينئذ يؤتى بالبشرية جميعها لتناقش الحساب . وهو قوله : ( وبرزوا لله الواحد القهار ) أي في ذلك الزمان العصيب من أهوال القيامة حيث القوارع والشدائد والبلايا يظهر بنو آدم فردا فردا بين يدي الله ( الواحد القهار ) أي الغلاب الذي لا يغالب ، القهار الذي لا يقهر ؛ بل إنه هو الذي يقهر الخلق بما شاء وكيف شاء .

وإنهم يظهرون جميعا أمام الله مكشوفين صاغرين عرايا وقد غشيهم من اليأس والرعب ما تخوى منه القلوب ، وتنهار به الأبدان والأعصاب{[2425]} ، يظهرون جميعا ليناقشوا الحساب فلا استتار حينئذ ولا مناص ولا غياب ، إلا الوقوف بين يدي القاهر الدّيّان .


[2423]:- البيان لابن الأنباري جـ2 ص 62 وتفسير الرازي جـ 19 ص 149.
[2424]:- الأمت: الانخفاض والارتفاع. انظر مختار الصحاح ص 24.
[2425]:- تفسير الطبري جـ 13 ص 164- 167 وتفسير الرازي جـ 19 ص 149 وتفسير النسفي جـ 2 ص 266 والبيان للأنباري جـ 2 ص 62.