تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (19)

{ قُلْ } لهم -لما بينا لهم الهدى ، وأوضحنا لهم المسالك- : { أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً } على هذا الأصل العظيم . { قُلِ اللَّهُ } أكبر شهادة ، فهو { شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ } فلا أعظم منه شهادة ، ولا أكبر ، وهو يشهد لي بإقراره وفعله ، فيقرني على ما قلت لكم ، كما قال تعالى { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ } فالله حكيم قدير ، فلا يليق بحكمته وقدرته أن يقر كاذبا عليه ، زاعما أن الله أرسله ولم يرسله ، وأن الله أمره بدعوة الخلق ولم يأمره ، وأن الله أباح له دماء من خالفه ، وأموالهم ونساءهم ، وهو مع ذلك يصدقه بإقراره وبفعله ، فيؤيده على ما قال بالمعجزات الباهرة ، والآيات الظاهرة ، وينصره ، ويخذل من خالفه وعاداه ، فأي : شهادة أكبر من هذه الشهادة ؟ "

وقوله : { وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ } أي وأوحى الله إليَّ هذا القرآن الكريم لمنفعتكم ومصلحتكم ، لأنذركم به من العقاب الأليم . والنذارة إنما تكون بذكر ما ينذرهم به ، من الترغيب ، والترهيب ، وببيان الأعمال ، والأقوال ، الظاهرة والباطنة ، التي مَن قام بها ، فقد قبل النذارة ، فهذا القرآن ، فيه النذارة لكم أيها المخاطبون ، وكل من بلغه القرآن إلى يوم القيامة ، فإن فيه بيان كل ما يحتاج إليه من المطالب الإلهية .

لما بيّن تعالى شهادته التي هي أكبر الشهادات على توحيده ، قال : قل لهؤلاء المعارضين لخبر الله ، والمكذبين لرسله { أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ } أي : إن شهدوا ، فلا تشهد معهم .

فوازِنْ بين شهادة أصدق القائلين ، ورب العالمين ، وشهادة أزكى الخلق المؤيدة بالبراهين القاطعة والحجج الساطعة ، على توحيد الله وحده لا شريك له ، وشهادة أهل الشرك ، الذين مرجت عقولهم وأديانهم ، وفسدت آراؤهم وأخلاقهم ، وأضحكوا على أنفسهم العقلاء .

بل خالفوا بشهادة فطرهم ، وتناقضت أقوالهم على إثبات أن مع الله آلهة أخرى ، مع أنه لا يقوم على ما قالوه  أدنى شبهة ، فضلا عن الحجج ، واختر لنفسك أي : الشهادتين ، إن كنت تعقل ، ونحن نختار لأنفسنا ما اختاره الله لنبيه ، الذي أمرنا الله بالاقتداء به ، فقال : { قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ } أي : منفرد ، لا يستحق العبودية والإلهية سواه ، كما أنه المنفرد بالخلق والتدبير .

{ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ } به ، من الأوثان ، والأنداد ، وكل ما أشرك به مع الله . فهذا حقيقة التوحيد ، إثبات الإلهية لله ونفيها عما عداه .

 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{قُلۡ أَيُّ شَيۡءٍ أَكۡبَرُ شَهَٰدَةٗۖ قُلِ ٱللَّهُۖ شَهِيدُۢ بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ لِأُنذِرَكُم بِهِۦ وَمَنۢ بَلَغَۚ أَئِنَّكُمۡ لَتَشۡهَدُونَ أَنَّ مَعَ ٱللَّهِ ءَالِهَةً أُخۡرَىٰۚ قُل لَّآ أَشۡهَدُۚ قُلۡ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَإِنَّنِي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ} (19)

قوله : { قل أي شيء أكبر شهدة } قال المشركون للنبي صلى الله عليه وسلم : من يشهد لك يا محمد بأنك رسول الله ، فنزلت الآية . وأي مبتدأ ، وخبره ، أكبر . وشهادة تمييز . وإذا كانت { أي } استفهامية فقد لزم أن تكون مسمى باسم ما أضيفت إليه ، فوجب بذلك أن يسمى الله تعالى { شيء } {[1133]} وتأويل الآية هو : قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين يكذبونك ويجحدون أنك نبي : أي الأشياء أعظم شهادة ؟ ثم أخبرهم بأن أعظم الأشياء شهادة هو الله وحده فهو العليم بالمحق منا من المبطل ، وبالرشيد من السفيه ، وبالمهتدي من الضال المتخبط . وهو شهيد بيني وبينكم على أنني نبي مبعوث من عنده سبحانه وأنني قد أبلغتكم رسالة ربي وصدقت فيما قلته لكم .

قوله : { وأوحي إلي هذا القرءان لأنذركم به ومن بلغ } أوحي مبني للمجهول . القرآن نائب فاعل مرفوع . من اسم موصول في محل نصب معطوف على المنصوب في { لأنذركم } أي قل لهؤلاء المشركين أن الله أوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به عقابه وكذلك أنذر به من بلغه من سائر الناس غيركم ، فإن لم تهتدوا أنتم وهم بهديه وتتخذوه شرعة لكم ومنهاجا فلسوف يحل عليكم سخط الله ومقته ونقمته .

قوله : { أئنكم لتشهدون أن مع الله ءالهة أخرى } الهمزة الأولى في قوله { أئنكم } للاستفهام . وهو استفهام تقريع وتوبيخ . أي قل لهؤلاء المشركين الذين يعدلون بالله ربا سواه من الآلهة المصطنعة والأنداد المختلقين : أئنكم أيها المشركون الجاحدون تشهدون أن مع الله معبودا غيره من الأوثان والأصنام . وقال : { أخرى } ولم يقل أخر . لأن الألهة جمع والجمع يقع عليه التأنيث .

قوله : { قل لا أشهد } أي قل لهم : لا أشهد بما تشهدون أن مع الله آلهة أخرى بل إني أجحد ذلك وأنكره .

قوله : { قل إنما هو إله واحد } اتصلت ما بإن فكفتها عن العمل . هو في محل رفع مبتدأ . إله خبره . واحد ، صفة للخبر . أي إنما هو معبود واحد لا شريك له . وليس من شيء في الكائنات إلا هو مستسلم لجلاله ووجل من سلطانه وجبروته . ومخبت لعزه وعظمته .

قوله : { وإني برئ مما تشركون } أي أبرأ من كل شريك تعبدونه مع الله وتصطنعون له الإلهية المختلقة فإني أربأ بنفسي من مثل ما تختلقون من الأنداد فإني لا أعبد شيئا من ذلك . إنما أعبد الله الذي خلق كل شيء{[1134]} .


[1133]:- الدر المصون لأحمد بن يوسف الحلبي ج 4 ص 566.
[1134]:- تفسير القرطبي ج 398- 400 وتفسير الطبري ج 7 ص 103-105 والدر المصون ج 4 ص 569.