{ وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ }
أي : إذا طلقتم النساء قبل المسيس ، وبعد فرض المهر ، فللمطلقات من المهر المفروض نصفه ، ولكم نصفه .
هذا هو الواجب ما لم يدخله عفو ومسامحة ، بأن تعفو عن نصفها لزوجها ، إذا كان يصح عفوها ، { أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ } وهو الزوج على الصحيح{[147]} لأنه الذي بيده حل عقدته ، ولأن الولي لا يصح أن يعفو عن ما وجب للمرأة ، لكونه غير مالك ولا وكيل .
ثم رغب في العفو ، وأن من عفا ، كان أقرب لتقواه ، لكونه إحسانا موجبا لشرح الصدر ، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف ، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة ، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين : إما عدل وإنصاف واجب ، وهو : أخذ الواجب ، وإعطاء الواجب . وإما فضل وإحسان ، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق ، والغض مما في النفس ، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة ، ولو في بعض الأوقات ، وخصوصا لمن بينك وبينه معاملة ، أو مخالطة ، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم ، ولهذا قال : { إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } .
قوله تعالى : { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم } . هذا في المطلقة بعد الفرض قبل المسيس فلها نصف المفروض ، وإن مات أحدهما قبل المسيس فلها كمال المهر المفروض ، والمراد بالمس المذكور في الآية : الجماع ، واختلف أهل العلم فيما لو خلا الرجل بامرأته ثم طلقها قبل أن يدخل بها ، فذهب قوم إلى أنه لا يجب لها إلا نصف الصداق ، ولا عدة عليها لأن الله تعالى أوجب بالطلاق قبل المسيس نصف المهر ، ولم يوجب العدة ، وهو قول ابن عباس رضي الله عنه ، وابن مسعود وبه قال الشافعي رحمه الله . وقال قوم : يجب لها كمال المهر ، وعليها العدة ، لما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال : إذا أرخيت الستور فقد وجب الصداق ، ومثله عن زيد بن ثابت ، وحمل بعضهم قول عمر على وجوب تسليم الصداق إليها إذا سلمت نفسها ، لا على تقدير الصداق ، وقيل : هذه الآية ناسخة للآية التي في سورة الأحزاب ( فما لكم عليهن من عدة تعتدونها فمتعوهن ) فقد كان للمطلقة قبل المسيس متاع فنسخت بهذه الآية ، وأوجب للمطلقة المفروض لها قبل المسيس نصف المفروض ، ولا متاع لها . وقوله تعالى : ( وقد فرضتم لهن فريضة ) أي سميتم لهن مهراً ( فنصف ما فرضتم ) أي لها نصف المهر المسمى .
قوله تعالى : { إلا أن يعفون } . يعني النساء أي إلا أن تترك المرأة نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج . قوله تعالى : { أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح } . اختلفوا فيه : فذهب بعضهم إلى أن الذي بيده عقدة النكاح هو الولي ، وبه قال ابن عباس رضي الله عنه ، معناه : إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها إلى الزوج إن كانت ثيباً من أهل العفو ، أو يعفو وليها فيترك نصيبها إن كانت المرأة بكراً ، أو غير جائزة الأمر فيجوز عفو وليها وهو قول علقمة وعطاء والحسن والزهري وربيعة ، وذهب بعضهم إلى أنه إنما يجوز عفو الولي إذا كانت المرأة بكراً ، فإن كانت ثيباً فلا يجوز عفو وليها ، وقال بعضهم : الذي بيده النكاح هو الزوج ، وهو قول علي ، وبه قال سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير والشعبي والشريحي ومجاهد وقتادة ، وقالوا : لا يجوز لوليها ترك الشيء من الصداق ، بكراً كانت أو ثيباً ، كما لا يجوز له ذلك قبل الطلاق بالاتفاق ، وكما لا يجوز له أن يهب شيئاً من مالها ، وقالوا : معنى الآية إلا أن تعفو المرأة بترك نصيبها فيعود جميع الصداق إلى الزوج أو يعفو الزوج بترك نصيبه فيكون لها جميع الصداق ، فعلى هذا التأويل وجه الآية : ( الذي بيده عقدة النكاح ) ، نكاح نفسه في كل حال قبل الطلاق أو بعده .
قوله تعالى : { وأن تعفوا أقرب للتقوى } . موضعه رفع بالابتداء أي فالعفو أقرب للتقوى ، أي إلى التقوى ، والخطاب للرجال والنساء جميعاً لأن المذكر والمؤنث إذا اجتمعا كانت الغلبة للمذكر معناه : وعفو بعضكم عن بعض أقرب للتقوى .
قوله تعالى : { ولا تنسوا الفضل بينكم } . أي أفضال بعضكم على بعض بإعطاء الرجل تمام الصداق أو ترك المرأة نصيبها ، حثهما جميعاً على الإحسان .
وقوله : ( وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة فنصف ما فرضتم ) إذا وقع الطلاق على المرأة قبل المسيس وقد فرض لها الصداق من قبل ، فإن لها نصفه . وذلك هو الحكم المأخوذ من هذه الآية وهو ما أجمع عليه العلماء . فالطلاق من قبل المسيس وبعد فرض الصداق يوجب لها النصف ، خلافا لما يكون عليه الحكم بعد المسيس والفريضة ؛ فإنها لها الصداق كله .
ويتبين من هذه الآية كذلك أن المطلقة المفروض لها الصداق لا يثبت لها شيء من متعة مادامت غير ممسوسة . وليس لها في هذه الحال غير النصف من الصداق المسمى ؛ لأن المتعة إنما يختص بها من النساء المطلّقات من قبل المسيس ولم يفرض لهن فريضة كما بينّا في الآية السابقة .
ولكن فريقا آخر من العلماء قالوا : إن المتعة تجب لكل مطلّقة عموما استنادا لما سبق من آيات واردة في الأمر بالإمتاع على سبيل الوجوب .
وقوله : ( إلا أن يعفون ) وذلك استثناء منقطع ؛ لأنه لا علاقة للعفو من الصداق بأخذه وليس أحدهما من جنس الآخر . و ( يعفون ) على وزن يَفْعُلْن أي يتركن والنون نون النسوة . والمعنى للآية أن المطلقة قبل المسيس والتي فرض لها الصداق تستحق من هذا الصداق نصفه على سبيل الوجوب لها إلا أن تعفو عن هذا الحق ( النصف ) أي تتركه للزوج تسامحا وكرما وعن طيب نفس .
وقوله : ( أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح ) ( يعفوا ) مضارع منصوب معطوف على يعفو الأولى . والذي بيده عقدة النكاح موضع خلاف ، لكن الراجح أنه يراد به الزوج فهو الذي يملك أن يعقد النكاح وأن يهدمه ، ويستدل على ذلك بما رواه الدارقطني مرفوعا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ، قال : قال رسول الله ( ص ) : " وليّ عقدة النكاح الزوج " وروى الدارقطني أيضا عن جبير بن مطعم أنه تزوج امرأة بني نصر ، فطلقها قبل أن يدخل بها ، فأرسل إليها الصداق كاملا وقال : أنا أحق بالعفو منها . وتأول قوله تعالى : ( أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح ) يعني نفسه . وقد سأل علي بن أبي طالب شريحا عن الذي بيده عقدة النكاح فقال : هو ولي المرأة . فقال عليّ : لا ، بل هو الزوج . وذلك الذي عليه كثير من أهل العلم من الصحابة والتابعين وأئمة المذاهب . وقيل خلافا لذلك : إن الذي بيده عقدة النكاح وليّ المرأة كأن يكون أباها أو جدها أو أخاها أو من يكون إذنه ضروريا لنكاحها . وهو ما ذهب إليه فريق من العلماء منهم مالك ، والشافعي في أحد قوليه ، وذلك قول مرجوح ، فإن الراجح أنه الزوج " لما بينّا من دليل .
وجملة المقصود في هذا الشأن أن المطلقة غير الممسوسة لها نصف الصداق إن كان مفروضا لها من قبل ؛ إلا أن تسخو فتتنازل عن حقها في هذا النصف للزوج وذلك من باب العفو والتسامح وكريم الخلق ، أو أن يسخو الزوج فيتنازل عن حقه في النصف فيدفع لها المهر كاملا ، وهو أمر متعلق بسمو الطبع وكريم الخلق لكل منهما ، وهو فيه الثناء على الكريم منهما ما يجعله من المتقين ، ولا جرم أن يكون في مثل هذا التنازل ما يسوق المتنازل الكريم منهما إلى التقوى ، وفي ذلك يقول سبحانه مبينا مناشدا : ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) .
وقوله : ( ولا تنسوا الفضل بينكم ) ( الفضل ) هو تواضع كل منهما وتنازله بسخاء عن شطر المهر للآخر . فقد تسخو المطلقة غير المدخول بها فتتنازل عن شطر المهر الذي تستحقه للرجل ، وذلك فضل منها . وقد يسخو الرجل ليتنازل في خلق وإحسان عن الشطر الآخر للمهر فيقدمه لها كاملا وذلك فضل منه . وبذلك يكون الاثنان قد تعاملا بخلق كريم وإحسان واضح فلا ينبغي لهما أن ينسيا هذا الفضل ، بل عليهما أن يذكراه ؛ ليظل مثل هذا التذكر سببا في استتباب الأخوة في الدين بينهما وألا يكون الفراق الذي حصل مثيرا للألم والكراهية بينهما . والله جلت قدرته مطّلع على حالهما ، وكاشف لما يبيت في نفس كل منهما ، فلا يخفى عليه شيء من ذلك ظاهرا كان أو مستورا ؛ ولذلك قال : ( إن الله بما تعملون بصير ) {[325]} .