ثم قال تعالى : { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ * فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ }
يأمر بالمحافظة على الصلوات عمومًا وعلى الصلاة الوسطى ، وهي العصر خصوصًا ، والمحافظة عليها أداؤهابوقتها وشروطها وأركانها وخشوعها وجميع ما لها من واجب ومستحب ، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات ، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصًا إذا أكملها كما أمر بقوله { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } أي : ذليلين خاشعين ، ففيه الأمر بالقيام والقنوت والنهي عن الكلام ، والأمر بالخشوع ، هذا مع الأمن والطمأنينة .
قوله تعالى : { حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى } . أي واظبوا وداوموا على الصلوات المكتوبات بمواقيتها ، وحدودها وإتمام أركانها ، ثم خص من بينها الصلاة الوسطى بالمحافظة عليها ، دلالة على فضلها ، و " وسطى " تأنيث " الأوسط " ، ووسط الشيء : خيره وأعدله واختلف العلماء من الصحابة ومن بعدهم في الصلاة الوسطى فقال قوم : هي صلاة الفجر ، وهو قول عمر وابن عمر وابن عباس ومعاذ وجابر ، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد ، وإليه مال مالك والشافعي ، لأن الله تعالى قال : ( وقوموا لله قانتين ) والقنوت طول القيام ، وصلاة الصبح مخصوصة بطول القيام ، وبالقنوت لأن الله تعالى خصها في آية أخرى من بين الصلاة فقال الله تعالى : ( وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً ) ، يعني تشهدها ملائكة الليل ، وملائكة النهار ، فهي مكتوبة في ديوان الليل وديوان النهار ، ولأنها بين صلاتي جمع ، وهي لا تقصر ولا تجمع إلى غيرها . وذهب قوم إلى أنها صلاة الظهر ، وهو قول زيد بن ثابت ، وأبي سعيد الخدري وأسامة ابن زيد ، لأنها وسط النهار وهي أوسط صلاة النهار في الطول .
أخبرنا عمر بن عبد العزيز ، أخبرنا أبو القاسم بن جعفر الهاشمي ، أنا أبو علي اللؤلؤي ، أنا أبو داود أنا محمد بن المثنى ، أنا محمد بن جعفر ، أنا شعبة حدثني عمرو بن أبي حكيم قال : سمعت الزبير يحدث عن عروة بن الزبير عن زيد بن ثابت قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة ، ولم يكن يصلي صلاة أشد على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم منها ، فنزلت : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) .
وذهب الأكثرون إلى أنها صلاة العصر ، رواه جماعة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قول علي وعبد الله بن مسعود وأبي أيوب وأبي هريرة وعائشة رضوان الله عليهم وبه قال إبراهيم النخعي وقتادة والحسن .
أخبرنا أبو الحسن السرخسي ، أخبرنا زاهر بن أحمد ، أخبرنا أبو إسحاق الهاشمي ، أنا أبو مصعب عن مالك بن زيد بن أسلم ، عن القعقاع بن حكيم ، عن أبي يونس مولى عائشة أم المؤمنين رضي الله عنهما أنه قال : أمرتني عائشة أن أكتب لها مصحفاً وقالت : إذا بلغت هذه الآية فآذني ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى ) فلما بلغتها آذنتها فأملت علي : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى صلاة العصر وقوموا لله قانتين ) قالت عائشة رضي الله عنها : سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن حفصة مثل ذلك . أخبرنا عبد الواحد بن أحمد المليحي ، أنا أبو منصور محمد بن محمد بن سمعان ، أنا أبو جعفر الرياني ، أنا حميد بن زنجويهن أخبرنا أبو نعيم ، أنا سفيان عن عاصم بن أبي النجود عن زر بن جحش قال : قلنا لعبيدة : سل علياً عن الصلاة الوسطى . فسأله قال : كنا نرى أنها صلاة الفجر حتى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم الخندق : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ، ملأ الله أجوافهم وقبورهم ناراً " .
ولأنها صلاتي نهار ، وصلاتي ليل ، وقد خصها النبي صلى الله عليه وسلم بالتغليظ . أخبرنا عبد الواحد المليحي ، أنا أحمد بن عبد الله النعيمي ، أخبرنا محمد بن يوسف أنا محمد بن إسماعيل ، أنا مسلم بن إبراهيم أنا هشام أنا يحيى بن أبي كثير ، عن أبي قلابة عن أبي المليح ، قال : كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال : بكروا بصلاة العصر فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله " . وقال قبيصة بن ذؤيب : هي صلاة المغرب لأنها وسط ، ليس بأقلها ولا بأكثرها ، وقال بعضهم : إنها صلاة العشاء ، ولم ينقل عن السلف فيها شيء ، وإنما ذكرها بعض المتأخرين لأنها بين صلاتي لا تقصران . وقال بعضهم هي إحدى الصلوات الخمس لا بعينها ، أبهمها الله تعالى تحريضاً للعباد على المحافظة على أداء جميعها ، كما أخفى ليلة القدر في شهر رمضان وساعة إجابة الدعوة في يوم الجمعة وأخفى الاسم الأعظم في الأسماء ليحافظوا على جميعها .
قوله تعالى : { وقوموا لله قانتين } . أي مطيعين ، قال الشعبي وعطاء وسعيد بن جبير والحسن وقتادة وطاووس ، والقنوت : الطاعة ، قال الله تعالى ( أمة قانتاً لله ) أي مطيعاً . وقال الكلبي ومقاتل : لكل أهل دين صلاة يقومون فيها عاصين فقوموا أنتم لله في صلاتكم مطيعين ، وقيل : القنوت السكوت عما لا يجوز التكلم به في الصلاة . أخبرنا أبو عثمان سعيد بن إسماعيل الضبي ، أنا أبو محمد عبد الجبار بن محمد الجراحي ، أنا أبو العباس محمد بن أحمد المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي أنا أحمد بن منيع أنا هشيم أنا إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن سقيل عن أبي عمرو الشيباني عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصلاة يكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه حتى نزلت { وقوموا لله قانتين } فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .
وقال مجاهد : خاشعين ، وقال : من القنوت طول الركوع ، وغض البصر والركود وخفض الجناح ، كان العلماء إذ كان أحدهم يصلي يهاب الرحمن أن يلتفت أو يقلب الحصى أو يعبث بشيء أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسياً ، وقيل : المراد من القنوت طول القيام .
أخبرنا أبو عثمان الضبي ، أنا أبو محمد الجراحي أنا أبو العباس المحبوبي ، أنا أبو عيسى الترمذي أنا ابن أبي عمر ، أنا سفيان بن عيينة عن أبي الزبير عن جابر قال : قيل للنبي صلى الله عليه وسلم أي الصلاة أفضل ؟ قال : " طول القنوت " . وقيل : قانتين أي داعين . دليله ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : " قنت رسول الله صلى الله عليه وسلم شهراً متتابعاً يدعو على أحياء من سليم ، على رعل وذكوان وعصية " وقيل : معناه مصلين لقوله تعالى ( أمن هو قانت آناء الليل ) أي مصل .
قوله تعالى : ( حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين فإن خفتم فرجالا أو ركبانا فإذا آمنتم فاذكروا الله كما علمكم ما لم تكونوا تعلمون ) ذلك خطاب من الله لعباده المؤمنين آمرا إياهم أن يحافظوا على الصلوات كلها ، وذلك بإقامتها وأدائها تامة غير منقوصة ، سواء في ذلك شروط الصلاة وأركانها من قيام وقراءة وركوع وسجود وقعود وخشوع .
أما الصلاة الوسطى فهي موضع خلاف العلماء سلفا وخلفا .
فقد ذهب بعض أهل العلم إلى أنها الصبح ؛ وتوجيه هذا القول أن ما قبلها صلاتا ليل يُقرأ فيهما جهرا ، وما بعدها صلاتا نهار يُقرأ فيهما سرا . وكذلك فإن وقت الصبح يأتي والناس نيام فيجد الناس في أداء الصلاة في هذا الوقت مشقة وجهدا ؛ وذلك لشدة البرد في الشتاء وقصر الليل في الصيف .
وقيل : إنها الظهر ؛ لأنها وسط النهار . وهو قول زيد بن ثابت وأبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمر وعائشة- رضي الله عنهم أجمعين-
وقيل : إنها المغرب ؛ لأنها متوسطة في عدد الركعات ، فهي ليست بأقل الركعات ولا بأكثر ولا قصر لها في السفر وأنها قبلها صلاتا سر وبعدها صلاتا جهر .
وقيل : إنها صلاة العشاء الآخرة ؛ لأنها تجيء في وقت من النوم يهجع فيه الناس ، فأراد الله أن يؤكد على الاهتمام بها وعدم التفريط فيها .
وقيل : إنها العصر . وهو الذي مال إليه أكثر العلماء من صحابة وتابعين ومذاهب . فهو مروي عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي أيوب وعبد الله بن عمر وأبي هريرة وأبي سعيد الخدري وحفصة وأم سلمة وابن عمر وابن عباس وإبراهيم النخعي وسعيد ابن جبير وابن سيرين والحسن البصري ، وهو مذهب أحمد بن حنبل والشافعي وأبي حنيفة وبعض المالكية . وقد استدلوا لذلك بجملة نصوص من السنة منها ما أخرجه أصحاب السنن عن علي قال : قال رسول الله ( ص ) يوم الأحزاب : " شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله قلوبهم وبيوتهم نارا " ثم صلاها بين العشاءين المغرب والعشاء .
وأخرج الإمام أحمد بإسناده عن سمرة بن جندب أن رسول الله ( ص ) قال : " صلاة الوسطى صلاة العصر " .
وروى ابن جرير الطبري بإسناده عن أبي مالك الأشعري قال : قال رسول الله ( ص ) : " الصلاة الوسطى صلاة العصر " وأحاديث أخرى من طرق متعددة وكثيرة يمكن الاحتجاج بها على أن المراد بالصلاة الوسطى صلاة العصر .
وقوله : ( وقوموا لله قانتين ) ( قانتين ) منصوب على الحال . والقنوت معناه الطاعة والخشوع والسكوت والقيام في الصلاة والإمساك عن الكلام{[326]} والدعاء إلى الله في ضراعة وتذلل . وعلى هذا فمقصود الآية أن يدعو الناس ربهم في خشوع وتذلل ، وأن يكونوا له طائعين مستسلمين ولأمرع وشرعه ممتثلين منفذين ، وقيل : إن المراد بالقنوت في الآية السكوت في الصلاة . واستدل القائلون بهذا الرأي بأن هذه الآية نزلت في المنع من الكلام في الصلاة ، فقد كان الكلام في الصلاة في صدر الإسلام مباحا ، فقد روي عن عبد الله بن مسعود قال : كنا نسلم على رسول الله ( ص ) وهو في الصلاة فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه ، فلم يرد علينا ، فقلنا : يا رسول الله كنا نسلم عليك في الصلاة فترد علينا ؟ فقال : " إن في الصلاة شغلا " .
وروي عن زيد بن أرقم قال : كنا نتكلم في الصلاة يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة حتى نزلت ( وقوموا لله قانتين ) فأمرنا بالسكوت ونهينا عن الكلام .
وجاء في صحيح مسلم أن النبي ( ص ) قال لمعاوية بن الحكم السلمي حسن تكلم في الصلاة : " إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس ، إنما هي التسبيح والتكبير وكر الله " .
والذي نرجحه أن تكون الآية شاملة لكل هذه المعاني ، فالمسلم مدعو أن يكون قانتا لله بكل ما يتضمنه القنوت من معنى . وهو مدعو كذلك أن يلتزم بالسكوت في الصلاة . وأيما كلام في الصلاة يفسدها إن كان ذلك عمدا ولغير حاجة ملحّة أو ضرورية .
أما إن كان الكلام في الصلاة لحاجة ملحة كأن يكون ذلك لإحياء نفس توشك أن تهلك فإنه جائز ، فمن قطع صلاته لمثل هذا السبب كالذي يقطعها لينبه ضريرا مارا في الطريق ومن أمامه بئر يوشك أن يقع فيها فإن عليه أن يبني على صلاته ولا يستأنفها . وقيل غير ذلك .
وإن كان الكلام في الصلاة سهوا فإنه لا يفسدها ، وهو ما ذهب إليه المالكية والشافعية خلافا للحنفية الذين ذهبوا إلى أن الكلام في الصلاة سهوا يفسدها .
والراجح ما ذهب إليه المالكية والشافعية استنادا إلى قوله عليه الصلاة والسلام : " رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " .
ويستفاد من الآية كذلك وجوب القيام في صلاة الفرض إن كان المصلي صحيحا قادرا سواء كان إماما أو منفردا . ي قول الرسول ( ص ) في ذلك : " إنما جُعل الإمام ليؤتم به ، فإذا صلى قائما فصلوا قياما " . وتفصيل ذلك في مظانّه من كتب الفقه .