تيسير الكريم المنان في تفسير القرآن لابن سعدي - ابن سعدي [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا} (44)

{ هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي : في تلك الحال التي أجرى الله فيها العقوبة على من طغى ، وآثر الحياة الدنيا ، والكرامة لمن آمن ، وعمل صالحا ، وشكر الله ، ودعا غيره لذلك ، تبين وتوضح أن الولاية لله الحق ، فمن كان مؤمنا به تقيا ، كان له وليا ، فأكرمه بأنواع الكرامات ، ودفع عنه الشرور والمثلات ، ومن لم يؤمن بربه ويتولاه ، خسر دينه ودنياه ، فثوابه الدنيوي والأخروي ، خير{[490]}  ثواب يرجى ويؤمل ، ففي هذه القصة العظيمة ، اعتبار بحال الذي أنعم الله عليه نعما دنيوية ، فألهته عن آخرته وأطغته ، وعصى الله فيها ، أن مآلها الانقطاع والاضمحلال ، وأنه وإن تمتع بها قليلا ، فإنه يحرمها طويلا ، وأن العبد ينبغي له -إذا أعجبه شيء من ماله أو ولده- أن يضيف النعمة إلى موليها ومسديها ، وأن يقول : { ما شاء الله ، لا قوة إلا بالله } ليكون شاكرا لله متسببا لبقاء نعمته عليه ، لقوله : { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ } وفيها : الإرشاد إلى التسلي عن لذات الدنيا وشهواتها ، بما عند الله من الخير لقوله : { إِنْ تَرَن أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ } وفيها أن المال والولد لا ينفعان ، إن لم يعينا على طاعة الله كما قال تعالى : { وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى إلا من آمن وعمل صالحا } وفيه الدعاء بتلف مال ما كان ماله سبب طغيانه وكفره وخسرانه ، خصوصا إن فضل نفسه بسببه على المؤمنين ، وفخر عليهم ، وفيها أن ولاية الله وعدمها إنما تتضح نتيجتها إذا انجلى الغبار وحق الجزاء ، ووجد العاملون أجرهم ف { هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي : عاقبة ومآلا .


[490]:- في الجملة إشكال دفع إلى جعلها في بعض الطبعات (شر ثواب) وهي في النسختين (خير ثواب) وظاهر أن المقصود بذلك من كان مؤمنا تقيا، فهو الذي ثوابه خير ثواب.
 
نظم الدرر في تناسب الآيات و السور للبقاعي - البقاعي [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا} (44)

ولما أنتج هذا{[46369]} المثل قطعاً أنه لا أمر لغير الله المرجو لنصر أوليائه بعد ذلهم ، ولإغنائهم بعد فقرهم ، ولإذلال أعدائه بعد عزهم وكبرهم{[46370]} ، وإفقارهم{[46371]} بعد إغنائهم وجبرهم{[46372]} ، وأن غيره إنما هو كالخيال لا حقيقة له ، صرح بذلك في قوله تعالى : { هنالك } أي في مثل هذه الشدائد العظيمة { الولاية } أي النصرة - على قراءة الفتح ، والسلطان - على الكسر ، وهي قراءة حمزة والكسائي ، والفتح لغيرهما ، وهما بمعنى واحد ، وهو المصدر كما صدر به في القاموس{[46373]} . { لله } أي{[46374]} {[46375]}الذي له الكمال كله{[46376]} { الحق } أي{[46377]} الثابت الذي لا يحول يوماً ولا يزول ، ولا يغفل ساعة ولا ينام ، {[46378]}ولا ولاية لغيره بوجه - هذا على قراءة الجماعة بالجر على الوصف{[46379]} وهو في قراءة أبي عمرو والكسائي بالرفع على الاستئناف والقطع تقليلاً ، تنبيهاً على أن فزعهم{[46380]} في مثل هذه الأزمات{[46381]} إليه دون غيره برهان قاطع على أنه الحق وما سواه باطل ، وأن الفخر بالعرض الزائل من أجهل الجهل ، وأن المؤمنين لا يعيبهم فقرهم ولا يسوغ{[46382]} طردهم لأجله{[46383]} ، وأنه{[46384]} يوشك أن يعود فقرهم غنى وضعفهم قوة . ولما علم من ذلك من أنه آخذ بأيدي عبيده الأبرار{[46385]} وعلى أيدي عصاته{[46386]} الأشرار ، قال تعالى : { هو خير ثواباً } لمن أثابه{[46387]} { وخير عقباً * } أي عاقبة {[46388]}عظيمة ، فإن فعلا - بضمه وبضمتين - من صيغ جموع الكثرة فيفيده ذلك مبالغة وإن لم يكن جمعاً{[46389]} ، والمعنى أنه أي ثوابه{[46390]} لأوليائه خير ثواب وعقباه{[46391]} خير عقبى .


[46369]:من ظ ومد وفي الأصل: هنا.
[46370]:زيد من ظ ومد.
[46371]:من ظ ومد، وفي الأصل: افتقارهم.
[46372]:من ظ ومد، وفي الأصل: حصرهم.
[46373]:زيد من مد.
[46374]:زيد من مد.
[46375]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46376]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46377]:زيد من مد.
[46378]:العبارة من هنا إلى "والقطع تقليلا" متكررة في الأصل فقط بعد "في القاموس" وساقطة من ظ.
[46379]:زيد من مد والعبارة المتكررة.
[46380]:من ظ ومد، وفي الأصل: فروعهم.
[46381]:في ظ بعلامة النسخة: أي الشدائد.
[46382]:من ظ ومد، وفي الأصل: لا يشوع.
[46383]:من ظ ومد، وفي الأصل: لاجل.
[46384]:من مد، وفي الأصل وظ: إنما هو.
[46385]:زيد من ظ ومد.
[46386]:من مد، وفي الأصل وظ: عصابة.
[46387]:من ظ ومد، وفي الأصل: أنابه.
[46388]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46389]:سقط ما بين الرقمين من ظ.
[46390]:زيد من ظ.
[46391]:من ظ ومد وفي الأصل: عداه.
 
التفسير الشامل لأمير عبد العزيز - أمير عبد العزيز [إخفاء]  
{هُنَالِكَ ٱلۡوَلَٰيَةُ لِلَّهِ ٱلۡحَقِّۚ هُوَ خَيۡرٞ ثَوَابٗا وَخَيۡرٌ عُقۡبٗا} (44)

قوله : ( هنالك الولاية لله الحق ) ( الحق ) صفة لله . و ( الولاية ) ، بفتح اللام من الموالاة يعني النصرة والتولي . فيكون المعنى : في ذلك المقام إنما تكون الموالاة أو النصرة لله وحده فلا يملكها ولا يستطيعها أحد سواه . وبالكسر ، تعني السلطان والملك والقدرة والإمارة ؛ أي لله الحكم والسلطان يوم القيامة .

قوله : ( هو خير ثوابا وخير عقابا ) الله خير جزاء في الدنيا والآخرة لمن آمن به والتجأ إليه منيبا مخبتا وهو كذلك خير عاقبة{[2824]} .


[2824]:- تفسير الرازي جـ21 ص 130 وتفسير القرطبي جـ10 ص 409-411 وفتح القدير جـ3 ص 286.