يأمر تعالى الأولياء والأسياد ، بإنكاح من تحت ولايتهم من الأيامى وهم : من لا أزواج لهم ، من رجال ، ونساء ثيب ، وأبكار ، فيجب على القريب وولي اليتيم ، أن يزوج من يحتاج للزواج ، ممن تجب نفقته عليه ، وإذا كانوا مأمورين بإنكاح من تحت أيديهم ، كان أمرهم بالنكاح بأنفسهم من باب أولى .
{ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ } يحتمل أن المراد بالصالحين ، صلاح الدين ، وأن الصالح من العبيد والإماء -وهو الذي لا يكون فاجرا زانيا- مأمور سيده بإنكاحه ، جزاء له على صلاحه ، وترغيبا له فيه ، ولأن الفاسد بالزنا ، منهي عن تزوجه ، فيكون مؤيدا للمذكور في أول السورة ، أن نكاح الزاني والزانية محرم حتى يتوب ، ويكون التخصيص بالصلاح في العبيد والإماء دون الأحرار ، لكثرة وجود ذلك في العبيد عادة ، ويحتمل أن المراد بالصالحين الصالحون للتزوج المحتاجون إليه{[562]} من العبيد والإماء ، يؤيد هذا المعنى ، أن السيد غير مأمور بتزويج مملوكه ، قبل حاجته إلى الزواج . ولا يبعد إرادة المعنيين كليهما ، والله أعلم .
وقوله : { إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ } أي : الأزواج والمتزوجين { يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } فلا يمنعكم ما تتوهمون ، من أنه إذا تزوج ، افتقر بسبب كثرة العائلة ونحوه ، وفيه حث على التزوج ، ووعد للمتزوج بالغنى بعد الفقر . { وَاللَّهُ وَاسِعٌ } كثير الخير عظيم الفضل { عَلِيمٌ } بمن يستحق فضله الديني والدنيوي أو أحدهما ، ممن لا يستحق ، فيعطي كلا ما علمه واقتضاه حكمه .
ولما تقدم سبحانه إلى عباده في الأمور العامة للأحوال والأشخاص في الزنا وأسبابه ، فحكم وقرر ، ووعظ وحذر ، أتبعه أسباب العصمة التي هي نعم العون على التوبة فقال مرشداً : { وأنكحوا الأيامى } مقلوب أيايم جمع أيم ، وزن فعيل من آم ، عينه ياء ، وهو العزب ذكراً كان أو أنثى ثيبا أو بكراً { منكم } أي من أحراركم ، وأغنى لفظ الأيم عن ذكر الصلاح لأنه لا يقال لمن قصر عن درجة النكاح { والصالحين } أي للنكاح { من عبادكم وإمائكم } أي أرقائكم الذكور والإناث ، احتياطاً لمصالحهم وصوناً لهم عن الفساد امتثالاً لما ندب إليه حديث " تناكحوا تكاثروا فإني أباهي بكم الأمم يوم القيامة " .
ولما كان للزواج كلف يهاب لأجلها ، لما طبع الآدمي عليه من الهلع في قلة الوثوق بالرزق ، أجاب من كأنه قال : قد يكون الإنسان غير قادر لكونه معدماً ، بقوله : { إن يكونوا } أي كل من ذكر من حر أو عبد ، والتعبير بالمضارع يشعر بأنه قد يكون في النكاح ضيق وسعة { فقراء } أي من المال { يغنهم الله } أي الذي له الكمال كله ، إذا تزوجوا { من فضله } لأنه قد كتب لكل نفس رزقها فلا يمنعكم فقرهم من إنكاحهم ، وعن ابن أبي حاتم عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه أنه قال : أطيعوا الله فيما أمركم من النكاح ينجز لكم ما وعدكم من الغنى . وقال البغوي : قال عمر رضي الله عنه : عجبت لمن يبتغي الغنى بغير النكاح - وقرأ هذه الآية . وعن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال : التمسوا الغنى في النكاح ، وتلا هذه الآية _رواه ابن جرير . ولأحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة رضي الله عنه رفعه : " ثلاثة حق على الله عونهم : الناكح يريد العفاف ، والمكاتب يريد الأداء ، والغازي في سبيل الله " ويؤيده ما في الصحيح من حديث الواهبة نفسها حيث زوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن لم يجد ولا خاتماً من حديد .
ولما كان التقدير : فالله ذو فضل عظيم ، عطف عليه قوله : { والله } أي ذو الجلال والإكرام { واسع عليم* } أي فهو بسعة قدرته يسوق ما كتبه للمرأة على يد الزوج ، وبشمول علمه يسبب أسبابه .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.