{ وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } هذا خطاب لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، وفيه تشريف عظيم ، وانتصب رحمة على أنه حال من ضمير المخاطب المفعول ، والمعنى على هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو الرحمة ، ويحتمل أن يكون مصدرا في موضع الحال من ضمير الفاعل تقديره : أرسلناك راحمين للعالمين ، أو يكون مفعولا من أجله ، والمعنى على كل وجه : أن الله رحم العالمين بإرسال سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، لأنه جاءهم بالسعادة الكبرى ، والنجاة من الشقاوة العظمى ، ونالوا على يديه الخيرات الكثيرة في الآخرة والأولى ، وعلمهم بعد الجهالة وهداهم بعد الضلالة ، فإن قيل : رحمة للعالمين عموم والكفار لم يرحموا به فالجواب من وجهين :
أحدهما : أنهم كانوا معرضين للرحمة به لو آمنوا فهم الذين تركوا الرحمة بعد تعريضها لهم .
والآخر : أنهم رحموا به لكونهم لم يعاقبوا بمثل ما عوقب به الكفار المتقدمون من الطوفان والصيحة وشبه ذلك .
ولما كان هذا مشيراً إلى رشادهم ، فكان التقدير : فما أرسلناك إلا لإسعادهم {[52056]}والكفاية لهم{[52057]} في البلاغ إلى جنات النعيم ، عطف عليه ما يفهم سبب التأخير لإنجاز ما يستعجله{[52058]} غير العابدين من العذاب فقال : { وما أرسلناك } أي {[52059]}بعظمتنا العامة{[52060]} على حالة من الأحوال { إلا } على حال كونك { رحمة للعالمين* } كلهم ، أهل السماوات وأهل الأرض من الجن والأنس وغيرهم ، طائعهم بالثواب{[52061]} ، وعاصيهم بتأخير العقاب ، الذي كنا نستأصل به الأمم{[52062]} ، فنحن نمهلهم ونترفق بهم ، إظهاراً لشرفك وإعلاء لقدرك ، حتى نبين أنهم مع كثرتهم وقوتهم وشوكتهم وشدة تمالئهم عليك لا يصلون إلى ما يريدون منك ، ثم نرد كثيراً منهم إلى دينك ، ونجعلهم من أكابر أنصارك وأعاظم أعوانك ، بعد طول ارتكابهم الضلال ، وارتباكهم في أشراك المحال ، وإيضاعهم في الجدال والمحال ، فيلعم قطعاً أنه لا ناصر لك إلا الله الذي يعلم القول في السماء والأرض ، ومن أعظم ما يظهر فيه هذا الشرف في عموم الرحمة وقت الشفاعة العظمى يوم يجمع الأولون والآخرون ، وتقوم الملائكة صفوفاً والثقلان وسطهم ، ويموج بعضهم في بعض من شدة ما هم فيه ، يطلبون من يشفع لهم في أن يحاسبوا ليستريحوا من ذلك الكرب أما إلى جنة أو نار ، فيقصدون أكابر الأنبياء نبياً نبياً عليهم الصلاة والسلام ، والتحية والإكرام ، فيحيل بعضهم على بعض ، وكل منهم يقول : لست لها ، حتى يأتوه صلى الله عليه وسلم فيقول : أنا لها ، ويقوم{[52063]} ومعه لواء الحمد فيشفعه الله وهو المقام{[52064]} المحمود الذي يغبطه به{[52065]} الأولون والآخرون وقد سبقت{[52066]} أكثر الحديث بذلك في سورة غافر عند{ ولا شفيع يطاع{[52067]} }[ الآية : 18 ] .
مشروع تقني يهدف لتوفير قالب تقني أنيق وحديث يليق بالمحتوى الثري لمشروع الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم الصادر عن مؤسسة البحوث والدراسات العلمية (مبدع)، وقد تم التركيز على توفير تصفح سلس وسهل للمحتوى ومتوافق تماما مع أجهزة الجوال، كما تم عمل بعض المميزات الفريدة كميزة التلوين التلقائي للنصوص والتي تم بناء خوارزمية برمجية مخصصة لهذا الغرض.
تم الحصول على المحتوى من برنامج الجامع التاريخي لتفسير القرآن الكريم.
المشروع لا يتبع أي جهة رسمية أو غير رسمية، إنما هي جهود فردية ومبادرات شخصية لبعض الخبراء في مجال البرمجيات.
المشروع لازال في بداياته وننوي إن شاء الله العمل على تطويره بشكل مستمر وسنضع خطة تطوير توضح المميزات التي يجري العمل عليها إن شاء الله.
الدعاء للقائمين عليه، نشر الموقع والتعريف به، إرسال الملاحظات والمقترحات.